كلب الجار يفهمني أكثر من صاحبه

الأحد 2015/10/11
الحقيقة هادئة أصلا

ما عاد يدعوني أحد لأن القلة التي تعرفني تعلم أنني لا أخرج إلى الشارع سوى مساء، لإلقاء البلاستيك والمعدن في حاوية، والزجاج في أخرى، والورق في ثالثة، وما هو عضوي في رابعة.

الغريب أنني أعود إلى البيت والرابعة تنتظرني.

***

في أبريل ومايو 2011 كانت التظاهرات في يبرود “طيّارة” وليلية عموما، فالأمن والشرطة ما زالوا فيها. دلّوني على مكان وموعد إحداها فذهبت لأشارك، وجدت الحشد مقنّعا وأنا السفور الوحيد، كلهم شباب ولا يعرفونني فينظرون إليّ بارتياب.

يوم اعتقال نمير محا ابن أخ لي صور مشاركاتي (ونيكول في بعضها) تحسّبا.

***

كثير ممّن يستمعون إليّ يصيبهم سأم لأنني أتكلّم بهدوء وبصوت غير عال.. لأنني لا أكذب.

الحقيقة هادئة أصلا.

لا تثق بمن يرفع صوته.

***

بمقدور العائلة أن تقدّم لأمّي فرصة السفر إلى الأرجنتين (بلدها) وأسبانيا هذه وأفخم أماكن الاستجمام في العالم.. لكنها تجيب باللهجة الوحيدة التي تعرفها “اليبرودية”: “بدّي روح عَ الجورة أو عَ يبرود”.

***

مات الكاتب السويدي مانكيل، ذلك الذي شارك في أسطول التضامن مع غزة.

كان في عمري، لعل الموت لا يجيد الاختيار.

***

كلب الجار يفهمني أكثر من صاحبه، ولا يكذب!

***

قلت لطبيب أسناني أن يضع لي أسنان ذئب بديلا عمّا اقتلعه، تفحصّني وقال شامتا: شكلك غير مناسب.

***

توضيح:

بدأت “غبار اليوم التالي” في دمشق، سنة 1986، وقبل النفي الذاتي.. رأيت، بعد سنتين من نشر قصة إخفاق الوالد في “.. وبعـض من أيام أُخر” أن أسجّل إخفاقنا نحن. ولأن الكتابة ليست مهنتي كنـت أكتب لماما وأحيانا بإجازات قد تدوم سنين. كففت يدي عنها سنة 1996 وأرادت “دار المدى” إصدارها، لكن الرقابة طلبت حذف 24 صفحة منها فيها قصتي مع تماثيل “السيد الرئيس” (سبب رحيلي) فرفضت، لذا تخمّرت في غبار الرفوف.

توضيح لا بدّ منه:

شخصيات “غبار اليوم التالي” هي ما تبقّى من “.. وبعض من أيام أُخر”، في الأخيرة قصة إخفاق جيل الوالد وفي الأولى إخفاق جيلنا نحن.

لم يُعدم من استهجن وسأل: “لمِ تكتب وأنت نحّات؟”.

لا يفهمون أنني أحاول الحبّ بكلّ الأدوات الممكنة.

أعترف أنني فشلت مع الباليه.

تخطيط: ساي سرحان

***

قالت أمّي بعد أن قرأت “.. وبعض من أيام أُخر” في ترجمته الأسبانية: “أضروري أن تنشر غسيلنا الوسخ؟”، لأنني أكتب عما أعيشه.

علما أن بين الغسيل ما هو نظيف.

***

أحبّ مزاج الحمضيات، فهي التي تقرّر متى يكون ربيعها.

أزهر الليمون واليوسفي في حديقتي.

***

يقولون أن غازي قهوجي مات.. وهو الذي قال لي في جلسة “العرب يحبّون مؤخرة هيفاء وهبي أكثر من مقدّمة ابن خلدون”.

كلّنا على الطريق.

***

هناك من تغيب إيماءاته عن “الفيس” هذا.. ويجعلك تشعر أن الزمن توقّف.

آمل أن يكونوا بخير.

***

مكرّر (لن يعجب الشعراء!)

صادفت أرملة خورخي لويس بورخيس في مراكش، وهي، بشكل ما مواطنتي، حدّثتني عن يوم دعوا بورخيس (الكفيف) إلى مهرجان للشعر عُقد في مراكش، وكيف سأله صحفي “أية قصيدة أعجبتك؟” فرفع بورخيس إصبعه إلى أعلى وقال “تلك التي يغنّيها المؤذّن”.

***

أنا محظوظ (ربما بالعقل) لم أصادف الله أبدا. وربما رآه آخرون ينقصهم ما أعتمد عليه: “لا تؤمن بما لا تلمسه”. المهمّ: ما أظن “إلههم” كان مغتاظا من الطغيان، بل “عبيده”. فبأي حقّ أدخلوا الآلهة الثورة؟! وهو غائب كما يجب؟

***

أحبّ بسهولة، وأحيانا أضطرّ لعدّ دوام حبّي بخطوات، كثلاثين مترا عبرتها أمامي في محطة قطار، أو دقائق عند بائع الخضروات.

هي تغيب.. لكنني أبقى حيا، قادرا على الحبّ

ثم أخرج باحثا عن حب جديد.

***

ربما كنت في أسبانيا بين من يعرف أكثر عمّا نعانيه في سوريا (مع تجربة شخصية محدودة)، لكن لا أحد يدعوني للإدلاء برأيي.. يدعون صحافيين مشهورين لا يفقهون شيئا. وليحيا الجهل والتجهيل في أوروبا.

نحات وكاتب من سوريا مقيم في غرناطة-إسبانيا

11