"كلمات سبارتكوس الأخيرة" ملحمة عاشت ألفي عام وأكثر

أمل دنقل: لا تحلُموا بعالم سعيد فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد.
السبت 2020/06/27
أمل دنقل شاعر معجون بالكلمات

أن تكتب عبارات تلخص التاريخ، وتحكي قصص الماضي، والحاضر، والمستقبل، لا يكفي أن تكون شاعرا، أو روائيا، أو فيلسوفا، أو مفكرا، أو سياسيا؛ يجب أن تكون بعضا من كل هذا، أو أن تختصر الجميع بشاعر اسمه أمل دنقل، الذي، رغم رحيله عنا، لا يزال مقيما بيننا.

بين العام 1895، الذي يحتفل في ذكراه الأميركيون بنهاية العبودية، وعام 73 قبل الميلاد، الذي قاد فيه سبارتكوس ثورة العبيد في حرب الرقيق الثالثة، 1983 عاما بالتحديد. والآن، بعد مرور 155 عاما على إحياء ذكرى نهاية العبودية، يحق لنا أن نتساءل، هل حقا انتهت العبودية وانتهى الاستغلال في العالم؟

هناك مؤشرات تقول إن العبودية ما زالت تمارس في مناطق مختلفة حول العالم، وعلى رأس تلك الممارسات التفرقة العنصرية التي تميز بين عرق وآخر، وإن الاستغلال يجري في الحياة مجرى الدم في العروق.

يؤكد ذلك ما حدث قبل أيام قليلة من احتفالات الذكرى التي تعرف باسم “جونتينث”، أي يوم التحرير، الذي أدرك خلاله “العبيد” في غالفستون في تكساس أنّهم صاروا أحراراً، بينما تهتز البلاد على وقع توترات عرقية منذ وفاة جورج فلويد، أواخر مايو.

شكلت وفاة الأميركي الأسود اختناقا، في نهاية مايو في مدينة مينيابوليس، بعدما جثا الشرطي الأبيض ديرك شوفين على عنقه لأكثر من ثماني دقائق وسط مناشداته المتكررة بعبارة “أعجز عن التنفس”، الدافع الرئيسي خلف الحركة الاحتجاجية المناهضة للعنصرية.

وبعد ستين عاماً على حركة الحقوق المدنية، تبقى الأقلية السوداء، مهملةً إلى حد كبير. وفضلاً عن كونها تعاني أكثر من الفقر والإهمال الصحي، فهي أيضاً غير ممثلة بما يكفي سياسياً، بينما يشكل السود غالبية نزلاء السجون.

هكذا وبكل وقاحة

بول شاؤول: دنقل صاغ قصيدة مركبة في عمق الواقعية وعمق الإحساس الحَدسي
بول شاؤول: دنقل صاغ قصيدة مركبة في عمق الواقعية وعمق الإحساس الحَدسي

ما يحدث اليوم في الولايات المتحدة، يذكرنا بما حدث قبل ألفين ومئة عام تقريبا، في روما تمت تصفية ثورة العبيد بصلبهم أحياء على جانبي الطريق، وفي الولايات المتحدة تم صلب المشاركين بالاحتجاجات معنويا.

أسهل تهمة يمكن أن يوجهها أي دكتاتور لمن يخرجون إلى الشارع يتحدون سلطته هي وصفهم بالغوغاء المعادين للوطن. وهذا فعلا ما لجأ إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. أمام حشد من الشبان تعهد ترامب بمنع من أسماهم “الغوغاء اليساريين” من دفع الولايات المتحدة إلى الفوضى. وأشار إلى المحتجين الذين حاولوا إسقاط تمثال للرئيس أندرو جاكسون، قرب البيت الأبيض، يعود للقرن التاسع عشر، وكذلك إلى “منطقة مستقلة” أقامها المحتجون في سياتل على أنهما سببان يدعوان لإبقائه في السلطة.

وقال “ليس هذا سلوك حركة سياسية سلمية. إنه سلوك شموليين ومستبدين وأشخاص لا يحبون بلدنا”.

من يحتجون على الظلم العنصري ووحشية الشرطة هم وفق إمبراطور الولايات المتحدة إنما “يكرهون تاريخنا. هم يكرهون قيمنا ويكرهون كل شيء نقدره ونعلي من شأنه كأمريكيين… نحن لا ننحني للمتنمرين اليساريين”.

هكذا وبكل وقاحة، كل من خرج محتجا هو شخص مستبد لا يحب بلده، ولو كانت السلطة تتيح لترامب تعليقهم على الأعمدة، لفعل ما فعله قيصر روما بسبارتكوس ورفاقه.

كلمات سبارتكوس الأخيرة

العديد من الأعمال الفنية ترجمت ثورة سبارتكوس على أنها ثورة المستضعفين للحصول على حريتهم ضد إقطاعية وإمبراطورية تقوم على استرقاق الناس واستغلالهم، وكانت مصدر إلهام للعديد من المفكرين والسياسيين، وقد تم عرضها في العديد من الأعمال السينمائية والفنية والأدبية.

ولكن المسكوت عنه قصيدة ملحمية للشاعر أمل دنقل يقول فيها:

المجد للشيطان.. معبود الرياح

من قال “لا” في وجه من قالوا “نعم”

من علّم الإنسان تمزيق العدم

من قال “لا”.. فلم يمت

وظلّ روحا أبديّة الألم!

معلّق أنا على مشانق الصباح

وجبهتي – بالموت – محنيّة

لأنّني لم أحنها.. حيّه!

يا إخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين

منحدرين في نهاية المساء

في شارع الإسكندر الأكبر:

لا تخجلوا.. لترفعوا عيونكم إليّ

لأنّكم معلقون جانبي.. على مشانق القيصر

فلترفعوا عيونكم إليّ

لربّما.. إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ

يبتسم الفناء داخلي.. لأنّكم رفعتم رأسكم.. مرّه!

“سيزيف” لم تعد على أكتافه الصّخره

يحملها الذين يولدون في مخادع الرّقيق

والبحر.. كالصحراء.. لا يروي العطش

لأنّ من يقول “لا” لا يرتوي إلاّ من الدموع!

فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق

فسوف تنتهون مثله.. غدا

وقبّلوا زوجاتكم.. هنا.. على قارعة الطريق

فسوف تنتهون ها هنا.. غدا

فالانحناء مرّ..

والعنكبوت فوق أعناق الرجال ينسج الردى

فقبّلوا زوجاتكم.. إنّي تركت زوجتي بلا وداع

وإن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع

فعلّموه الانحناء

علّموه الانحناء

الله. لم يغفر خطيئة الشيطان حين قال لا

والودعاء الطيّبون

هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى

لأنّهم.. لا يشنقون!

فعلّموه الانحناء..

وليس ثمّ من مفر

لا تحلموا بعالم سعيد

فخلف كلّ قيصر يموت: قيصر جديد

وخلف كلّ ثائر يموت: أحزان بلا جدوى

ودمعة سدى

يا قيصر العظيم: قد أخطأت.. إنّي أعترف

دعني – على مشنقتي – ألثم يدك

ها أنذا أقبّل الحبل الذي في عنقي يلتف

فهو يداك، وهو مجدك الذي يجبرنا أن نعبدك

دعني أكفّر عن خطيئتي

أمنحك – بعد ميتتي – جمجمتي

تصوغ منها لك كأسا لشرابك القويّ

فإن فعلت ما أريد:

إن يسألوك مرّة عن دمي الشهيد

وهل ترى منحتني “الوجود” كي تسلبني “الوجود”

فقل لهم: قد مات.. غير حاقد عليّ

وهذه الكأس – التي كانت عظامها جمجمته –

وثيقة الغفران لي

يا قاتلي: إنّي صفحت عنك

في اللّحظة التي استرحت بعدها منّي

استرحت منك!

لكنّني.. أوصيك إن تشأ شنق الجميع

أن ترحم الشّجر!

لا تقطع الجذوع كي تنصبها مشانقا

لا تقطع الجذوع

فربّما يأتي الربيع

“والعام عام جوع”

فلن تشم في الفروع.. نكهة الثمر

وربّما يمرّ في بلادنا الصيف الخطر

فتقطع الصحراء. باحثا عن الظلال

فلا ترى سوى الهجير والرمال والهجير والرمال

والظمأ الناريّ في الضلوع

يا سيّد الشواهد البيضاء في الدجى

يا قيصر الصقيع

يا إخوتي الذين يعبرون في الميدان في انحناء

منحدرين في نهاية المساء

لا تحلموا بعالم سعيد

فخلف كلّ قيصر يموت: قيصر جديد

وإن رأيتم في الطريق “هانيبال”

فأخبروه أنّني انتظرته مديّ على أبواب “روما” المجهدة

وانتظرت شيوخ روما – تحت قوس النصر – قاهر الأبطال

ونسوة الرومان بين الزينة المعربدة

ظللن ينتظرن مقدّم الجنود

ذوي الرؤوس الأطلسيّة المجعّدة

لكن “هانيبال” ما جاءت جنوده المجنّدة

فأخبروه أنّني انتظرته.. انتظرته

لكنّه لم يأت

وأنّني انتظرته.. حتّى انتهيت في حبال الموت

وفي المدى: “قرطاجة” بالنار تحترق

” قرطاجة” كانت ضمير الشمس: قد تعلّمت معنى الركوع

والعنكبوت فوق أعناق الرجال

والكلمات تختنق

يا إخوتي: قرطاجة العذراء تحترق

فقبّلوا زوجاتكم

إنّي تركت زوجتي بلا وداع

وإن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها.. بلا ذراع

فعلّموه الانحناء..

علّموه الانحناء..

علّموه الانحناء..

الغوغاء اليساريون أيام زمان
الغوغاء اليساريون أيام زمان

ما حدث عام 73 قيل الميلاد، ظل يتكرر كل عام، وها هو يحدث الآن في أكثر من مكان وعلى أكثر من شكل.

منذ أن تعلمت قرطاجة معنى الركوع ونحن نركع، ونعلم أطفالنا الانحناء.

من أصدق قولا؟ الشابي الذي قال “إذا الشعب يوما أراد الحياة” أم أمل دنقل الذي قال “إني تركت زوجتي بلا وداع، فإن رأيتم طفلي علموه الانحناء”؟

“كتب أمل دنقل في أعماله عن هزائم تجرعها، لكنه كأنما كتب أيضا عن هزائم سَنتجرعها”.

هذا هو سبب خلود قصائد أمل دنقل وفق الناقد بول شاؤول، الذي قال “خلال قراءتي لشعر أمل دنقل شعرت أولا بحنان ومشاعر عميقة عند هذا الشاعر ‘الصادق والمسلوخ حيا’، وأظن أنني لم أتألم لدى قراءة أي شاعر مثلما تألمت وأنا أقرأ رحلة العذاب الطويلة في شعره، وثانيا شعرت بدهشة كبيرة بأن هذا الشاعر الملتهب والصارخ كتب قصيدة لا تنتمي إطلاقا لا إلى البساطة المعهودة ولا إلى السهولة ولا إلى المناسباتية؛ بل صاغ من المادة السياسية والإنسانية المتأججة قصيدة مركبة سواء في عمق المقاربة الواقعية أو في عمق الإحساس الحَدسي أو في هذه القدرة على كتابة قصيدة كونية سخر لها ثقافة متسعة.

من التاريخ إلى التراث، إلى الحكاية، إلى الأسطورة، إلى الدين، إلى المسرح، إلى السينما فإلى مخزون إيقاعي ولغوي خصب وتركيبي معقد وثقافة شعرية واسعة ومرجعيات شِعرية عربية قديمة وحديثة وأجنبية وشرقية وغربية مما جعلت قصيدته كأنها اختزال لثقافة الحداثة الشعرية بأكملها”.

من هو أمل دنقل؟

محمد أمل فهيم أبوالقسام محارب دنقل، وُلد عام 1940 في أسرةٍ صعيدية. كان والده عالمًا من علماء الأزهر، ممّا أثّر في شخصية أمل دنقل وقصائده بشكلٍ واضح.

امتلك دنقل مكتبةً ضخمةً ضمت الكثير من كتب الفقه والشريعة والتفسير وذخائر من التراث العربي، وكان ذلك ما كوّن اللبنة الأولى لهذا الأديب.

أطلق عليه والده اسم “أمل” بسبب النجاح الذي حققه بعد ولادته في نفس السنة التي حصل فيها على إجازة العالمية. عُرف أمل بالنباهة والذكاء والجد تجاه دراسته، وقد التحق بمدرسةٍ ابتدائيةٍ حكوميةٍ أنهى فيها دراسته سنة 1952.

انتقل دنقل إلى القاهرة ليدرس في كلية الآداب بعد أن أنهى دراسة الثانوية في قريته، لكنّه انقطع عنها ليعمل في عدة أعمالٍ لاحقًا، فقد عمل موظفًا بمحكمة قنا وجمارك السويس والإسكندرية، ومن بعدها في منظمة التضامن الأفرو – آسيوي. لكنّ شغفه في كتابة الشعر جذب اهتمامه وجعله يترك أية وظيفةٍ يبدأ بها.

كانت القاهرة بالنسبة للشاب الصعيدي عالما ساحرا عجائبيا ولم يتأقلم فيها بدايةً بشكلٍ جيد، وظهر ذلك بوضوحٍ في أشعاره الأولى. استوحى دنقل قصائده من رموز التراث العربي وعلى غرار الشعراء الآخرين في تلك الفترة الذين تأثروا بالميثولوجيا الغربية واليونانية خاصةً، وعاصر فترة أحلام العروبة والثورة المصرية وساهم ذلك في شحذ نفسيته.

عبّر عن صدمته بانكسار مصر عام 1967 في قصيدةٍ رائعةٍ بعنوان “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” ومجموعةٍ شعرية بعنوان “تعليق على ما حدث”.

لو كانت السلطة تتيح لترامب تعليق المحتجين على الأعمدة لفعل ما فعله قيصر روما بسبارتكوس ورفاقه

أطلق رائعته قصيدة “لا تصالح” بعد معاهدة السلام وضياع النصر، وعبر فيها عن كل ما جال في خاطر المصريين. كان تأثير المعاهدة وأحداث شهر يناير عام 1977 واضحًا في مجموعته “العهد الآتي”.

كان على صدامٍ مستمرٍ مع السلطات المصرية بسبب موقفه من عملية السلام، وهتف آلاف المتظاهرين بأشعاره أثناء احتجاجهم في الطرقات.

مثّل أمل دنقل مصر وبيئته الصعيدية وناسها، وتأثرت أشعاره بقوميته وعروبته القوية، وهذا ما عبّر عنه بشكلٍ واضحٍ في قصيدته “الجنوبي” في آخر مجموعةٍ شعريةٍ له بعنوان “أوراق الغرفة 8”.

كان ديوانه الأول الذي صدر عام 1969 بعنوان “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” هو الذي شهره عربيًا، وجسّد فيه إحساس الإنسان العربي بنكسة 1967.

وينزل المطر ويرحل المطر وينزل المطر ويرحل المطر والقلب يا حبيبي ما زال… ينتظر.

تُرى: حين أفقأ عينيك، ثم أثبت جوهرتين مكانهما، هل ترى؟ هي أشياءَ لا تُشترى.

ربما ننفق كل العمر كي نثقب ثغرةً ليمر النور للأجيال مرة.

حياة أمل دنقل الشخصية القصيرة لم تكن خالية هي الأخرى من الآلام، عام 1976 التقى الصحافية عبلة الرويني، التي عملت في جريدة الأخبار، ونشأت بينهما علاقةٌ عاطفيةٌ استمرت إلى أن تزوجا عام 1978.

لم يكن لديهما مسكن ثابت ولا مال كاف، واضطرا للتنقل بين الفنادق والغرف المفروشة.

من يقرأ قصائد دنقل يظن أن الشاعر عاش ألفي عام، ولكنه عاش حياة قصيرة لا تتجاوز 43 عاما، أصيب في السنوات الأخيرة منها بالسرطان، وظهرت معاناته مع المرض في مجموعته “أوراق الغرفة 8” وهو رقم غرفته في المعهد القومي للأورام، والذي قضى فيه ما يقارب الأربع سنين.

توفي يوم 21 مايو 1983 وبذلك انتهت حياته، وبعد فترة من النسيان، عاد طائر الفينيق ليظهر من جديد مع أحداث الربيع العربي.

أعاد المصريون اكتشاف شعر أمل دنقل، وتحولت أبيات قصائده إلى رسوم غرافيتي في شوارع القاهرة والإسكندرية، لنقرأ جملا مثل “لا تصالح” و”خلف كل قيصر يموت.. قيصر جديد”.

وفي خريف 2010، قام فنان غرافيتي برسم أبيات شعرية من “كلمات سبارتكوس الأخيرة” على كورنيش الإسكندرية احتجاجًا على عزم الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك توريث الحكم لابنه.

بعبارة واحدة خلد الشابي الذي قال “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر”، وبعبارة واحدة أوقف أمل دنقل التاريخ على أطراف أصابعه:

لا تُصالحْ

ولو منحوك الذهبْ

أترى حين أفقَأ عينيكَ

ثم أثبتُ جوهرتين مكانهما

هل ترى؟

هي أشياء لا تُشترى.

16