كلمات محمود درويش وجدران الشوارع السورية

الخميس 2013/10/31
في مواجهة الموت اليومي مازال السوريون يتذوقون الشعر

بعد خمس سنوات من غياب محمود درويش، وهو الشاعر الذي ارتبط اسمه بالثورة والوطن، كان أدب الشاعر حاضراً في وجدان الثورة السورية دون منازع، بل يمكن القول هي الثورة العربية الوحيدة التي استحضرت درويش بتلك الكثافة والديمومة، بحيث أصبح جزءاً من صوتها المطالب بالحرية. فقد ألغى ثوار سراقب الحواجز بين المكان الوطن والإنسان، وتماهوا مع شعر درويش ليصبح مرآة واقعهم الأليم، وتمردهم وتوقهم الأبدي إلى الانعتاق. فالشاعر الذي يعد من أهم من كتبوا في "أدب الحرية" راصداً الواقع الممزق لفردوسه المفقود، مصوراً تلك المرارة وحلمه بتغييره، قد شكل حالة انسجام وترابط وجداني إنساني وحد بين هموم الثوار السوريين وحلمه الذي أذاب كل شيء في بوتقته، الإنسان والحجر والطير والتراب والشجر.

تأخذنا جدران سراقب الملونة في رحلة بصرية، ترسم كلمات درويش بالألوان على جدران المدارس والأبنية والأرصفة، متحدّين الصواريخ والقذائف والأمن وصمت العالم. عبارات من قصائد الشاعر القديمة والجديدة، لم يترك السوريون فرصة للسؤال، عن موقف الشاعر من ثورتهم؛ لو أنه ما يزال حياً، فقد استحضروه بشغف توقهم إلى الحرية والانعتاق عبر شعره. وأدخلوه بكل حبٍ له ولشعره إلى عالمهم المتحرك والخطر. حرروا كلمات الشاعر من حيزها الفلسطيني، وأكدوا بأن توق الشعوب إلى الحرية واحد، وأن الظلم واحد، لا فرق بين مستبد ومحتل يقتل ويعتقل ويدمر.

في خضم الموت اليومي، استحضر ناشطو الثورة من ديوان "ورد أقل" قصيدة: "ونحن نحب الحياة، إذا ما استطعنا إليها سبيلا" خطوها بالألوان الأخضر والأبيض والأحمر والأسود، كألوان علم الثورة. ولم تغب دواوين الشاعر القديمة عن ذاكرة السوريين الذين يشيعون الشهيد تلو الشهيد، يفقدون الأخوة والأصدقاء والرفاق، فمن ديوانه "أوراق الزيتون" كتبوا على جدار بيت قديم، باللون الأحمر: "يحكون في بلادي، يحكون في شجن، عن صاحبي الذي غاب، وعاد في كفن". و"أحمد الزعتر" اللاجئ والفدائي عاد ليكتب من جديد صوت ثوار آخرين: "أنتمي لسمائي الأولى وللفقراء في كل الأزقة، ينشدون: صامدون، صامدون، صامدون". وأيضاً: "ابتكرنا الياسمين، ليغيب وجه الموت عن كلماتنا".

عامان ونصف العام، لا يمر عبر سماء سوريا إلا طائرات الميغ، تلقي السماء بحمم الموت. فكان ديوان "حالة حصار" الذي كتبه الشاعر عن حصار الأراضي الفلسطينية خلال الانتفاضة الثانية، حاضراً على أحد الجدارن: "عندما تختفي الطائرات، تطير الحمامات، بيضاء، بيضاء…" يختفي الدخان الأسود ويغيب الموت تحت الركام. وعلى جدار آخر، كتبوا: " يطير الحمام".

على أحد الجدران الكبيرة الذي قسموه إلى ثلاثة أقسام، كتبوا عليه ثلاث عبارات من قصائد الشاعر العديدة، عبارات تحاكي الحياة وتتحدى الموت، وأخرى تشي بالألم وحسرة الغياب. فمن "الجدارية" كتبوا: "أنا حبة القمح التي ماتت لكي تخضر ثانية، وفي موتي حياة ما".

وقربها عبارة من ديوان "مديح الظل العالي" خطوها باللون الأزرق: "ذهب الذين تحبهم، ذهبوا، فإما أن تكون أو لا تكون". وقربها كتبوا أيضاً: "لا أحد إلاك في هذا المدى المفتوح، للأعداء والنسيان". ومرة أخرى كتبوا: "فاعلم بأنك حر حين تنسى".

في ظل نزوح السوريين بالآلاف هرباً من الموت، لا تزال ثمة بعض الأصوات التي تحدَّت كل شيء وصمدت وبقيت. على أحد جدران مدرسة يبدو قسم منها مدمراً، كتب ناشطو الثورة مؤكدين على عشقهم الأبدي لأرض سوريا، متمسكين بالبقاء حتى النفس الأخير: "وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر …. فأنا العاشق والأرض حبيبة". وحين انقطعت دمشق عن العالم لأيام، وغابت عنها كل وسائل الاتصال، أيضاً استحضروا محمود درويش وقصيدته "طوق الحمامة الدمشقي" وباللون الأزرق العريض، رسموا على أحد الجدارن: "دمشق، نحن والأبدية سكان هذا البلد".

لم يغب الحب عن قلوب السوريين، ففي مواجهة الموت اليومي لا زالوا يعشقون ويسكنهم الشوق، وما زالوا يتذوقون الشعر ويخطونه لحبيباتهم، فعلى أحد الجدران وبخط كبير، كتبوا كلمة وحيدة: "انتظرها". فقد يتعذر قدوم الحبيبة في زمن الحرب. فكثيرة هي الأشياء التي قد تمنعها، فأولها وآخرها الموت. وعلى جدار آخر، كُتب: "ياسمين، على ليل تموز".

لم تنتهِ قصائد درويش، فكيفما تلفتّ عبر المدينة. تجد بعضاً من قصائده منثورة هنا وهناك. فعبارة "أحن إلى خبز أمي" توجع قلوب كل السوريين، فمعظمهم نزح أو مات أو اعتقل وحسرات كبيرة محفورة في قلوب تلك الأمهات. "فكر بغيرك" و"أنا يوسف يا أبي" عبارات تجدها مكتوبة على أكثر من جدار، فالشاعر كان حاضراً ملء الغياب، وجد الثائرون أنفسهم فيه، ذاك الجرح المفتوح على خارطة وطن قد يعود.

14