كلما اتسع نطاق ارتداء الحجاب ارتفعت معدلات التحرش الجنسي في إيران

يكفي أن يتم التدقيق في سلوك بعض الإيرانيين في الشارع حتى نفهم مسألة "إسلامية الدولة الإيرانية" على حقيقتها. وهي حقيقة لا تنم سوى عن تباعد بين ادعاء النظام الرسمي بأن شرعيته متأًصلة في الشعب المسلم والمحافظ وبين الشعب ذاته الذي ما إن تخرج امرأة أو فتاة إلى الشارع حتى ينهال عليها المتحرشون بشتى النعوت والطلبات والكلمات التي تعكس اغتراب الإيرانيين في نظامهم ودولتهم "الإسلامية".
الأربعاء 2015/10/28
التحرش الجنسي أول حاجز أمام المرأة الإيرانية للتحرر من محافظة النظام المزيفة

طهران – رغم ما يروج عن محافظة المجتمع الإيراني وتمسكه بنظرته إلى الإسلام والتدين، تضطر النساء في إيران وخاصة في المدن الكبرى التي تشهد نشاطا إداريا واقتصاديا مكثفا إلى تغيير نمط لباسهن وجعله أكثر سمكا واتساعا نظرا لانتشار ظاهرة التحرش الجنسي التي “لم تعد محتملة” في الشوارع والأماكن العمومية وحتى داخل الإدارات والمكاتب. إذ تقول الشابة سحر وهي طالبة غير إيرانية تسكن في العاصمة طهران إنها تضطر إلى تغيير سلوكها ولباسها في الشوارع كي لا تتعرض إلى التحرش، وحتى إن قامت بذلك فهي لا تنجو من هذا السلوك، وتقول “لقد نشأت في بلد مسلم يفرض فيه الحجاب، وقيل لي إن الحجاب هو من أجل حماية المرأة من نظرات الرجل الشهوانية، لأن أجسادنا عورة وقد تنشر الفتنة بين الرجال”، ويعكس هذا التصريح نظرة دونية إلى المرأة فعلا، وتضيف “عندما وصلت إلى إيران، حيث الحجاب إجباري، تعرضت للتحرش، ولم أنج من نظرات الرجال الحادة، الذين حاولوا الحديث معي وإطلاق الكلام البذيء، ما أشعرني بأنني عارية ولا قيمة لي”.

لم تتوقف ظاهرة التحرش الجنسي عند مظاهر الحديث إلى النساء بطريقة فجة وغير إنسانية، بل إن رموزا بعينها ازدهرت في الشارع الإيراني لتكون لغة بين الرجال للحديث إلى النساء والتحرش بهن. من ذلك مثلا أن المرأة التي تجلس بمفردها في متنزه أو منطقة ما في الشارع فذلك يعني للرجال حسب فهمهم “تعال وتحدث إليّ” وذلك رغم عفوية الفتاة وعدم قصدها هذا القصد تماما. وذلك ما يعكس خطورة الظاهرة التي أصبحت هاجسا يخيف النساء من الخروج إلى الشارع أو الذهاب إلى العمل أو قضاء الحوائج.

وتشير بعض التقارير الصحفية الصادرة حول ظاهرة التحرش الجنسي في إيران إلى أن “تصيد” النساء يحصل كل يوم وفي العلن، وبدعم تكتيكي من الجميع، بمن فيهم السلطات، التي من واجبها حماية المرأة، وهو ما يترك شعورا بالعجز والحصار لدى المرأة، وتقول الفتاة لوسيل مثلا في شهادتها إلى صحيفة الغارديان البريطانية “الفتاة تشعر فعلا بالعجز عند التحرش بها، لأنها لا تستطيع عمل شيء تجاه التحرش، خاصة أن لا شيء جسديا يحصل”.

الأمر يعكس نظرة دونية إلى المرأة ويختزل كرامتها حتى في كلمات ربما تقال لها في الشارع لإزعاجها

وتبين الصحيفة أنه في الوقت الذي تذهب فيه السلطات بعيدا لفرض القيود على المرأة، وتعتقل من يرتدين “الحجاب بطريقة سيئة”، تترك المتحرشين وهم يلاحقون المرأة ويطلقون الكلام البذيء.

وتؤكد العديد من الشهادات الأخرى أنه لا توجد طريقة لحماية المرأة نفسها من تحرش الرجال إلا بمرافقة رجل آخر لها، وكما تقول عائشة “الرجل على ما يبدو هو السلاح لحمايتك، فهو أداة ردع، ومن يحاول التحرش يعتقد أن الرجل الذي يرافقك يملكك، سواء كان صديقا أو جارا، وعندها لن يتعرض أحد لك”. ويشار إلى أنه في الوقت ذاته تفضل المرأة الصمت، فمن المحرم عليها الشكوى، وتؤكد في هذا الإطار مجموعة من النسوة أنه “عادة لا نناقش التحرش حتى مع أقرب صديقاتنا”، فالأمر يعكس نظرة دونية جدا إلى المرأة ويختزل كرامتها وشرفها حتى في كلمات ربما تقال لها في الشارع لإزعاجها.

وتشير البحوث إلى أن إشكالية الفصل بين الجنسين منذ المدرسة تعد السبب الرئيسي في هذا الكم الهائل من “الكبت” لدى الجنسين وخاصة الرجال. ويقول الباحث في قسم العلوم النفسية في جامعة الأزهر عادل المدني إن “الاختلاط في المدارس بين الجنسين يقلل من التحرش، وإنه لو تم الاختلاط منذ الصغر فلن تكون هناك مشكلة، بل على العكس سيكون أفضل للجنسين”. وهذا ما أكدته الطالبة الإيرانية عائشة ذات الثلاثة والعشرين عاما عندما قالت “يفصل الأولاد عن البنات في المدارس الابتدائية حتى الثانوية. وليست لديهم الفرصة للتواصل، وعندما تتاح لهم الفرصة فإنهم لا يستطيعون الحديث مع البنات، فكل حديث معهم يلمح إلى الجنس”.

وتؤكد الشهادات أن غياب التواصل بين الجنسين وافتقاد الشباب الإيراني إلى مساحات خاصة للاختلاط واللقاء بين الأصدقاء والزملاء وحتى العشاق يؤدي بشكل آلي إلى انتشار سلوكات منحرفة من قبيل التحرش والاعتداء وحتى الاغتصاب. فطبيعة النظام الإيراني “المحافظة” لا تعكس فعلا الطبيعة الإنسانية لدى الإيرانيين نظرا إلى تكبيل القوانين وممارسات السلطة.

12