كلما ازداد الشهداء واحدا ازدادت جثث اليأس والقنوط

لأنه جاء من جيل تواق إلى الثورة والتغيير، فلن يتمدد أحمد باشا الشاعر السوري الشاب على سكة القطار، بل ينهض معلنا عدم استسلامه للانتحار، وتوقه إلى الحياة التي ينشدها في ديوانه الأول الصادر حديثا عن دار “بيت المواطن للنشر والتوزيع” بعنوان “لم أتمدد يوما على سكة القطار”. ضمن سلسلة “شهادات سورية”.
الأربعاء 2015/05/20
الأنثى لا تحضر ضمن القصائد في صورة أحادية بل نجدها تتبدى ثورة أو أما أو حبيبة

ينطلق الشاعر السوري أحمد باشا في ديوانه “لم أتمدد يوما على سكة القطار”، من “مقدمة لا بد منها”. ممهدا لقادم صفحات الديوان بمقاطع سردية اختار لها شكل “المونولوج” القائم على السرد. بيد أن هذه “المونولوجات الباردة” لم تقم على لغة نثرية بل تتجه لتكون أقرب للشعر المنثور، يحمّلها كاتبها جرعات عاطفية زائدة ينقل من خلالها حالة الحنين التي تغزوه. حنين للتفاصيل البسيطة التي شكلت حياة السوريين قبل 2011.

هذه الشهادة نموذج بديع عن تلك الشاعرية الوليدة في لحظة فريدة من حياة شاب من أولئك الذين “لا يكتبون تاريخهم (…) بل يرتلونه”. حيث يتلاشى الفضاء في الزنزانة المنفردة لينفتح على عالم فسيح من الخيالات؛ فأيّ شيء نافل يكتسب قيمة أسطورية، وأيّ حركة تصبح حكاية. ومن المفارقة بين الأفق المنغلق والخيال المنفتح، بين تفاهة الأشياء وعظمة الحلم تلد الشاعرية القصيدة.

خطاب عقلي

يقول أحمد باشا “أذني افتقدت لحن الضجيج فجأة، والأغاني الهابطة وشتائم العسكر المحتفظين بآخر خمس ليرات في جيوبهم”. الاشتياق هنا يخرج من المكان الذي تسعى وسائل الإعلام الحكومية إلى تمريره تحت غطاء “الزمن الجميل”.

على العكس تماما، الحنين الذي تحمله الكلمات في مطلع الديوان يرتبط بالتفاصيل اليومية لا بالحقبة الزمنية الماضية. التفاصيل التي شكلت حياة أولئك الذين يدفعون حياتهم قربانا على المذبح السوري كل يوم.

المونولوجات لم تقم على لغة نثرية بل تتجه لتكون أقرب للشعر المنثور يحملها كاتبها جرعات عاطفية زائدة

في القسم الثاني من الديوان تنزوي الكلمات إلى الظل، فيهمس كاتبها في “إعتام” بخطابات شعرية أولها كان “رسائل إلى جندي”. “رصاصة واحدة تكفي” هذه أولى رسائل باشا إلى “جندي” تركه نكرة في مواجهة الضحية المعرفة. لا داعي لكل هذا الرصاص. الموت واحد، برصاصة أو بألف. هذا الخطاب العقلي الذي يوجهه الباشا إلى الجندي سرعان ما يتلاشى ليستبدل بآخر عاطفي يستهدف شعور الجندي بدلا من المحاججة، من ذلك قوله “تنام مع بندقيتك… ماذا عن زوجتك؟!”.

كتبت نصوص “لن أتمدد يوما على سكة القطار” بين عامي “2011 - 2012”، أي تزامنا مع غلبة السلمية على الثورة السورية. سلمية ينشدها شعر الباشا فيعيد القارئ إلى زمن المظاهرات “وحدها الشفاه القادرة على الهتاف، قادرة على القبل”. يخلق باشا هنا ارتباطا شرطيا بين الحب والحرية، بين لغة الإنسان الحر الممثلة في “الهتاف” وبين خطاب العاشق، أي “القبل”.

كذلك يحمل الديوان بعض العبارات السياسة الحاضرة في تلك الفترة “سقف الوطن يرشح دما”. لا تخلو العبارة السابقة من المفارقة الساخرة. حيث غدا تركيب “سقف الوطن” في فترة كتابة الديوان، تركيبا سياسيا يستخدم للدلالة على الحوار غير الممكن بين المعارضة والنظام. “سقف الوطن” لم يحمل حوارا ينقذ بلدا من الدمار، بل حمل دماء آلاف السوريين.

لا تحضر الأنثى في كلمات الباشا في صورة أحادية، إذ نجدها حينا تتبدّى كثورة “فخصر الأنثى قادر على الرعد أيضا”.

أحمد باشا: سقف الوطن يرشح دما

وحينا آخر كأم أضناها الفراق فاتسعت لتصبح رحما خصبا يهمس “تسعة أشهر/ آه منك أيها الأردن/ كم من المخيمات/ عندك/ أحتاج إليها”.

الأنثى الثورة

أما عندما تحضر الأنثى الحبيبة، فإنها تأخذ معها اللغة إلى مكان أكثر كثافة؛ تستحيل حينها الصورة الشعرية إلى أساس يحمل ذلك الفيض الشعوري “أحبك عارية تماما/ كالصحراء/ دون ظلال/ أو غيم”.

في “ارتباكات أخيرة” يفارق باشا القصيدة الطويلة ليتجه نحو الومضة الشعرية. كلمات قليلة تحمل جرعات شعورية عالية، “ثبتي جفنيك قليلا/ مللت الخطأ في عدّ النجوم”. أحيانا، يساير باشا اللغة، فيمتد معها ليبني صورة مركبة على حساب حجم الومضة “أراقب صورك كما لو أنني طفل صغير في آخر الشارع، يغمض عينيه لحظة، فيشم رائحة الخبز”. وحينا آخر يعاند الكاتب اللغة، يضجر من هسيسها، يجبرها على الإيجاز، فتخذله وتفضح المعنى بمباشرة فجة “كلما تكلمت العربية، تحسست خصرها”. إن التشبيه الواضح هنا بين العربية والرقص أفقد الومضة أساسها الكثيف، وحولها إلى صورة تتناقض وبنية الومضة المكثفة.

“عرفت عدد الشهداء دون أن أعرف أحلامهم/ اتسعت خياناتي أكثر/ مخيلتي الآن تصلح/ برادا/ للجثث”، بذلك ينهي باشا ديوانه. ينقل “عدد الشهداء” من دفاتر الإحصائيات وقنوات التلفزة إلى مكانهم الحقيقي، ويعبر عن أثر الموت اليومي ليس في واقع السوريين فحسب بل في خيالهم أيضا. كلما ازداد الشهداء واحدا، ازدادت جثث اليأس والقنوط في مخيلتنا. كما يعكس أحمد باشا هنا عبثا يلتمسه الشباب السوري اليوم إثر مخاض عسير منيت به ثورتهم، وتشرذم فتك بالحراك الذي دفعوا بعجلته.

14