كلما تقدم بنا الزمن ازداد شغفنا بتقاليد الماضي البعيد

السبت 2017/07/08
التحليل الثقافي للظواهر في سبيل تفكيكها

بيروت - صدر حديثا للناقدة السورية أسماء معيكل كتاب “سيرة العنقاء، من مركزية الذكورة إلى ما بعد مركزية الأنوثة”، وقد جاء في سبعة فصول تسبقها مقدمة وتتبعها خاتمة وكشف بالمصادر والمراجع وفهرس الموضوعات.

تناولت الكاتبة بداية “عالم الحريم: من التخوم إلى المتاهات”، لتتطرق بعد ذلك إلى أبعاد “الرؤية النسوية للعالم”، كما تدرس قضية “الأمومة: في القول بحتمية الوظيفة الإنجابية للمرأة”، لتفرد الفصل الرابع من الكتاب لعرض جريء لموضوعة “البغاء في مرايا نسوية”، كما تكشف النقاب عن “الصداقة والمثليّة في السرد النسوي”، فيما يستحوذ الفصل السادس من الكتاب على قضية “الشرف والمرأة”، وختمت المؤلفة كتابها بالفصل السابع الذي أفردته للحديث عن “الجسد الأنثوي: من التملّك إلى الاغتصاب”.

“سيرة العنقاء”، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، كتاب يمكن تصنيفه ضمن الدراسات الثقافية، والتحليل الثقافي للظواهر في سبيل تفكيكها والكشف عن مخبوئها، سعيًا إلى الوصول إلى حقيقتها، ومن ثم التوصّل إلى بناء معرفة بديلة، وتحقيق التغيير الاجتماعي، عبر الاهتمام بتجارب النساء وأصواتهن في بناء معرفة بديلة تراجع المعرفة السائدة والمهيمنة، التي كشفت النسويات عن مواضع غياب النساء فيها، وإقصائهن، وكتم أصواتهن، وتغييب التجربة النسائية فيها وتجاهلها؛ فالنسوية لم تعد مجرد نزعة أو اتجاه في مجال الدراسات الأدبية والنقدية، بل هي فكر وممارسة، وحركة هادفة إلى إحداث تغيير اجتماعي أساسه الكشف عن أوجه الظلم، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية بين الجنسين. فالبحث النسوي يتصدى للبنى الفكرية والاجتماعية والأيديولوجيات القائمة على قهر النساء، وذلك عبر توثيق حيوات النساء وتجاربهن وهمومهن، وإلقاء الضوء على الأنماط والتحيزات القائمة على أساس الجنس، والكشف عن معارف النساء التي طال إغفالها. كما أن أهداف البحث النسوي تعزز تمكين النساء وتحريرهن في سبيل تشجيع التغيير الاجتماعي وتحقيق العدالة الاجتماعية للنساء.

إنّ التصدعات الاجتماعية والقيمية التي شهدتها المجتمعات العربية، وما وقع من أحداث جسام في العقود الأولى من الألفية الثالثة، ومن ذلك الأزمات السياسية والاقتصادية، والحروب الأهلية، والفتن المذهبية، والاستبداد الديني والعسكري والقبلي، قد ألقى بظلاله على أحوال المرأة، فعادت بها القهقرى إلى الوراء، إلى ما قبل عقود من ذلك، ففقدت ما حققته سابقًا من مكاسب نالتها عبر مسيرة كفاح طويلة من أجل حقوقها، فقد ثبت أن معظم ما حصّلته تلك المجتمعات من مفاهيم للحداثة والتمدّن، لم يكن سوى قشور هشة انهارت سريعًا لتكشف عن الجاهلية الأولى التي ما زالت تعشش في العقول، وتنبض بها القلوب.

الغاية من الكتاب هي تقصّي خفايا السرد النسوي، الذي قدّمته كاتبات نسويات وفق رؤى نسوية للعالم، وإعادة تمثيلهن لأحوال الأنوثة في مجتمعات غارقة في تمركزها حول الذكورة

ولعلّ المرأة إحدى أبرز ضحايا هذه الأحداث، فقد أعيدت إلى زمن وأد البنات؛ بسبب النزوح والهجرة والتطهير العرقي والمذهبي، وجرى إحياء مفاهيم سبي النساء بين الأطراف المتقاتلة، ووقع بيعهن كسبايا في أسواق النخاسة، إحياء لتقاليد القرون الوسطى في اقتسام غنائم الحروب، ومارست الأنظمة السياسية عنفًا مفرطًا بحق نساء الجماعات المعارضة لها، كان أقله الاغتصاب، وفي المناطق التي نجت من أعمال العنف ضربت الحجب على النساء، ووقع تشريع النقاب كأن المرأة عورة يمتنع أن ترى العالم إلا من وراء خمار، وكلما تقدّم بِنَا الزمن بُعثت تقاليد الماضي البعيد، كأنّ مجتمعاتنا تقاوم الحداثة بالمزيد من قهر النساء، وفي ذلك إعادة، لا تخفى على ذي بصيرة، لترسيم الحدود التي توهمنا أن مجتمعاتنا قد تجاوزتها، فإذا بها تُعيد بعث الكثير من ذلك بدواعي الأصالة والحفاظ على الهوية.

وقد تقصدت الكاتبة اعتماد السرد موضوعًا للتحليل؛ لأنّه تولى تمثيل أحوال المرأة على خير وجه، وعبّر عن مجمل الأمور الخاصة بها، ولكنها لم تتقيد بحدود التخييل السردي لأحوال المرأة بل تخطت ذلك إلى مصادر التاريخ، والأديان، ومراجع الفكر النسوي، والدراسات الثقافية، واختيارها السرد النسوي مادة للتحليل، لم يكن سوى ذريعة للنفاذ إلى ما وراء ذلك، إلى نقد المرجعية الاجتماعية والدينية والأخلاقية الحاضنة للتمثيلات السردية، التي وجدت فيها عالمًا خياليّا، يوازي العالم الذي نعيش فيه، وبقليل من التأويل فإنّه يحيل عليه، فلم تكتف بظاهر النصوص بل تجاوزت حدودها إلى العالم الحقيقي المنتج لها.

يصحّ القول بأنّ الغاية من الكتاب هي تقصّي خفايا السرد النسوي، الذي قدّمته كاتبات نسويات وفق رؤى نسوية للعالم، وإعادة تمثيلهن لأحوال الأنوثة في مجتمعات غارقة في تمركزها حول الذكورة، وكيف ووجهت المركزية الذكورية بمركزية أنثوية مضادة في بعض الأحيان، وتجاوزتها إلى ما بعد المركزية الأنثوية في أحيان أخرى. وقد ارتأت المؤلفة أن يكون عنوان كتابها “سيرة العنقاء”، ولعل العنقاء هي الكاتبة بشكل من الأشكال، وهي كل امرأة تتطلع إلى تعديل موازين القيم والأعراف والقوانين والحقوق والمسؤوليات، وصوغ هوية متكاملة للمرأة، ففي الكتاب شيء من سيرتها، وسيرة شبيهاتها من النساء اللواتي يرغبن في تحقيق شراكة متوازنة في مجتمعات مشغولة بقضايا تبعدها عما ينبغي أن تتجه إليه.

وقد أرادت أن تقف فيه على أوضاع المرأة التي ما زالت تتأرجح بين الثبات والتحوّل، المرأة التي ما قرّ وضعها، وما ثبتت على حال، متكئة على رمز العنقاء بكل ما يحتويه من دلالة، وكيف أن المرأة، على الرغم من كل ما يحيط بها من ظروف صعبة، كانت تنبعث من تحت الرماد، لتعبّر عن ذاتها، ولتبحث لنفسها عن موطئ قدم في مجتمع يهيمن عليه الذكور. بيد أنها في كل مرة تنكسر فيها تعاود النهوض من جديد لتنبعث، فقد فشلت كل السبل في دفن رغبة حواء في الحياة السوية، فمن حواء اشتق مفهوم الحياة.

17