كلما خسر الحوثيون ضيقوا الخناق على اليمنيين

منذ أن بدأ التحالف العربي، بقيادة السعودية، ضرباته التي استهدفت ميليشيات الحوثي بالتزامن مع معارك يقودها الجيش الوطني والقوات الموالية للشرعية، تكبد الحوثيون خسائر هائلة في العتاد والقوات والأراضي التي فرضوا سيطرتهم عليها. وفي مسعى لتفادي الخسائر البشرية واستمراراً للانتهاكات فرضت جماعة أنصارالله التجنيد الإجباري على الشباب والنساء وطال حتى الأطفال لتعزيز الجبهات بالمقاتلين الجدد.
الخميس 2017/10/12
الاستنجاد بالنساء

صنعاء - طوت العمليات العسكرية في اليمن التي شنّها التحالف العربي بقيادة السعودية لمساندة الحكومة الشرعية، 900 يوم على انطلاقها، حققت خلالها الحكومة اليمنية مكاسب سياسية واقتصادية، رغم أن الجهود الإقليمية والأممية عجزت عن كبح جماح حرب تسببت بمقتل نحو 9 آلاف شخص، ونزوح 3 ملايين نسمة.

بعد عامين ونصف العام من الحرب، باتت القوات الحكومية تسيطر على محافظات عدن ولحج وأبين، إضافة إلى الضالع وشبوة، جنوبي البلاد، وحضرموت والمهرة ومحافظة أرخبيل سقطرى شرقها، فيما تم تحرير مدينة المكلا عاصمة حضرموت من تنظيم القاعدة.

وتمكّنت القوات الحكومية من بسط سيطرتها على محافظة مأرب النفطية، شرق صنعاء، وأجزاء واسعة من محافظتي تعز (جنوب غرب)، والجوف (شمال)، وأجزاء من محافظة حجة.

ومع أن الحكومة اليمنية تقول إنها باتت تسيطر على الجزء الأكبر من أراضي البلاد، إلا أنّ مراقبين يرون أن المساحة الأهم لا تزال بيد الحوثيين، وعلى رأسها العاصمة صنعاء ومحافظة الحديدة الاستراتيجية على البحر الأحمر. ويسيطر الحوثيون حتى الآن على صنعاء ومحافظتها وعمران وصعدة وحجة (شمال)، وذمار (جنوب صنعاء) والحديدة وريمة (غرب)، والمحويت (شمال غرب)، وإب (وسط)، وأجزاء من محافظات تعز والبيضاء (وسط)، والجوف (شمال).

لكن، رغم أهمية هذه المناطق يؤكد المراقبون أنها في طريقها إلى وضعها الطبيعي على الخارطة لتلحق ببقية المناطق، حيث يضيق الخناق على الحوثيين بسبب ضربات التحالف الدولي والوضع الإقليمي الذي تغير، بالإضافة إلى ظهور حالة تمرد عامة تنذر بالتحول إلى انتفاضة شعبية في ظل تردي الظروف المعيشية وشحّ الأموال وانقطاع رواتب العمال والموظّفين وتردّي الخدمات ونقص المواد الأساسية من أدوية وأغذية وغيرهما.

وضاعف انتشار وباء الكوليرا في صنعاء وعجز المستشفيات عن استيعاب المصابين وتصاعد عدد المتوفّين بالمرض من حالة الاحتقان في تلك المناطق، وفي صنعاء أساسا.

الحوثيون لا يسيطرون على أي موقع للثروات ويحل ميناء الحديدة والجمارك والضرائب على الواردات على لائحة أكبر مصادر دخلهم

عودة الدولة

عند انطلاق عاصفة الحزم، في مارس 2015، كانت الحكومة اليمنية بكافة أركانها تقيم مؤقتا في العاصمة السعودية الرياض، ورغم استمرار بقاء الرئيس عبدربه منصور هادي في المملكة ومعه عدد من الوزراء، إلا أن المناطق المحررة شهدت عودة لرجال الدولة والخدمات بشكل نسبي.

ويتواجد رئيس الحكومة أحمد عبيد بن دغر، وعدد من الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن، فيما يتواجد نائب رئيس الوزراء ـ وزير الخدمة المدنية، عبدالعزيز جباري، في محافظة تعز منذ مطلع أكتوبر الجاري. وتمكنت الحكومة من إعادة خدمات الكهرباء والمياه إلى عدن وعدد من المدن الجنوبية المحررة، واستئناف عمل المحاكم المتوقفة منذ عامين، في المناطق المحررة.

وبعد شهر على نقل مقر البنك المركزي من مناطق الحوثيين في صنعاء إلى عدن، أعادت الحكومة افتتاح فرع البنك في مدينة تعز، عقب توقفه منذ بداية الحرب. وعلاوة على استقرار القطاع الصحي، تمضي الدروس بالمدارس الحكومية والجامعات في المحافظات المحررة بشكل منتظم.

وساعدت مساهمات خارجية، على رأسها المساهمات الإماراتية والسعودية في عمليات إعادة إعمار وترميم المدارس والمستشفيات التي طالها القصف، في تحسن هذه الظروف واستعادة أهالي تلك المناطق للحد الأدنى من ممارسات حياتهم العادية. كما تمكّنت الحكومة هذا العام، بدعم من دول الخليج العربي، من طباعة الكتاب المدرسي للمرة الأولى، بعد أن كان الحوثيون قد أدخلوا تعديلات عليه.

مكاسب اقتصادية

في الجانب الاقتصادي، تمكنت الحكومة من استئناف صرف مرتبات موظفي الجهاز الإداري للدولة، بالمناطق الخاضعة لسيطرتها، فيما لا تزال المرتّبات متوقّفة منذ عام بالمناطق الخاضعة للحوثيين، ما تسبب بتعثر العام الدراسي، عقب إضراب نحو 166 ألف معلم، حسب تقديرات أممية.

خارطة النفوذ تميل نحو كفة الشرعية

عند انطلاق الحرب، كانت الحكومة الشرعية تمتلك منفذين برّيين فقط، هما الوديعة الرابط بين محافظة حضرموت والسعودية، ومنفذ شحن الرابط بين محافظة المهرة وسلطنة عمان، فيما كانت جميع المنافذ الجوية والبرية والبحرية في أيدي الحوثيين وقوات علي عبدالله صالح. أما مطار وميناء المكلا فقد كانا تحت سيطرة تنظيم القاعدة.

وبمساندة التحالف العربي تمكّنت الحكومة من استعادة مطار عدن، عقب فرض حظر جوي على مطار صنعاء الدولي الخاضع للحوثيين في أغسطس 2016، وبذلك أصبح مطار عدن المنفذ الجوي الرئيسي للبلاد. وسيطرت الحكومة على مطار سيئون، فيما لا يزال مطار المكلا متوقفا عن العمل رغم تحريره من سيطرة القاعدة.

وتمكنت الحكومة من استعادة وتأهيل ميناء عدن الرئيسي، الذي بات يستقبل سفن الإغاثة والبضائع بعد أن كان ميناء الحديدة الخاضع للحوثيين هو الوحيد الذي يستقبل أكثر من 75 بالمئة من واردات البلاد. كما تمكنت من تشغيل موانئ ثانوية هي المخا، وبلحاف، والمكلا، وميدي.

في المقابل، لا تمتلك جماعة أنصارالله حاليا أي منفذ برّي مع سيطرة الشرعية والتحالف على منفذي الطوال وعلب على الحدود السعودية، وإغلاقهما بسبب المعارك، فيما بات ميناء كل من الحديدة والصليف، غربي البلاد، المنفذين البحريين الوحيدين الخاضعين لسيطرة الجماعة.

تسيطر القوات الحكومية على منابع النفط والغاز بمحافظة مأرب شرق صنعاء، كما تمكنت مسنودة بالتحالف العربي، من استعادة منابع النفط والغاز في محافظة شبوة (جنوب شرق) قبل شهرين، من تنظيم القاعدة، قبل أن يستأنف إنتاج النفط. وفي محافظة حضرموت، تمكنت الحكومة من استئناف إنتاج النفط في حقل المسيلة بعد توقف دام قرابة عامين. وفي المقابل، لا يسيطر الحوثيون على أي موقع للثروات، ويحل ميناء الحديدة والجمارك والضرائب المفروضة على الواردات، على لائحة أكبر مصادر دخلهم.

أهداف مستقبلية

لم تعد صنعاء هدفا رئيسيا للتحالف العربي لاستعادتها من الحوثيين، حيث باتت من أكثر جبهات الحرب اشتعالا. لكن محافظة الحديدة وميناءها الاستراتيجي، والشريط الساحلي على البحر الأحمر، قد تكون الهدف القادم من أجل تأمين ممرات الملاحة من الهجمات الصاروخية، وقطع الطريق أمام تهريب السلاح للحوثيين.

يأتي ذلك رغم معارضة الأمم المتحدة لهذه المعركة، وتقدمها بخارطة تنص على انسحاب الحوثيين من ميناء الحديدة وتسليمه لطرف ثالث محايد، وهو ما يرفضه الحوثيون حتى الآن. ويتوقع المراقبون أن يزداد الوضع سوءا بعد أن تشظى تحالف الحوثيين وعلي عبدالله صالح.

وتؤكد المتابعات أن استعراضات القوة التي يتباهى بها الحوثيون كثرت في الفترة الأخيرة، في ساحات صنعاء، محاولة منهم لإخفاء خسارتهم، خصوصا على مستوى المجنّدين، وإذا تحقق انسحاب علي عبدالله صالح تماما من التحالف معهم وسحب معه رجاله وقواته وأيضا دعم رجال القبائل التابعة له والمحيطة بصنعاء فإن ذلك سيشكل انكشافا خطيرا لظهر الحوثيين الذين حوّلوا وجهتهم نحو حزب الإصلاح، الذراع اليمنية للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين.

الحوثيون يعتمدون في تمويلاتهم العسكرية والمادية على إيران، كما قامت هذه الأخيرة باستنساخ مشاريعها في سوريا والعراق القائمة على استقدام أجانب لرفد الميليشيات التابعة لها

تجنيد النساء

وفي ظاهرة أخرى تعكس حجم الورطة الحوثية، رصد تقرير لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، توجها من الجماعة نحو تجنيد النساء والزج بهن في جبهات القتال داخل المدن اليمنية، للتغطية على الخسائر البشرية. ويتبع الحوثيون عددا من الأساليب لتجنيد النساء، وهي كما جاء في تحليل مركز المستقبل:

◄التهديد بالقوة: حيث يتم أخذ الفتيات وطالبات المدارس لتدريبهن باستخدام القوة أو تهديد آبائهن بالقتل، وذلك من خلال حملة استقطاب داخل سكن الطالبات من قبل الحوثيات.

وتشير المصادر إلى أنه قد تم استقطاب عدد من الطالبات مؤخراً من محافظة حجة ويتم تدريبهن على استخدام السلاح في ضواحي صنعاء.

◄الإغراء بالمال: تقوم الميليشيات الحوثية بإغراء أسر الفتيات والنساء بالمال مستغلة انتشار الفقر وتردي الأوضاع المعيشية للأسر اليمنية.

◄ استخدام السجينات: استخدم الحوثيون النساء الجانحات المحكوم عليهن بأحكام قضائية في سجن الأمل وقاموا بتدريبهن ضمن دورات مكثفة، وأصبحن يشكلن الآن فرقا خاصة ويقمن بتدريب فتيات الحوثيين المنضمات حديثا لمعسكرات التدريب.

ويتم التدريب في معسكرات الجيش، حيث استخدم الحوثيون أجزاء من مقر الفرقة الأولى مدرع سابقا كساحة تدريب وفي هذه المواقع يتم تدريبهن على عدد من الأنشطة وخاصة التدريب على استخدام الأسلحة (فك وتركيب آليات ومسدسات- طريقة استخدام السلاح وكيفية التعامل معه والإمساك به- بالإضافة إلى بعض الحركات القتالية- الأسلحة الرشاشة)، وتعد محافظة ذمار المعسكر الأكبر لتجنيد نساء الحوثيين في البلاد.

وتستخدم الميليشيات الحوثية أيضا المساجد والمدارس الحكومية كميادين تدريب لمجموعات من النساء يتم اختيارهن واستقطابهن بعناية، فمن ضمن مراكز التدريب الحوثية مسجد داخل جامعة الإيمان بصنعاء، حيث حولت ميليشيات الحوثيين المسجد إلى ساحة تدريب للنساء، بالإضافة إلى المدارس الحكومية ومنها مدرسة الثورة بمديرية آزال في العاصمة صنعاء والتي كانت أحد أهم مراكز تدريب النساء الحوثيات حتى وقت قريب، حيث يتم تدريبهن في المدرسة على قيادة الأطقم العسكرية واستخدام بعض الأسلحة الخفيفة كالمسدسات والبنادق.

دور إيراني

يعتمد الحوثيون في تمويلاتهم العسكرية والمادية على إيران، كما قامت هذه الأخيرة باستنساخ مشاريعها في سوريا والعراق القائمة على استقدام أجانب لرفد الميليشيات التابعة لها. وفي عملية تدريب النساء اليمنيات على الأسلحة وبعض المهارات القتالية جرى استقدام عدد من النساء اللاتي يحملن الجنسيات الإيرانية والعراقية واللبنانية والسورية، منذ عام 2014 بشكل متفرق.

وينقل مركز المستقبل عن مصادر قولها إنه تم رصد انتشار عدد من النساء الإيرانيات في صنعاء، حيث قمن بعقد اجتماعات سرية مع نساء يتبعن جماعة الحوثيين ويقمن بتدريب الفتيات والنساء اليمنيات حيث يتم إخضاع العناصر الجديدة لتدريب عقائدي وعسكري في منطقة سعوان شرق العاصمة صنعاء، وكذلك في بيوت بعض المشرفات في المنطقة.

وتتولى المشرفات -اللاتي تم استقدامهن من إيران- مسؤولية عملية “الحشد والاستقطاب” في العاصمة صنعاء ويستقبلن المتدربات الجدد ويقمن بإخضاعهن لتلقي تدريبات خاصة، وبعد ذلك تتم إعادتهن إلى مناطقهن لتدريب نساء وفتيات أخريات.

قالت ميريتشيل ريلانيو ممثلة منظمة اليونيسيف في اليمن إن الحرب أثرت بشكل كارثي على الأطفال الذين أصبحت معاناتهم غير مرئية لبقية العالم

التجنيد الإجباري

جاء الإعلان عن تجنيد الحوثيين للنساء والفتيات متزامنا مع تصريحات زعيم ميليشيات الحوثيين عبدالملك الحوثي في 14 سبتمبر 2017 والخاصة باعتزام جماعته إعادة التجنيد الإجباري في اليمن، لتعزيز الجبهات بالمقاتلين الجدد، دون أن يحدد المستهدفين بالتجنيد الإجباري، وهو ما يجعل عملية التجنيد تشمل فئات المجتمع جميعا دون استثناء، في إشارة إلى الميليشيات التي تدفع بها للقتال ضد الحكومة الشرعية والشعب اليمني.

وتعد تصريحات الحوثي مكملة ومؤكدة للإجراءات الفعلية التي قامت بها الميليشيات الحوثية في هذا الإطار، حيث قد أقدمت ميليشيات الحوثيين على بدء حملة تجنيد إجبارية في محافظة المحويت شمالي اليمن، بما في ذلك الأطفال (أعلن وزير حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية الشرعية محمد عسكر أن الميليشيات الانقلابية جندت 20 ألف طفل) وذلك للدفع بهم في أكثر من 40 جبهة قتالية في عدد من مناطق البلاد التي لا تزال خاضعة لسيطرتهم.

تعويض الخسائر البشرية

تشير عمليات تجنيد النساء والفتيات بالإضافة إلى الأطفال في صفوف الميليشيات الحوثية إلى رغبة الحوثيين في تعويض خسائرهم البشرية في جبهات القتال وبالتالي تأتي عمليات تجنيد النساء وفرض التجنيد الإجباري لتحقيق ذلك الغرض، وذلك مع النقص الكبير في عدد الميليشيات جراء الهزائم المتوالية والخسائر التي تكبدتها وكذلك بسبب فرار الآلاف من جبهات القتال في صفوف الحوثيين.

كما أن دعوة زعيم الحوثيين لتطبيق التجنيد الإجباري جاءت كرسالة واضحة لأعضاء الجيش السابقين للإنضمام إلى صفوف الحوثيين وإلا سيتم حرمانهم من رواتبهم المتأخرة منذ أكثر من عام، ومن جهة أخرى تأكيد على أن الحوثيين لا يزالون يفضلون الخيار العسكري بدلا من التسوية السياسية، لأن السلام من وجهة نظر الحوثيين يعني تمكين الحكومة الشرعية من استعادة الدولة وبالتالي تقهقرهم إلى كهوف مران في جبال صعدة التي قدموا منها دون نفوذ ودون مصادر قوة.

7