"كلمة" يقدم الفلسفة للناشئة في سلسلة "الفلاسفة الصغار"

الاثنين 2016/04/25
السلسلة تتألف من تسعة كتب

أبوظبي - الشائع عن الفلسفة أنها معقدة وتجريدية وصعبة على الفهم، إذ تخاطب العقل لا الوجدان، والفهم لا الإدراك، وتستخدم البرهان وليس الحس أو الحدس، لكن الفلسفة لا تقتصر على هذه الصورة، إنها أيضا تأمل محسوس في العالم، فالفلاسفة السابقون على سقراط كانوا شعراء وأناسا يعيشون حياتهم العادية في عصرهم ذاك، غير أنهم يفكرون فيها ويتأملونها بطريقة خاصة، كما أن العديد من الفلاسفة المحدثين والمعاصرين قد أنزلوا الفلسفة من عليائها كي تعانق القضايا التي يعيشها الناس. الفلسفة بماهي حكمة، وعمق تفكير ونظر، يمكنها أن تكون أيضا تجربة فكر تنبني على الحياة أساسا، وهدفها رفع مستوى تأملنا لها وفهمنا لها.

وفي إطار الاستعداد لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب 27 أبريل – 3 مايو 2016، أصدر مشروع “كلمة” للترجمة، التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، سلسلة جديدة من كتب الأطفال والناشئة بعنوان “سلسلة الفلاسفة الصغار”، تتألف من تسعة كتب على النحو التالي: “يوم ساخن في حياة البروفيسور كانط” و”عفريت السيد ديكارت” و”لايبنتز وأفضل العوالم الممكنة”، و”موت سقراط” لجان بول مونجان، و”إشراقات ألبرت أينشتاين” لفردريك مولرو، و”ثورة الفيلسوف أبتكيتت” و”ديوجينوس الرجل الكلب” ليان مارشان، و”لاو تسو أو طريق التنين” لميريام هنك، و”موافقة بول ريكور” لأوليفييه آبيل. ونقلها إلى العربية كل من فريد الزاهي وعبدالهادي الإدريسي من المغرب.

يكفي أن يفكر منا المرء في تقريب الفلسفة من الأطفال، كي يساعدهم على التفلسف والولوج إلى عالم التفكير التأملي في الوجود، ولكي يكتشف أن الفلسفة مشحونة بالحياة، وقابلة لأن تكون قريبة من عقول الأطفال. وقد انطلقت “سلسلة الفلاسفة الصغار” من هذا الهدف، سعيا إلى جعل الفلسفة عالما شيقا لا جفاف فيه ولا تجريد. لهذا كان المدخل إلى صياغة هذه الكتب هو حيوات الفلاسفة، ففيها من الحكايات وفيها من العبر والحكم ما يمكن أن يقرّب أكثر القضايا النظرية والفكرية تعقيدا إلى عقول الأطفال، كل ذلك بأسلوب قصصي يتناول أعقد القضايا عبر الحكاية الواقعية.

من ثمّ اعتمد المؤلفون استراتيجية واضحة ودقيقة في ذلك، وذات هدف تربوي مدروس، تتوخى صياغة الأفكار الفلسفية الأساسية للفيلسوف في قالب حكائي شيّق، يقربها من القارئ ويدرجها في سياق حياته. وهكذا فإن كل كتاب من هذه الكتب الصغيرة يزج بالقارئ الصغير منذ البداية في حياة الفيلسوف أو في شطر مهم من حياته، ويدخله إلى العالم الغريب أو العجيب الذي يعيشه.

ولعل أبرز هذه الحيوات غرابة وإدهاشا هي قصة حياة وموت الفيلسوف اليوناني سقراط، أبي الفلسفة، الذي حكم عليه بالإعدام ظلما وجورا، فواجه موته وحوّله إلى محاكمة لمجتمعه ولأفكاره ولقوانينه. والأمر يسري أيضا على قصة الفيلسوف اليوناني الآخر ديوجين الذي أسس فلسفة تسمى “الكلبية” نظرا إلى وقاحتها ولصراحتها ولاحتوائها على قيم الصدق المطلق الفاضح لكل عيوب المجتمع والناس. وليس بأقل منها غرابة ثورة الفيلسوف إبكتيت، الذي استطاع بحكمته وبصيرته أن يتغلب على ابن الحاكم الروماني الجبار ويدفع الناس إلى أن ينحوه عن العرش، الذي لم يكن يستحقه.

إن القارئ الصغير وهو يطّلع على هذه القضايا يتمكن من التعرف على سيرة الفلاسفة وما فيها من غرابة جذابة، ويكتشف أفكارهم وفلسفاتهم في الآن نفسه. وقد أبدع المؤلفون من جانبهم وبشكل خلاق في تركيز أهم ما يميز كل فيلسوف في قضية واحدة أو مجموعة من القضايا الفلسفية التي أضافها إلى تاريخ الفلسفة. ويكفي في هذا السياق، مثلا، أن يطلع على الكتاب الذي يتطرق إلى يوم واحد غريب من حياة الفيلسوف الألماني إمانويل كانط كي يقف بشكل عميق على طبيعة شخصية هذا الفيلسوف ووقائعها المضبوطة والمنتظمة، وأن يتعرف من خلالها على مجمل ما قدمه للفكر العالمي في مجال الأخلاق وضرورة احترام مفهوم الواجب.

كما تمكن هذه السلسلة الناشئة من الاطلاع عن كثب وفي لغة الضاد على تجارب فلسفية من الشرق الأقصى، في شخص لاوتسو وحكمته الطاوية التي ما تزال تحتفظ بأهمية حكمها وحصافتها وذكائها. إضافة إلى الاطلاع على تجارب فلسفية شكلت ثورة في مجال الفكر الإنساني كفلسفة أينشتاين والطريقة التي اكتشفت بها النسبية، كما يمكن التعرف على تصور بول ريكور الإيجابي للحياة.

إن هذه السلسلة تؤسس لمتخيل فلسفي هام لدى الناشئة وتقربهم من مجال مهمّش، خاصة في بلداننا العربية، حيث أضحى التفلسف ترفا ثقافيا ونوعا من “الشذوذ الفكري”. وهي أيضا تقترح على ذوي الاختصاص من فلاسفتنا ضرورة صياغة استراتيجية تربوية لتقريب الفلسفة من الناشئة مما سينزع عنها كل ما ألصق بها من أفكار مغلوطة. كما أن هذه السلسلة كفيلة بأن تخلق مجالا مرجعيا للناشئة في مجال إشكالي وما يزال يعتبر حكرا على الكبار والمتخصصين.

15