كلنا أجانب

الخميس 2014/08/07

العملة التي يستعملها سكان العالم أميركية، الأرقام التي يستعملها سكان العالم عربيّة، الديمقراطية التي ينتهجها سكان العالم ذات منشأ إغريقي، الساعات التي يتباهى بها سكان العالم مصنوعة في سويسرا، العطور التي يتزيّن بها سكان العالم باريسية، السجّادات التي يفترشها سكان العالم فارسية، التوابل التي يستعملها سكان العالم هندية، الجبن الذي يفضله سكان العالم هولندي، الموز الذي لا يشبع منه سكان العالم أفريقي.. لكن، وحدهم سكان العالم، حين يبتعدون عن موطنهم ولو قليلا، يصبحون أجانب، مهاجرين، لاجئين، نازحين، غرباء..!

وفي كثير من الأحيان يبقى أبناء وأحفاد المهاجرين مهاجرين حتى بعد أجيال طويلة، ويبقى أبناء وأحفاد اللاجئين لاجئين حتى بعد أجيال طويلة. والأدهى والأمرّ أن الأمر قد يكون بتواطؤ من المعنيين بالأمر أنفسهم.

في عصر المواطنة ما زلنا نسمي اليهود الفرنسيين أو المغاربة أو الجزائريين باسم الجالية اليهودية. بعد زهاء قرن على وجود المغاربيين في فرنسا لا يزال أحفادهم يحملون اسم مهاجرين، في ما يصطلح عليه باسم الجيل الرابع. بعد زهاء قرن من الزمن لا يزال اللبنانيون من أصول فلسطينية يحملون صفة لاجئين أو سكان المخيمات. العالم قرية صغيرة، لكن نصف أهلها لا يُعتبرون أو لا يَعتبرون أنفسهم مواطنين.

مؤخرا، جلست في إحدى المناسبات العائلية ألعب مع طفلين فرنسيين من “الجيل الرّابع” لعبة الدومينو. وفي سياق تلاسن حاد بينهما شتم أحدهما الآخر بالقول: يا مهاجر! ذعرت وغرقت في لحظة تأمل. أجداد كل هؤلاء مهاجرون بالفعل، لكن هذا عن أجدادهم، أما هم فإنهم مواطنون فرنسيون بكل تأكيد، رغم ذلك لا يزالون يُعتبرون أو يَعتبرون أنفسهم مهاجرين. أين الخلل؟ الخلل عندنا في الثقافة المرجعية للمهاجرين ولا شكّ، لكن ثمة خلل في بيئة الاستقبال أيضا؟

فتّشت عن بعض مواطن الخلل في برامج التعليم الفرنسي، وقد لاحظتُ في مادة التاريخ في مستوى تعليمي لا أذكره أنّ أحد دروس التاريخ يبدأ بعبارة: أجدادنا الغاليّون ( Nos ancetres les Gaulois).

ماذا سيقول التلاميذ من أبناء أو أحفاد “الجالية” المغاربية؟ بكل تأكيد سيقولون: الغاليّون ليسوا أجدادنا، إذا نحن لسنا فرنسيين! فلنبحث عن هويتنا خارج مقررات المدرسة. هنا يكمن الخطر الأكبر.

24