كلوب العاطفي

في زاوية ما، وفي مكان ما، وتحديدا في مدينة ليفربول بكى يورغن كلوب، انهمرت دموعه وهو يعاين جهود أعوان الخدمة الصحية في إنجلترا وهم يقومون بواجبهم الوطني تجاه البلاد والعباد.
الأحد 2020/03/29
مدرب "عاطفي"

سيعود العالم إلى طبيعته يوما ما، ربما بعد أسابيع أو أشهر، ربما قد تقصر مدة التوقف عن الحياة أو تطول، لكن في النهاية ستعود الحياة لتدّب من جديد.

حقيقةً هذا الوباء أصاب “الجميع” بالشلل، كل التحركات أصبح يكسوها الخوف والريبة من هذا “العدو” الغامض، لكن في كل الأحوال سننجح ونسترد حريتنا المسلوبة.

ستضج الدنيا بالحركية والبهجة، سيعود الجميع لمعانقة بعضهم البعض، ستعود الشوارع والأماكن العامة والساحات كي تستقبل روادها، ستعود أيضا الملاعب كي تنبض من جديد، فقط قليلا من الصبر، فقط القليل من اليقظة والحكمة.

ستعود الحياة لكل شيء، وسيعود عشاق الكرة لمتابعة “الأطباق الدسمة” التي “دنّسها” هذا العدو وأفقدها مذاقها. سنتعلم من الدروس، سيستفيق العالم على أصعب درس في التاريخ وسيعمل على التمتع بالحياة واستغلال كل ثانية فيها.

من المؤكد أن الثمن لن يكون بخسا بعد هذا المصاب الجلل. من الثابت أن الجميع سيكون خبيرا بعد أن تنقشع السحب بأن الحرية غالية، والحياة أغلى لكنها تتطلب الكثير والكثير من التضحيات.

بعد العودة إلى الحياة، ربما من الواجب والحتمي أن نرفع القبعة لكل من غامر بحياته واندفع خدمة لمصالح البقية القابعين في منازلهم، ولكل من بذل جهدا كي ينقذ حياة الآخرين.

في زاوية ما، وفي مكان ما، وتحديدا في مدينة ليفربول بكى يورغن كلوب، انهمرت دموعه وهو يعاين جهود أعوان الخدمة الصحية في إنجلترا وهم يقومون بواجبهم الوطني تجاه البلاد والعباد.

لقد تأثر إلى حد البكاء، وهو يعاين كفاحهم لمحاربة “العدو” شعارهم الإيمان بقدرتهم على التصدي لهذا الوباء، وسلاحهم التحلي بالإرادة والقوة متخذين شعار نادي ليفربول “لن تسير وحدك أبدا”.

لم يتمالك كلوب ذلك المدرب المحب للحياة والسعادة أعصابه، لم يقدر على حبس دموعه، لقد تأثر بشكل كبير للغاية مع ذلك المشهد الذي عاينه عن كثب وقرب، مشهد أولئك الجنود الصامدين في وجع العدو الغامض، ليس في إنجلترا فحسب بل في شتى أصقاع العالم. هكذا هو دوما مدرب ليفربول، مدرب شاعري وحساس ويستحق لقب “العاطفي”، خاصة وأنه لا يقدر على كبح جماح مشاعره الفياضة.

كلوب بدا من أكثر الرياضيين في إنجلترا حاليا اهتماما بالوضع الجديد، بدا مرتبطا بلاعبيه حيث لم يتوقف عن الاتصال بهم والرفع من معنوياتهم، لم يقتصر الأمر على ذلك بل حرص دوما على تقديم رسائل لحث الناس على التقيّد بالقواعد الصحية الضرورية.

لم يهمل أيضا أصوله الألمانية، وفي كل مناسبة تجده يدعو الجميع إلى الوحدة والتضامن والتكاتف من أجل مكافحة هذا الوباء سويا.

هكذا هو كلوب منذ عهده متابعو كرة القدم في سنوات تألقه الأولى مع نادي ماينتس الألماني قبل تجربته الألمانية الموالية مع بوروسيا دورتموند إلى غاية قدومه إلى ليفربول.

فهذا المدرب الألماني كان بحق نجما على حافة الميدان في كل المباريات، أحيانا كان يفتك النجومية من اللاعبين، بفضل تحركاته المليئة بالحياة وبسماته التي ينثرها للجميع، بفضل عفويته في التعبير عن فرحته كلما سجل فريقه هدفا أو فاز.

الأكثر من ذلك أن كلوب يظهر دوما احتراما كبيرا للمنافسين، فعقب كل مباراة يبادر دوما بتحيّة مدرب الفريق المنافس وكذلك اللاعبين قبل أن يحتفل عقب ذلك بعد لاعبي فريقه.

كان دوما مليئا بالشاعرية تحكمه التصرفات العاطفية، التي ساهمت بقسط كبير في صنع شخصيته التدريبية الاستثنائية والناجحة.

في أحد تصريحاته السابقة تحدث يورغن عن أن أهم شيء في الحياة هو رؤية السعادة على محيا الآخرين، قال إن لا شيء يعادل ضحكة ولده، وهو يعود إليه كي يضمه، أكد أن الحياة السعيدة والهانئة أهم بكثير من التتويجات والبطولات.

هكذا تحدث كلوب في السابق وهكذا تعامل مع ماهية كرة القدم في الحياة، وهكذا أيضا آمن اليوم بأن حياة فرد واحد أسمى وأهم من كل النجاحات الرياضية.

لذلك انهمرت دموعه عندما شاهد أعوان الخدمة الصحية وحين عاين تحمسهم الفياض لخدمة البشرية وسعيهم لإعادة الحياة إلى طبيعتها.

مؤخرا تحدث كلوب قائلا “في المستقبل، بعد 10 أو 20 أو 30 أو 40 عاما، سننظر إلى الوراء، وسيكون الاستنتاج أن هذه الفترة شهدت اتحاد العالم، وإظهار المزيد من الحب والصداقة، وسيكون ذلك عظيما”.

هو بلا شك يؤمن بأن المشاعر الصادقة والاتحاد بين الجميع هما سلاح البشرية لتخطي كل الصعوبات.

23