كلودين في فاس

الخميس 2014/07/31

قبل سنوات مضت، طلبت مني صديقة فرنسية أن أصحبها في جولة سياحية بمدينة فاس المغربية. ولأنها يسارية جذرية على نحو كان يستهويني -في ما أذكر- فقد استجبت على الفور لطلب الرّفيقة كلودين.

نزلنا في محطة القطار، وانطلقنا نحو فاس الجديد. واسم فاس الجديد لا يطلق على الحي الحديث الذي يعود إلى حقبة الاستعمار، وإنما هو الاسم الذي يطلقه أهل فاس على الحيّ الذي يعود إلى حقبة المرينيين، مقابل فاس القديم عندهم، أو “فاس البالي” بتعبيرهم، الحي الذي يعود إلى حقبة الأدارسة.

في الطريق كان علينا أن نخترق “لافيل”، وهو الاسم الفرنسي الذي يطلق على المدينة الحديثة، فدلفنا إلى شارع يقع فيه ملعب لكرة القدم، وكانت هناك مباراة هامة، ما دفع رجال الأمن إلى إعلان الشارع “منطقة مغلقة”. فجأة ظهر أحد الأمنيين يأمرنا بالابتعاد، لكنه ما أن رأى الملامح الأوروبية لمرافقتي حتى اعتذر لنا وأذن لنا بأن نسير في الشارع كما نشاء. لم تخف صديقتي اليسارية غضبها لهكذا تمييز، لكنها أدركت أيضا أن الاحتجاج قد لا يجدي نفعا، فتابعنا السير.

على مدخل فاس الجديد تنبسط ساحة إسمنتية جميلة قبالة القصر الملكي. وكان قرار الحرّاس في ذلك اليوم منع الناس من التوغّل في السّاحة. لم ننتبه للأمر، فاتجه أحد الحرّاس نحونا وهو يأمرنا بالابتعاد. لكن ما أن بدت له ملامح صديقتي حتى اعتذر وأذن لنا بالدّخول إلى الساحة والتجول كما نشاء. كنت المغربي الوحيد الذي سمحوا له بذلك. حينها كان يخالجني مزيج من الشعور بالانتشاء ومرارة الحيف.

وفي لحظة تسألتني كلودين هل يمكنها أن تلتقط صورا للمكان؟ فأجيبها بنبرة ساخرة: نعم، طالما أنك فرنسية يمكنك ذلك. فتضحك وتخرج آلة التصوير. ثم تسألني هل يمكنها أن تلتقط صورا لباب القصر؟ فأجيبها: نعم، طالما أنك فرنسية يمكنك ذلك. ثم تسألني هل يمكنها أن تلمس الباب بيدها؟ فأجيبها : نعم، طالما أنك فرنسية يمكنك ذلك. وفجأة تلاحظ أن الباب منفرج قليلا، ثم تسألني هل يمكنها أن تفتحه لكي تطل؟ فأجيبها على الفور: لا..لا.. يا كلودين.. هنا لا يكفي أن تكوني فرنسية.. يجب أن تكوني أميركية! ضحكنا كثيرا ثم غادرنا المكان، وكان الحراس يودعوننا عن بعد. في الحقيقة كانوا لطفاء.

24