كلود فورليون عقل الإنسان حين يبحر مبتعدا في الخيال

السبت 2016/05/28
كلود فورليون من صحافي سباق السيارات إلى "مختار" الفضائيين

اسطنبول- تخيل عزيزي القارئ أن تكون في جولة بين أحضان الطبيعة، وفجأة تجد نفسك في مواجهة مع كائنات فضائية، تتحدث معك بلغتك، وتقول لك بأنها اختارتك لتكون سفيرها على كوكب الأرض، وبعد ذلك تقوم بنقل المعارف التي تدركها هي إلى عقلك، لتصبح أنت هو “المختار” من بين جميع سكان الأرض.

هل تتذكر كم مرة شاهدت هذا السيناريو في أفلام الخيال العلمي؟ وكم مرة تكررت أمام عينيك الأخبار التي تتحدث عن الصحون الطائرة التي تظهر في الليل والنهار أمام البشر في أصقاع الأرض، دون أن يتمكنوا ولا في مرة واحدة من الإمساك بأيّ منها أو التواصل معها؟

طيب، لننسى هذا كله، ولنبدأ من جديد؛ ما رأيك بأن شخصاً حصل له ما طلبت منك تخيله في البداية، وأنه أعلن للبشر حكايته، وأنه أنشأ “ديناً” جديداً يقوم على عبادة هؤلاء الفضائيين، وأنه أقام مؤسسات علمية تدّعي أنها تمكنت من إجراء أول تجارب استنساخ للبشر في التاريخ، هل تصدق هذا؟ صدقت أم لم تفعل، ما نقوله لك حصل فعلاً، ولهذا سأدعوك إلى عالم من (الخيال العلمي) اسمه الرائيلية.

الفضائيون آباؤنا

بدأت الحكاية في صباح الثالث عشر من ديسمبر من العام 1973عندما كان صحافي سباقات السيارات كلود فوريلون (مواليد سنة 1946) متجها إلى عمله، ووجد نفسه يغير مساره ليتجه إلى متنزه بركان “بووي دي لاسولا” في وسط فرنسا، حيث سيكون على موعد دراماتيكي مع كائن يشبه الإنسان قادم من كوكب آخر، هبط من مركبته الفضائية.

سيعطيه الكائن شرحاً مفصلاً جديداً عن أصول الجنس البشري وكذلك معلومات عن كيفية تنظيم مستقبله، داعياً إياه لأن يكون رسول “الإيلوهيم” الذين قاموا بتصميم الجنس البشري على كوكب الأرض من 25 ألف سنة، كي يخبر الناس عن قرب عودة من صنعهم.

وبحسب رواية فوريلون الذي اتخذ لنفسه بعد ذلك اسم رائيل، فقد قبل المهمة التي أعطيت له بعد ستّ جلسات متتالية في نفس الموقع، وبدأ بخطواته لإبلاغ البشرية بتلك الرسالة “الثورية” وإعداد السكان لاستقبال خالقيهم “إلإيلوهيم”، متخلياً عن مهنته، التي عرفه الناس من خلالها.

معتقدات الرائيلية
هيكلية الكون

تعتمد الرائيلية بالفلسفة اللانهائية من ناحية الزمن والمكان. وأن الكون اللانهائي ليس له مركز. يقول رائيل إن “كل شيء هو كل شيء. فداخل ذرات الكائنات الحية، هناك كائنات حية مكونة من ذرات، وهكذا دواليك. وكذلك الكون الذي هو داخل ذرة داخل كون آخر”.

خلق الحياة

يعتقد الرائيليون بإمكانية خلق حياة من لا شيء عندما يتحقق السلام بين البشرية وتتوقف الحروب وينتهي العنف. عندها، ستمكن الإنسان من السفر عبر الكون واستخدام الاستنساخ والتعديلات الجينية لخلق حياة من لا شيء.

العود إلى الحياة

لا يعتقد الرائيليون بالتقمص أو العودة إلى الحياة لعدم إيمانهم بوجود الروح بالمعني الغموضي.

عبقراطية

يعارض الرائيليون أيّ إخلال بالقوانين الموجودة في العالم ويشجعون الجميع على إتباعها. إلا أن الحكم الصحيح والفعال عندهم هو حكم العباقرة في ما يسمونه عبقراطية.

الاقتصاد

يؤمن الرائيليون أن تطوير التكنولوجيا المناسبة يحقق الجنّة على الأرض وبأن الإنسان يجب أن يتمتع بالحياة من دون أن يعمل عن طريق استغلال التكنولوجيا لتقوم بالأعمال عوضا عنه وتأمين رفاهيته.

يروي رائيل أنه خلال السنة التي تلت اللقاء كان قد تمكّن من طباعة كتاب يفصّل تلك الأحداث، وليبدأ في نشره عبر الماكينة الإعلامية التي يعرف أسرارها بحكم مهنته السابقة.

ولم يمض عامٌ حتى كان قد عقد المؤتمر الأول لدعوته بتاريخ الـ19 من سبتمبر 1974 في باريس، والذي حضره أكثر من 2000 شخص. وبعد فترة وجيزة من ذلك أسس جمعية باسم “ماديش” انتسب لها 170 شخصاً تكفلوا لها بأن تصبح بحلول نهاية العام 1974 كياناً قائماً يحمل اسم الحركة الرائيلية.

مبادئ الحركة

تقوم أفكار رائيل وفق الكتب التي قام بتأليفها على نقض النظريات القائمة التي تبحث في أصل الجنس البشري على كوكب الأرض، والتي تتحدد في مسارين؛ الأول وهو الديني، الذي روته الكتب السماوية المقدسة، والثاني وهو العلمي الذي خرج بنظرية التطور التي تقول بأن الإنسان لم يوجد على الأرض منذ البداية على هذا الشكل بل تطور كجنس من سلالات سبقته وذلك بحسب العالم ريتشارد دارون.

هنا تقول الرائيلية بأنه لا بد من قراءة النظرية الجديدة والتي تجمع ما بين المنطق والعمق الفلسفي، وتضيف بأنه “منذ الآلاف من السنين، جاء علماء من كوكب آخر وخلقوا الحياة على الأرض بما في ذلك الكيان البشري، الذي خلق على صورتهم، ثمة إشارات عديدة لهؤلاء العلماء وأعمالهم نجدها في النصوص القديمة للعديد من الحضارات. نظراً لتفوقهم التقني الشديد، فقد تم اعتبارهم آلهة من قِبَل أسلافنا البدائيين وأحياناً أشير إليهم بكلمة إيلوهيم والتي تعني هؤلاء الذين أتوا من السماء بالعبرية القديمة. بالرغم من أن كلمة إيلوهيم هي كلمة بصيغة الجمع، إلا أنها قد ترجمت خطأً للإشارة إلى الإله الواحد الذي نجده كثيرا في إنجيل هذا العصر”.

تفصح نظرية رائيل عن العلاقة التي جمعت بين البشر وبين خالقيهم طيلة العصور السابقة، فتقول بأن “هؤلاء الذين أتوا من السماء (إيلوهيم) علموا البشرية بمساعدة العديد من الرسل، أو الأنبياء، مع أولئك الذين كانوا على اتصال معهم، كلّ رسول أعطي رسالة تتلاءم مع مستوى المعرفة السائدة في ذلك الزمن، مع الهدف الأساسي وهو غرس قيم الاحترام واللاعنف. وبعد بلوغ البشرية قدرا كافياً من الفهم العلمي، قرر الإيلوهيم أن يجعلوا أنفسهم مرئيين بشكل أكثر عبر مشاهدات الصحون الطائرة، وأن يوضــــــحوا رسالتهم الأخــيرة. إن رائيل قد كلف بمهمتين، نشــر الرسالة على الأرض، وتجهيز سفارة للــــترحيب بعودة الخالقين”.

الركوب في عربات الآلهة

بحسب ما سبق فإن الرائيلية تتقاطع مع عدد من الحركات التي تتخذ أحياناً شكل أديان سبقتها، تؤمن بعبادة كائنات فضائية يفترض أنها قامت بخلق الإنسان على كوكب الأرض.

ولكن ما هو جدير بالتوقف عنده هو ذلك التقاطع الكبير بين ما يدّعيه رائيل وما بين تجربتين كان هو على اطلاع ومعرفة بهما، هما تجربة الفرنسي جان سيدني وكذلك تجربة الألماني إريك فون دانكن مبتكر مؤلف كتاب “عربات الآلهة”، الذي تحدث عن ظهورات شتى لكائنات فضائية على كوكب الأرض، مستعيناً بأدلة أثرية، ومعالم أرضية مبهمة وغير مفسّرة، بالإضافة إلى ورود حوادث غرائبية في الكتب المقدسة، تؤشر كلها إلى وجود قوى خارقة قامت بترك آثارها أمام أعين البشر.

وقد تم الرد كثيراً على هذه الادعاءات من قبل عدد من الباحثين الذين رأوا بأن إحالة كل الأشياء المبهمة على الأرض إلى قوى فضائية يحتاج لإثباتات علمية أشد تماسكاً من الروايات التي يستند لها أصحاب هذا الزعم، وقد برز من بين هؤلاء العالم الأميركي الراحل كارل ساغان الذي أسهب في تشريح الجهل الذي تصنعه الميديا الراهنة بما يخص القضايا الإنسانية الكبرى، فما يجري هو إمعان في صناعة الدجل، الذي يستهدف البشر، ويحاول الاحتيال عليهم لأسباب تجارية محضة، وبالنسبة إلى ساغان فإنه مازالت أمام البشرية مساحات زمنية طويلة قبل أن تتمكن من تفسير كل شيء تواجهه، بالإضافة إلى أن اتخاذ البعض للقوى الخرافية كآلهة ليس سوى تكرار للنزعات البدائية التي صنعت آلهة لكل الظواهر الطبيعية.

أفكار رائيل تقوم وفق الكتب التي قام بتأليفها على نقض النظريات القائمة التي تبحث في أصل الجنس البشري على كوكب الأرض، والتي تتحدد في مسارين؛ الأول وهو الديني، الذي روته الكتب السماوية المقدسة، والثاني وهو العلمي الذي خرج بنظرية التطور بحسب دارون

ولكن المنحى الذي ذهبت له الرائيلية في نشر دعوتها بين مريديها الذين بات عددهم الآن ينوف عن 70 ألفا في 97 بلداً، لم يبق محدوداً ضمن الفكرة الخرافية التي تحدث عنها السابقون عنها، بل إنها بنت تصورها ضمن إطار أدعت علميته ليبدو مشوقاً لهواة الصنف. فالألوهيم بحسب رواية ينقلها رائيل عن أحدهم “أتوا إلى كوكب الأرض منذ الآلاف من السنين لاختبار خلق كائنات حية بعيداً عن كوكبهم. حيث كانت الأرض مغطاة بغيوم كثيفة وتغمر سطحها المياه. فقاموا بتجفيف الغيوم لتصل أشعة الشمس إلى سطح الأرض، وخلقوا القارات بواسطة تقنيات متقدمة وصنعوا بيئة صالحة للحياة. من ثم قاموا بإنشاء حياة متكيّفة مع جوّ الأرض الجديد مستخدمين علوم الفضاء الشمسية والهندسة الجينية. كما أن جنة عدن التوراتية كانت مخبر الأبحاث الذي أقاموه لإجراء أبحاثهم في عمليات الخلق. بالإضافة إلى أن سفينة نوح كانت مركبة فضائية حافظت على بعض الجينات التي استعملت في استنساخ الحيوانات. أما برج بابل، فكان صاروخاً صمّم للوصول إلى كوكب الإلوهيم الأمّ. وعليه فإن الطوفان الكبير لن يكون سوى نتاج عن صاروخ نووي أرسله الإلوهيم للقضاء على الحياة على الأرض”.

روج فوريلون لدعوته من خلال مقاربة القضايا الملحة للبشرية مع العلم، ولكن الأطر العامة ظلت إشكالية. فمن حيث الشكل توقف الكثيرون عند المنحى اليهودي الذي ظهر وفقه شعار الرائيلية (ترس داود والصليب المعقوف في البداية ثم ترس داود وحده) وبالنسبة إلى الحركة فإن نجمة داود تمثل اللانهائية في الفراغ بينما يمثل الصليب المعقوف اللانهائية في الزمن، أي أنه لا بداية ولانهاية للزمن وكل شيء دوري.

لم ينكر رائيل ارتباطه باليهودية، فوالده من أصول يهودية، كما أنّه توجه إلى إسرائيل كي تسمح له ببناء الهيكل الثالث الذي طلب منه بناؤه، ليكون سفارة على الأرض طبقا للمواصفات المطلوبة من قِبَل الإيلوهيم، والتي تقول بأنه “يجب أن تبنى في موقع محايد يمنح له الحق في استضافة زوار الفضاء ويكون ذا مجال جوّي محايد بشكل مؤكد. إن تجهيز سفارة كهذه ومنح كافة الضمانات اللازمة لحقوق ساكنيها، سيثبت أن البشرية على استعداد للقاء خالقيها”. ولكن الحكومة الإسرائيلية لم توافق.

الاستنساخ

سفينة نوح حسب الرائيليين كانت مركبة فضائية حافظت على بعض الجينات التي استعملت في استنساخ الحيوانات. أما برج بابل، فكان صاروخا صمم للوصول إلى كوكب الإلوهيم الأم. وعليه فإن الطوفان الكبير لن يكون سوى نتاج صاروخ نووي أرسله الإلوهيم للقضاء على الحياة على الأرض

توجهت الحركة نحو تجارب استنساخ البشر منذ العام 1997 عبر ذراعها العلمي “شركة كلونايد” من أجل إثبات قدراتها في التحكم بعنصر الـ”دي أن إيه” الذي شكل الفضائيون منه البشر من خلال اللعب في تكوينه، وأيضاً لتثبيت رؤيتها التي تقول بأن النفس البشرية تفنى مع موت الجسد، وبالتالي فمن أجل بقاء النفس يجب إحياء الجسد عبر تجديده.

وبعد أن كان العالم يتعامل معها كمجرد حركة للمخبولين، جاء إعلانها عن نجاحها باستنساخ أول كائن بشري في العام 2002 الطفلة “حواء” أو “إيف”. ليضعها على خارطة الأخبار المثيرة حول العالم، متسبباً بموجة كبيرة من الانتقادات الأخلاقية والحقوقية.

وبينما كانت العالمة الفرنسية الرائيلية بريجيت بواسوليه تبلغ وكالات الأنباء عن نجاح كلونايد باستنساخ عدد من الأشخاص حول العالم دون تقديم إثبات مادي على ذلك، كانت مؤسسات قانونية وحكومية في غير بلد تتحرك ضد الرائيلية، ورغم ذلك فقد وجد رائيل وبواسوليه طريقهما إلى الكونغرس الأميركي في العام 2001 للتحدث عمّا تفعله مؤسستهما في هذا الجانب الذي أقلق العالم كله.

وقد تحوّلت مسألة الاستنساخ مع الوقت إلى واحدة من أكثر النقاط المبهمة في سيرة الحركة الرائيلية، إذ أن شركة كلونايد تعلن على موقعها أنه يمكنها القيام بالاستنساخ بحسب الطلب. ويكلف استنساخ طفل ما بين 200 ألف و300 ألف دولار، كما توفّر فرصة للمتزوجين لانتقاء شكل أولادهم عبر “كاتالوغ” يحتوي صور النساء المتبرعات بالبويضات كما يمكن حفظ خلايا الراغبين من الأشخاص مدى الحياة واستخدامها للاستنساخ متى شاء صاحبها ذلك.

14