كلود فيالا رائد فن تكرار "الموتيف" على إسفنجة ملونة

الاثنين 2014/10/06
أعمال فيالا الفنية محمل ومشهد في الوقت ذاته

باريس - هل اللوحة كيان مستقل بذاته أم هي جزء من كل؟ وهل المحمل التقليدي ضروري لعرضها أمام عيون الناس؟ وهل تصلح المواد كلها لتطويعها داخل عمل فني؟ أسئلة يثيرها المعرض الاستعادي الذي يقام للفنان الطلائعي كلود فيالا بمتحف فابر بمونبلييه جنوب فرنسا، ويتواصل حتى مطلع نوفمبر القادم.

اشتهر كلود فيالا، المولود في مدينة نيم عام 1936، بتصوّر مخصوص للفن التشكيلي، يقوم على طبع شكل بسيط ذي كروم وحيد، أشبه بقطعة إسفنج اصطناعية وتكراره بأعداد غير محسوبة مع تواتر مسافات منتظمة، على صفحة قماشة طليقة لا قاعدة لها.

ويندرج هذا المسعى ضمن النقد الراديكالي للتجريدية الوجدانية والهندسية، هذا الشكل المحايد الذي يتكرر بلا تحديد، ولّد اشتغالا على اللون الواحد فريدا من نوعه، يكون فيه اللون موضوعا وغاية.

وهو ما مهّد عام 1969 لظهور “محامل/مساحات” التي كان فيالا أحد مؤسسيها، وهي ثاني مجموعة طلائعية في فرنسا خلال تلك الفترة إلى جانب جماعة BMPT (الأحرف الأولى لكل من دانييل بورين، زعيمها، وميشال برمانتييه وجان بيير بانسمان ونييلي توروني).

وكلتاهما كانتا تتطلعان إلى إعادة الفن التشكيلي إلى مفهومه المادي الأول، والتعامل معه بوصفه تقنية إنتاج كأي تقنية أخرى، بعيدا عن البهرج والأبهة، فجعلتا من التكرار وسيلة لإبراز عملية الصنع في وجهها الحرفي، خالية من المعنى ومن أي أثر نفسي، كما في شرائط بورين وفنسان بيوليس العمودية، أو شرائط برمانتييه الأفقية أو شرائط توروني الممهورة بفرشة، وكما هو الشأن مع إسفنجة فيالا.

داوم فيالا على جمع أنسجة أبلاها الزمن والاستعمال وتغير الأمكنة، قبل أن يحوّل اهتمامه إلى مواد غنية كالحرير والمخمل والأنسجة ذات البرقات، يعمد أحيانا إلى إعادة تفصيلها وتجميع قطعها للحصول على مساحات ذات اتساع يلبّي حاجته.

وعادة ما يكون المحمل لديه مفروشا على الأرض، فيقبل عليه حانيا جذعه، جاثيا على ركبة ونصف ليصبغها بطلاء من الأكريليك الفاقع، متأثرا في وضعه ذاك وفي طريقة عمله بالفنون البدائية غير الغربية.

وكان إلى ذلك يلح في معارضه على قابلية لوحاته للتنقل، في بيئات يفترض أنها لا تناسب أعمالا طلائعية، كمعرضه بإحدى القرى الفرنسية الجنوبية، حيث وزع لوحاته في مواقع مختلفة من القرية، أو معرضه الذي علق خلاله أعماله على أغصان الأشجار في الهواء الطلق، خارج العمران، ما دعّم نظرته إلى الفن التشكيلي كعنصر من بين عناصر أخرى كثيرة داخل سياق ومنظومة.

كلود فيالا: "اللوحة وحدها لا تعني شيئا وإنما السياق هو المهم"

كان فيالا في بدايته متأثرا بالانطباعية بوجه عام وبأوغست شابو بوجه خاص، ثم ولع بالتجريدية الأميركية مثل جاكسن بولوك وسام فرنسيس وجول أوليتسكي وموريس لويس وكينيث نولاند، وكذلك بأعمال المجري سيمون هنتاي، قبل أن يجد سبيله، ويؤسس نظريته.

وكان يزاوج بين تجربته الجديدة وبين أعمال أخرى استعمل فيها الأسل والأسلاك وشباك الصيد وخشب الفلين والحصى لبناء أشكال متنوعة، يبدو فيها أثر الفنون البدائية واضحا. لم ينكرها فيما بعد، ولكنه كان يحرص على تركها خارج دائرة الضوء. وهي معروضة هنا، في متحف فابر، ليقدم للزائر رؤية متكاملة عن مسيرته.

أما أعماله الأخرى، المعروضة هنا بكثافة، فهي تنتمي إلى جمالية رأت النور في أواسط ستينات القرن الماضي، قوامها أن مسألة تجديد الأشكال كافة ليست ذات معنى.

والأصل في تصوره أن ينطلق الفنان من شكل أولي، فيطوره ويميزه ويجعله يتنامى داخل الزمن والفضاء دون التخلي عن هيئته الأولى.

في كتاب له بعنوان “أجزاء” (1976) يقول في هذا الشأن: “مبدأ الإعادة والتسلسل والتكرار يصبح ضرورة فعلية، فاللوحة وحدها لا تعني شيئا، وإنما السياق هو المهم”. ويضيف: “المهم في نظري هو الكيفية التي تتفاعل بها الألوان مع الألوان التي تحتها، والكيفية التي أتوصل فيها بطريقة حدسية، لم أسع إليها ولم أتوقعها، إلى ترتيب مساحة ما من حيث الكثافة والقوة”.

ولذلك نراه في أعماله الغنية بالبصمات الملونة في شكل إسفنجة وأحيانا في شكل حبة فاصوليا، لا يتوانى عن تنويع المحامل واتخاذها قماشة لتلويناته تستوي في ذلك الخيام والمظلات وأغطية “الباش” الثقيلة.

وإذا كان الآخرون قد هجروا تلك التجربة إلى سواها، فإن فيالا حافظ على هذا الأسلوب الفريد نحو أربعين عاما، ولا يزال وفيا له، لا يحيد عن بحثه التجريدي المعقد مقدار شبر. فالسياق بالنسبة إليه أهم من الشكل الذي يتولد عنه. في أعماله الأخيرة، عاد إلى المساحات المسطحة، مستطيلة كانت أم مربعة، وتتابع العناصر الجوهرية، مع التركيز على التكثيف والتألق في المساحات الملونة.

فاللوحة بالنسبة إليه هي محمل ومشهد في الوقت ذاته، تماما كما كان الفن في العصور القديمة: رسوم على الحائط (رسوم على الصخر، جداريات)، أو على ألواح من الخشب صغيرة أو كبيرة، أو على أقمشة مشدودة موضوعة على قاعدة، مؤطرة في البداية، ثم متخلية تدريجيا عن الإطار لتتخذ لها أبعادا أكبر.

يقول فيالا: “كل لوحاتي أشبه بجزء من شيء متواصل، كأنه لا توجد سوى لوحة وحيدة ضخمة ومثالية أقوم باقتطاع جانب منها لأضعه في لوحتي”.

16