كليات القمة.. مؤسسات تمنح شهادات للعاطلين في مصر

النقابات المهنية في مصر ترفض الاعتراف بنتائج الكليات الخاصة  وتمنع تسجيلهم على جداولها لمخالفتهم شروط الالتحاق.
الثلاثاء 2018/08/28
قلق باد على الطلاب

جدل كبير أثاره قرار النقابات المهنية للتعليم الجامعي في مصر بعدم قبول خريجي الكليات الخاصة أو ما يعرف بكليات القمة، رأت أنه الضامن لحقوق الطلاب المتفوقين ويقطع الطريق على كل من تسول له نفسه الحصول على شهادة جامعية بالمال، فيما رأى البعض أنه بداية لثورة إصلاحية شاملة لإصلاح منظومة التعليم الجامعي.

القاهرة - عكس تمسك بعض النقابات المهنية في مصر برفض قبول خريجي الكثير من الكليات الخاصة ومنع تسجيلهم على جداولها لمخالفتهم شروط الالتحاق، تغييرا جديدا في خارطة التعليم الجامعي، بعدما أصبحت ما تعرف بـ”كليات القمة” مجرد وسيلة للحصول على شهادة تمنح صاحبها وجاهة اجتماعية.

واشترطت النقابات الخمس، قبول أي خريج من جامعة خاصة إلا بعد التأكد من حصوله على مجموع لا يقل عن 5 بالمئة عن تنسيق القبول بالجامعات الحكومية، لأن سوق العمل في هذه المهن أصبح مكدسا، كما أن غالبية الحاصلين على شهادات من جامعات خاصة تبين أن مستواهم العلمي منخفض للغاية.

ويعني رفض النقابات تسجيل خريجي هذه التخصصات في جداولها، أنهم لن يستطيعوا مزاولة المهنة، وهي الإشكالية التي فشلت وزارة التعليم العالي في وضع حل لها، قبل قبول الجامعات للطلاب بالكليات، وقرب بدء الدراسة في سبتمبر المقبل.

وتلجأ بعض الجامعات والمعاهد الخاصة إلى خفض التنسيق الداخلي لها، لاستقطاب الطلاب إليها من الذين لم يحصلوا على درجات تؤهلهم للالتحاق بنظيرتها الحكومية التي يشترط القبول فيها أن يحصل طالب الثانوية العامة على أكثر من 95 بالمئة.

ولا يمانع بعض أولياء الأمور في دفع عشرات الآلاف من الجنيهات، نظير إلحاق أبنائهم بالجامعات الخاصة ودخول كليات القمة، على غرار الصيدلة والطب والهندسة، ما يجعلهم بعد التخرج من المتساوين في الدرجة العلمية مع طلاب الجامعات الحكومية الحاصلين على درجات مرتفعة، وهو ما ترفضه النقابات المهنية.

وتكمن إشكالية معظم الأسر في مصر في أنها تتعامل مع كليات القمة، على أنها جزء من الوجاهة الاجتماعية للعائلة، والباب السحري لتوظيف أبنائها، لدرجة أن العديد من الآباء يصابون بصدمة، إذا أخفق أبناؤهم في الحصول على مجاميع تؤهلهم لهذه الكليات، ويلهثون وراء الجامعات الخاصة لتحقيق الغرض بأي ثمن.

وقال محمود كامل، وهو ولي أمر طالبة التحقت بكلية طب الأسنان تابعة لجامعة خاصة، لـ”العرب” “لا يعنيني أن تعمل ابنتي، المهم أن تحمل لقب طبيبة، لأن التعليم شهادة يحتاجها الشاب والفتاة كنوع من الوجاهة عند الزواج وتكوين علاقات اجتماعية”.

ورأى مؤيدو قرار النقابات، أنه يقطع الطريق على خريجي الكليات والمعاهد الخاصة الذين حصلوا على شهادات التخرج بالمال وليس من خلال التفوق العلمي في الثانوية العامة، وينصف أبناء البسطاء من خريجي الجامعات الحكومية، ويعيد فتح سوق العمل أمامهم بعد سنوات من اقتصار أكثر الوظائف على خريجي الجامعات الخاصة.

وقال هؤلاء إن اقتصار مزاولة المهنة على أصحاب الدرجات المرتفعة يعيد الاعتبار للجامعات الحكومية، ويجعل كليات القمة محصورة في نطاق ضيق، بحيث لا يتم شراء الالتحاق بها، بمبالغ مالية يدفعها أبناء الطبقات الميسورة، كما أن ذلك ربما يعيد تشكيل سوق العمل، بإقصاء الضعفاء أكاديميا عن ممارسة المهن الحيوية.

ودعم أصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم، بأنه “لا يمكن تساوي فرص طالب حصل على 99 بالمئة والتحق بكلية الهندسة في جامعة حكومية، مع آخر لم تتعد درجاته 70 بالمئة وتم قبوله في معهد هندسة خاص مقابل الآلاف من الجنيهات، ويتم قبول الاثنين معا في نقابة واحدة ويحملان لقب مهندس”.

أيمن البيلي: قرار النقابات المهنية يجب أن يكون بداية لثورة شاملة في التعليم الجامعي بمصر
أيمن البيلي: قرار النقابات المهنية يجب أن يكون بداية لثورة شاملة في التعليم الجامعي بمصر

وأكد مجلس نقابة الصيادلة، أنه تمت مخاطبة الجامعات بعدم قبول أكثر من 3 آلاف طالب هذا العام، لأن سوق العمل متشبع بالصيادلة، ولا يحتاج إلى صيدلي واحد قبل مرور 5 سنوات، وكانت المفاجأة أن الجامعات (الحكومية والخاصة) قبلت 15 ألف طالب وطالبة هذا العام.

ويتجاوز عدد الصيادلة في مصر المعدلات العالمية، وهناك صيدلي تقريبا لكل 1425 شخصا، في حين تقول المعايير الدولية إن كل 5 آلاف شخص لهم صيدلي واحد.

وتحتل مصر مرتبة عالمية متقدمة في عدد أطباء الأسنان، وهناك 50 ألف طبيب مسجل بجداول النقابة ويزاولون المهنة، بما يعني أن هناك طبيبا لكل 1800 مواطن، وخلال ثلاث سنوات، وفق منظومة الالتحاق المعمول بها في الجامعات حاليا، سوف يكون هناك طبيب لكل 900 شخص.

وكان قرار نقابة العلاج الطبيعي أكثر صرامة بعدما اكتشفت إنشاء 11 كلية خاصة مقابل 3 حكومية، وأعلنت وقف تسجيل خريجي الجامعات الخاصة في هذا التخصص لحين الالتزام بمعايير القبول وتحسين الخدمات التعليمية ومواكبة ما توصل إليه العلم في تخصص العلاج الطبيعي، بعدما أصبح أكثر الخريجين غير مؤهلين.

وقال الخبير التربوي أيمن البيلي، إن أزمة الحكومة مع الجامعات الخاصة، أنها تعتبرها المنقذ لها بالتوسع في إنشاء كليات جديدة لتخفيض معدلات الكثافة في نظيرتها الحكومية، بعدما أصبحت غير قادرة على استيعاب جميع الطلاب، وفي نفس الوقت لا توجد موارد مالية للإنفاق على الجامعات الحكومية.

وأضاف لـ”العرب” أن قرار النقابات المهنية يجب أن يكون بداية لثورة شاملة في التعليم الجامعي بمصر، وإدخال كليات بتخصصات جديدة متطورة، وتغيير ثقافة الأسر في التعامل مع الشهادة الجامعية، وإلغاء ما يسمى بكليات القمة، وتوفير احتياجات سوق العمل فقط، مع الحد من توسعات الجامعات الخاصة بلا فائدة.

وتكمن أزمة توسع الكليات الطبية والهندسية الخاصة في أن أصحاب رؤوس الأموال من المستثمرين في مجال التعليم الجامعي يتعاملون مع الأمر وفق طموحات الأسر في إلحاق أبنائها بكليات ذات سمعة، وليس بناء على احتياجات السوق، ما وسّع الفجوة بين المعروض والمطلوب في التخصصات الجامعية.

وتعكس الفجوة غياب التنسيق والتخطيط بين الجامعات واحتياجات الدولة من الخريجين، وقناعات الأسر بأن التعليم عبارة عن شهادة جامعية يصعب تغييرها بسهولة، بدليل أن تهديدات النقابات المهنية برفض قبول خريجي كليات بعينها، قد تكون بلا قيمة، لأن ثمة فئة من الآباء يريدون أن يحمل أبناؤهم لقب دكتور أو مهندس، بصرف النظر عما إذا كان سيعمل بهذه الشهادة أم لا.

ما يعزز دخول قرارات النقابات المهنية حيز التنفيذ، أنها محصنة دستوريا وقانونيا، باعتبارها كيانات مستقلة لا سلطان لأحد عليها، ويُحظر على السلطة التنفيذية التدخل في قراراتها، ويحق لها أن تنظم عضويتها والالتحاق بها بالطريقة التي تراها مناسبة، طالما صدرت عن جمعياتها العمومية ومجالس إدارتها.

وأكد محمد عبدالعزيز، عضو النقابة العامة لأطباء الأسنان لـ”العرب”، أن تمسك بعض الآباء بإلحاق أبنائهم بكليات بعينها رغم التهديد بعدم تسجيلهم وحرمانهم من مزاولة المهن، يعكس تطور الهوس المجتمعي بما يسمّى كليات القمة، وهو الوتر الذي تلعب عليه الجامعات الخاصة، لجني المزيد من المكاسب المالية.

وأوضح “من الضروري أن تتعامل الجامعات مع سوق العمل بمنطق الأولويات ولا تكون حرّة في إنشاء الكليات دون ضوابط، بحيث تواكب متطلبات العصر، بعيدا عن فكرة الاستثمار، وتكون هناك كليات جديدة ونادرة التخصصات، تغري الأسر والطلاب وتنافس بها الجامعات الحكومية، وليس أن تكون مصدرا لتضخيم معدلات البطالة بالمجتمع”.

17