كليشيهات النسوية

السبت 2013/09/14

تخاف بعض الكاتبات من حصرهن داخل تيار الكتابة النسوية، خشية اعتبار هذه التسمية، بمثابة تصنيف دوني للكتابة، أو لأن بعض الكاتبات، يفتخرن بتماثلهن مع الرجال، وكأن (كتابة الذكور) هي الأرقى.

في بعض الصور البديهية أو التلقائية، لنقُل على طريقة (الروائز) التي تحدث عنها إيريك فروم، حيث تستدعي اللفظة صوراً ما، في تجربتي الشخصية مع التجمعات (النسوية)، أتخيل التالي: قاعة كبيرة، تجلس في صفوفها الأمامية على الأخص، سيدات تجاوزن على الأقل الخمسين من أعمارهن ، يبدين وكأنهن عدن للتو من صالونات الحلاقة، شعورهن مصفّفة بعناية، يرتدين ملابس رسمية، محتشمة بشدة، ويضعن أقراطاً متناسبة مع عقود الرقبة… يشبهن إلى حد ما، في ملابسهن، وتصفيفات الشعر، إما نجاح العطار أو ميركل، باختصار، هن نماذج أقرب، لنساء حديديات صلبات، يدافعن عن حقوق النساء.

بتحليل روائزي، بحثاً عن مصدر هذه المرجعية للنساء المدافعات عن حقوق المرأة، أعود إلى المصدر الأول لتأسيس الدفاع عن المرأة في وعيي: الاتحاد النسائي.

كانت اجتماعات أعضاء الاتحاد النسائي، التي أراها في شاشة التلفزيون، تصيبني بالخوف، رُهاب تصنعه تلك الوجوه الشبيهة لمديرات المدرسة المتجّهمات الصارمات. حين كبرت أكثر، عثرتُ على اللفظة، إنها السلطة. إنهن نساء سلطة، سلطويات، متسلطات.

حين كنتُ أمرّ أمام مبنى (الاتحاد النسائي) في شارع تشرين في مدينة حلب، حيث أسكن، كان قلبي يخفق بالخوف. كل وجوه داخلات المكان، أو الخارجات منه، مصممة بطريقة واحدة، وتشبه جميعها، السيدة العطار، وزيرة الثقافة آنذاك.

في مبنى اتحاد الكتاب العرب، كنت أرتبك محاولة اكتشاف هذا (الصرح) الثقافي، فأدخل قاعة، لا تختلف كثيراً في الاعتماد على الشكل الواحد، المصدر ذاته: المدرسة، الاتحاد النسائي… صورة الرئيس على الجدار الرئيسي، الآذن المتجهّم المتسلّط، الموظفون… البنية ذاتها، تنتقل من مكان آخر، يختلف العنوان المكتوب على الباب، ولكن العالم في الداخل،هو نفسه.

الاتحاد النسائي، منظمة تابعة للنظام الحاكم، تنطق بلسانه، وتحمي النساء من وجهة نظر الأب القائد، الرجل. حيث يمتلك رجال النظام القرار النهائي، والنسوة هن واجهات جسدية لعقول ذكورية، لم تكتشف خصوصيتها وفرادتها، لهذا كانت مديرة المدرسة، أو مدرّبة التربية العسكرية، أو رئيسات المنظمات النسوية، ولاحقاً الكاتبات المُعترف بهن في المشهد الثقافي السوري الرسمي، تتشابهن كلهن، بطريقة ما. إن كان الشبه فاقعاً فهو صورة نجاح العطار، القديمة، الحديدية، الصلبة، وإن كان خفياً، فهو الأب القائد.

نساء من الشكل الخارجي، أبوات داخليات (جمع مؤنث للفظة أب)، خلايا مشتقة من صورة الأب ـ القائد الأعظم، نساء يخلق الاقتراب منهن، الشعور بالخوف، ولو عن بُعد، بينما وظيفتهن، الدفاع عن حقوق النساء.

كليشيهات النسوية السورية، إن جاز الاصطلاح، عليها ان تبدأ من إسقاط صورة ( الأب القائد) والنساء المتشبّهات به، كخطوة أولى على طريق تفرّد المرأة، وقتل الأب ـ الذكر.

أما صورة المرأة الحديثة، زوجة القائد الشاب، فيمكن الحديث عنها لاحقاً، في المرحلة الجديدة من النسوية الثانية، ولكن علينا أولاً قتل الأب وزوجاته وبناته…


كاتبة من سوريا مقيمة في باريس

16