كلينتون - ترامب: الرسم بالكلمات

الجمعة 2016/10/14

فيما ينتظر العالم الكثير من الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر المقبل، ينزلق السجال بين المرشحيْن، هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، صوب مستويات منخفضة تشبه القيل والقال وحديث النميمة الوضيع، بحيث تغيب أي فلسفة أو فقه يفسّر رؤية المرشحينْ لقيادة الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع المقبلة.

ما بين زلات ترامب الأقرب إلى الثوابت في خطاب الرجل، وتصريحات كلينتون المتأسسة على دراية وخبرة عتيقتيْن تتحوّل الحملة الانتخابية الرئاسية إلى حفلة ردح، يقال إنها الأسوأ في تاريخ الحملات الرئاسية الأميركية، بحيث يكاد يغيب الجدل السياسي، على ما أفرجت عنه المناظرة الثانية بين المرشحيْن الأحد الماضي.

ويكاد النقاش الذي يغضب الأميركيين، ولا شك يسلّيهم، ينحصر في سرد حكايات المغامرات النسائية لترامب المرشح ولكلينتون زوج المرشحة. يدور لبّ الجدل حول “كلمات” ترامب، أو هكذا يوصف أمر الشريط المسرّب حول نظرته إلى النساء وكيفية التعامل معهن، وحول “أفعال” بيل كلينتون الذي تجاوز القول نحو الفعل، حسب اتهامات مرشح الحزب الجمهوري (حتى الآن).

لا يهم كثيرا أن يختلط الأمر على ترامب بين حلب والموصل. عوّدتنا الرواية الأميركية أن تحدثنا عن دولة مؤسسات في الولايات المتحدة تحدد لساكن البيت الأبيض بياض الأمور من سوادها، فإذا ما أضحى ترامب رئيسا، فإن “الموظفين” سيعالجون الموقف ويحددون للرئيس موقع حلب كما موقع الموصل.

ولئن اعتاد الناخب الأميركي أن تُعرض عليه في مواسم الانتخابات الرئاسية نماذج وأصناف لا تفقه العالم وأحواله، فإنه، لأسباب أميركية صرفة، غير قلق إذا ما تعذّر على المرشح العتيد إدراك الجغرافيا والتفطن إلى ضروب التاريخ.

تطل هيلاري كلينتون من منابر متعددة تمنحها وجاهة الموقع الرئاسي العتيد؛ تتحدّر المرأة من بيت خبر السياسة والحكم، وفي تجربتها مواكبة لعهديْ زوجها رئيسا للولايات المتحدة.

تعرف هيلاري خبايا السياسة الدولية من خلال إدارتها لسياسة بلادها الخارجية، وزيرة للخارجية، تحت سقف الرئيس باراك أوباما. ثم إن الولايات المتحدة التي راق لها انتخاب أول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة عام 2008، ثم تأكيد ذلك عام 2012، قد يروق لها، هذه المرة، انتخاب أول امرأة رئيسة للولايات المتحدة في التاريخ.

والمفارقة اللافتة في نسيج المجتمع الأميركي، أن الولايات المتحدة التي بدا أنها تغيّرت بانتخاب باراك أوباما، تغيّرت أيضا بجعل ترامب احتمالا داخل البيت الأبيض، على نحو يطرح أسئلة حول مدى ثبات قواعد التغيير التي يتطوّر وفقها مستوى الوعي الجمعي للأميركيين.

وفي ما تسرّب من انتخاب أوباما نزوع نحو استعادة “الحلم الأميركي” وتوق لاستعادة الثقة بـ“أميركا” من خلال شعار المرشح أوباما آنذاك “نعم نستطيع”، فإن صعود ظاهرة دونالد ترامب، بما ترمز إليه من قيم مسطّحة شعبوية تلامس الفاشية، وبما يمثّله “رأس المال” وعالم الأعمال، يعكس تبدلا مقلقا في مزاج الأميركيين، على نحو يقزم الفكرة الأميركية إلى نهج “الكاوبوي” الكاريكاتيري.

على أن الحملة الانتخابية للمرشحيْن على ضراوتها تحقن في إدراك المراقبين أن الأمر ضجيج أجوف لخدمة أغراض موسم حصاد الأصوات. يعني ذلك أن ما يقال ما هو إلا “كلمات” لا يمكن البناء عليها والتعويل على مضامينها.

تبدو الورشة الانتخابية منهمكة في اصطياد الأصوات بانتهازية لا أخلاقية تستدعي مواهب خطابية يتدخّل في صقلها جيش من المستشارين. ويبدو أن أعمال الترميم والتصحيح والتصويب في تصريحات كلينتون وترامب تخضع لمزاج السوق وبورصة استطلاعات الرأي.

بمعنى آخر لا يمكن لأي متابع موضوعي أن يستنج خلاصة لأميركا المستقبل في عهد أي من المرشحيْن، ذلك أن جعجعة ما قبل الانتخابات تُسكتها حقائق ما بعدها، وكأن هيلاري ودونالد يمارسان تمارين متخيّلة هوليوودية لا تستوي معها ملفات الدولة ومصالحها. وقد يجوز تخيّل أن المناظرات التي تتيح لهما تقديم أسوأ عروض الردح تليها حفلات مشتركة يتبادلان داخلها الأنخاب، ذلك أن الأمر لا يعدو عن كونه تمرين من “كلمات”.

تحدثنا المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون عن عناوين كبرى لمواجهة “الخطر” الروسي الصاعد. تروح في مطالعاتها السورية تَعِد بتخليص سوريا من بشار الأسد دون أن نعرف كيف.

يتصاعد من لهجة خطابها لقيادة العالم عبق لا يشبه ذلك الذي ما فتئ يخرج من مداخن البيت الأبيض برئاسة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما منذ 8 أعوام. لا يجد المراقب نقاط تقاطع بين المرشحة الديمقراطية والرئيس الديمقراطي على ما ينزع عن أداء هيلاري المصداقية المطلوبة لإقناع الرأي العام.

لكن الأمر لا يختلف كثيرا عن مضامين عروض دونالد ترامب في ميدان السياسة الخارجية. فالرجل معجب بسيّد الكرملين ولا يفرج عن خارطة تعالج ما تمثله روسيا بوتين من تحدّ لخيارات الولايات المتحدة الأمنية في العالم. ثم إن في خلطهِ ما بين حلب والموصل ما يوحي بأنه رمادي ضبابي عاجز عن الخروج بإنتاج جديد ينافس ما هو معروض على العالم منذ ثماني سنوات.

فالرجل لا يوافق على تصريحات المرشح عن حزبه لمنصب نائب الرئيس مايك بينس، الذي لم يستبعد إمكانية شن ضربات على أهداف تابعة لنظام دمشق. والرجل يعد باجتراح تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، كما وعد المرشح أوباما يوما ما.

والرجل يعد بمراجعة الاتفاق النووي مع إيران بنزق يشبه ذلك الذي قاده إلى الدعوة لرفع جدار على الحدود مع المكسيك، والدعوة إلى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، بما يفرغ القول من مصداقية تبشّر بعمل.

قد يكون صحيحا ما يزعمه ترامب من أنه ضحية تضليل إعلامي سببه وقوف صحافة البلد ضده. تمثّل صحافة الولايات المتحدة “أميركا” بمعناها المؤسساتي والمجتمعي، وامتداد ذلك داخل لوبيات الضغط الممثلة للمصالح.

تتقاطع في واشنطن خيوط ما يمكن تسميته بـ“أميركا العميقة” (والبعض يسميها الحكومة الخفيّة)، تلك التي تواكب انتخاب الرؤساء والتي قد تعرقل ذلك إذا ما تسرّب ما لا يتواءم مع قواعد اللعبة. لا يبدو أمر ذلك صعبا، ذلك أن الحزبين العملاقين، الديمقراطي والجمهوري، يُعدّان بعناية نخبهم ليعكسوا مزاج “أميركا العميقة” وفق قواعد دقيقة تحدد أصول التعايش بين الحزبين لتنظيم دينامية حكم الولايات المتحدة بين البيت الأبيض ومجلسيْ النواب والشيوخ.

فإذا ما كانت صحافة أميركا تمارس حربا حيال ترامب، فتلك علامة من علامات علّة في تبني “أميركا العميقة” لمسيرة رجل يجاهر بأنه سيكون السيّد الأول والأخير لأميركا (ربما تلك العلّة هي التي تقف وراء تخلي أكثر من 160 من شخصيات الحزب الجمهوري عن دعمهم لترامب، بينهم العشرات أعلنوا أنهم سيصوتون لكلينتون).

قد يبدو تبسيطا التسرّع في استشراف مزاج الصناديق الانتخابية في نوفمبر المقبل. بدت استطلاعات الرأي في استحقاقات انتخابية سابقة في العالم عاجزة عن الخروج بما يمكن التعويل عليه لاستباق نتائجها، فلماذا نثق باستطلاعات الرأي في أميركا؟ في العالم نزوع نحو ما يبثّه دونالد ترامب في بلاده.

خطاب الكراهية، مقت الأجانب، الإسلاموفوبيا، هاجس الإرهاب، العودة إلى رفع الحدود وحماية الأمن القومي، صعود تيارات اليمين المتطرف. البريطانيون يخرجون من الاتحاد الأوروبي، فيما تروج دعوات لإجراء استفتاءات انسحابية مشابهة لدى دول أخرى. الحرب الباردة تطل من جديد ومزاج الكوكب يميل نحو الانعزال مهددا صروح العولمة التي تحكم وتتحكم في يومياته.

على هذا لا يبدو وصول ترامب إلى البيت الأبيض مستحيلا، بل إن خروجه عن القواعد قد يجد لدى الناخب إغراء للتمرد على ما أصبح رتيبا والتخلّص من عقلانية مفرطة أرساها أوباما في عهديه.

ربما لذلك تخرج مجلات كالـ“فورين بوليسي” و“يو أس توداي” عن تقاليدها وتعلن دعمها وتأييدها لكلينتون، فطالما أن الناخب الأميركي وحده هو من سيحدد هوية القائد المقبل لهذا العالم، فإن لحظة التصويت قد لا تخضع لمنطق، بل لنزوة تمليها “الكلمات”.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

9