كلينتون ستكون أكثر تشددا مع طهران إذا ما انتخبت رئيسة

راج في قمة الزخم والجدل، اللذين صاحبا مفاوضات توقيع الاتفاق النووي مع إيران، ثم مرحلة ما بعد الاتفاق، أن ما قام به جون كيري وزير الخارجية الأميركي ونظيره الإيراني جواد ظريف هو شهادة على العلاقة الجديدة بين طهران وواشنطن، ستكفل لها التحول من دولة منبوذة إلى دولة ذات نفوذ إقليمي، على حساب حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في المملكة، لكن مصادر في وزارة الخارجية الأميركية أكّدت لـ”العرب” أن هذا الاتفاق لم يكن سوى محاولة دبلوماسية، تتماشى مع عقيدة أوباما، لاختبار إيران والضغط عليها بالقوة الناعمة، مؤكدة أن لا حوار جاريا مع إيران، وأن الأمر سيأخذ أبعادا متشددة من قبل الإدارة الأميركية المقبلة، ذلك أن جانبا من أهداف التوصّل إلى الاتفاق النووي هو ضمان أمن الشركاء والحلفاء في المنطقة.
السبت 2016/10/29
سياسة اليد الممدودة لم تثمر غير الفوضى

واشنطن – تعود الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط من بوابات متعددة. تطل مباشرة على الشأن العراقي من خلال معركة الموصل، وهي ذاهبة لانخراط أكبر في سوريا من خلال معركة الرقة ومن خلال دورها في مواكبة ومناكفة الدور الروسي، هناك وهي تنشط لترويج مخرج للأزمة في اليمن. وفي كافة تحركاتها الجارية، أو المحتملة، تحتك مباشرة بظلال الحراك الإيراني في المنطقة. لا يظهر أن في الأمر صداما ومواجهة، لكن الأمور قد تذهب في هذا الاتجاه مع إدارة البيت الأبيض المقبلة.

يرى إيلان غولدنبرغ، مدير برنامج الأمن في الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد، أن هيلاري كلينتون ستكون متشددة ضد إيران لإجبارها على الالتزام بالاتفاق النووي نصا وروحا، في النص التقني المتعلق بالبرنامج النووي، كما في الروح التي تتطلب من طهران الكف عن سياستها العدائية في المنطقة.

وحين أسأله عما يجعله متيقنا من انتخابها رئيسة، يصمت برهة وكأنه يبحث عن جواب منطقي، ليقول لي إن استطلاعات الرأي لصالحها. أذكّره بأن تلك الاستطلاعات أخطأت في دول كثيرة، وآخرها عدم توقعها نجاح الـ“بريكست” في بريطانيا، يجيبني بأن استطلاعات الرأي كثيرة جدا في الولايات المتحدة، وهي متعددة الاتجاهات، وكلها تضع الفارق لصالح كلينتون بست أو سبع نقاط، ومهما أخطأت، فلن تخطأ بهذا الفارق.

يقول غولدنبرغ إن الاتفاق النووي مع إيران كان هدفه وقف البرنامج النووي العسكري ليس أكثر من ذلك، و“لم يكن اتفاقا على حساب علاقات الولايات المتحدة بدول الخليج”. ويضيف “أرادت واشنطن استخدام المقاربة مع الصين، ونحن لسنا شديدي الصداقة مع بكين، نختلف في ملفات كثيرة، لكننا نعمل سويا في الكثير من القضايا، وبالتالي كان الاعتقاد أنه يمكن مقاربة إيران بهذه الاستراتيجية”.

وحين أسأله، وهو المشتغل على شؤون الأمن الاستراتيجي لبلاده، عن الأخطار التي يمكن أن تسببها إيران ضد المصالح الأميركية، يجيب بلهجة حازمة أن لا مصلحة لإيران بمواجهة الولايات المتحدة، وفي كل مرة أظهرت واشنطن حزما كانت طهران تتراجع (…) وأن لهجة إيران الاستعراضية هي فقط للمناورة والإيحاء بالضغوط.

مصدر رفيع المستوى في الخارجية الأميركية يؤكد أن الوصل نادر بين واشنطن وطهران، إلا من تواصل ظرفي وفي قضايا محددة بين وزيري خارجية البلدين. ويقول "مازلنا نفرض أنواعا من العقوبات على إيران"

طبيعة الوصل بين واشنطن وطهران

يؤكد المسؤول الكبير في وزارة الخارجية، الذي قابلته في العاصمة الأميركية، أن واشنطن سعيدة بإنجاز الاتفاق النووي مع إيران. وربما كانت طهران تعتقد أن الاتفاق سيوفر لها بحبوحة مالية، لكن الأمور لا تتقدم كما توقّع الإيرانيون، وهذا ليس له علاقة بالاتفاق، بل بالسياسة الإيرانية نفسها.

ويضيف المصدر الرفيع المستوى أن الوصل مقطوع بين واشنطن وطهران، إلا من تواصل ظرفي وفي قضايا محددة بين وزيري خارجية البلدين. ويقول “مازلنا نفرض أنواعا من العقوبات على إيران لأنها مستمرة في دعم الإرهاب في جوارها وفي العالم“، و”تطور العلاقات بين البلدين متعلّق بتغيير طهران لخياراتها وسياساتها، والولايات المتحدة منفتحة للتواصل مع إيران، لكن إيران لا تستجيب لشروطنا وغير مهتمة بتطوير علاقاتها معنا”.

بعد 11 سبتمبر راج في الولايات المتحدة أن السنّة في العالم هم مصدر الخطر على الولايات المتحدة، وأن إسقاط نظامي طالبان في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق هو ورش أولى هدفها تقويض قوة السنّة في العالم العربي، وحتى أن النظام السياسي الذي فرضته واشنطن من خلال الحاكم الأميركي بول بريمر في العراق، تقصّد تهميش القوى السنّية لصالح تلك الشيعة المتحالفة مع إيران.

والأمر ليس مختلقا من نتاج نظريات المؤامرة التي تروج في المنطقة، بل إن كتبا صدرت ومقالات سطّرت وتصريحات سُجّلت في الولايات المتحدة تروح في هذا الاتجاه، ولم يكن أصحابها بعيدين عن المحافظين الجدد الذين كانوا يهيمنون على إدارة الرئيس السابق جورج بوش.

أعادت واشنطن، بعد “خيبتها” العراقية، تصحيح سياساتها في العراق لصالح تشجيع المزيد من التوازن بين القوى الطائفية، ومن خلال تواصلها مع السياسيين السنّة، فيما نجحت دوائرها الأمنية في إطلاق قوات الصحوات السنّية لمحاربة القاعدة بزعامة أبومصعب الزرقاوي. ومع ذلك فإن ظلال التوجّهات الأميركية التي هيمنت بعد “غزوة نيويورك” مازالت تقلق أنظمة سياسية في العالم العربي (لا سيما لدى دول مجلس التعاون الخليجي) حول خيارات واشنطن الحقيقية في المنطقة ووجهة تحالفاتها.

يعتبر المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن العلاقات الأميركية السعودية قديمة وأن شراكة أمنية قامت مع المملكة منذ عام 1945، وأن أمر الشراكة انسحب على كافة الدول الخليجية.

مقربون من دوائر البيت الأبيض يرون أن أوباما عمل على تشجيع مقاربة الخطر النووي الإيراني من خلال السبل الدبلوماسية فقط، وأنه لم تكن من خطط لتطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية بالمستويات التي تخيّلتها طهران

ومن خلال ذلك التذكير بالخلفية التاريخية أراد بعدها تأكيد الثوابت التالية “نحن فخورون بعلاقاتنا مع السعودية ودول الخليج، والولايات المتحدة ليست بصدد التخلي عن منطقة الشرق الأوسط، وواشنطن ملتزمة بعلاقاتها وشراكتها مع دول مجلس التعاون الخليجي”. ويضيف “أعرف أن الاتفاق النووي قد أزعج دول الخليج. نحن نعتقد أن ذلك الاتفاق يحسّن أمن شركائنا في المنطقة. نحن اهتممنا بالحوار مع إيران، لكن هذا الحوار لا يأتي على حساب علاقاتنا مع دول الخليج أو على حساب دعمنا لها”. يتوقف المصدر عن إطلاق هذه الثوابت لينعطف نحو ثابتة جديدة “لم يحدث الاتفاق فارقا اليوم طالما أن هذا الحوار مقطوع مع إيران”.

الدبلوماسية لم تنفع

رغم تأكيد الأوساط الرسمية والمراقبة أن جمودا ألقى بظلاله على ما كان متوقعا من الاتفاق النووي الإيراني من آفاق في علاقة واشنطن وطهران، إلا أن قريبين من دوائر البيت الأبيض يرون أن الرئيس باراك أوباما عمل على تشجيع مقاربة الخطر النووي الإيراني من خلال السبل الدبلوماسية فقط، وأنه لم تكن من خطط لتطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية بالمستويات التي تخيّلتها طهران وجعلتها تقارب أمر الاتفاق بصفته مفتاح الشراكة الحصرية الثنائية بينها وبين الولايات المتحدة. وعليه، ترى الأوساط الأميركية أن تلك القطيعة النسبية ليست مفاجئة، بل إنها منطقية في سياق تناقض الرؤى والأجندات والاستراتيجيات بين واشنطن وطهران.

ويستنتج العارفون من تأكيدات المسؤول الأميركي في وزارة الخارجية أن “لا حوار جاريا مع إيران“، وأن الأمر سيأخذ أبعادا متشددة من قبل الإدارة الأميركية المقبلة، أيا كان الرئيس، ذلك أن جانبا من أهداف التوصّل إلى الاتفاق النووي هو ضمان أمن الشركاء والحلفاء في المنطقة (وخصوصا أمن إسرائيل)، إلا أن الهدف، وإن كان قد تحقق في جانبه النووي، فإنه مازال بعيد المنال، ومازالت إيران تشكّل تهديدا رئيسيا لبلدان المنطقة، وأن لإيران يدا عليا في الانخراط في كافة ميادين التوتر في المنطقة، بما يبعد عن كل المنطقة عوامل الاستقرار المطلوبة.

ويُسرّ لي واحد من الباحثين في الشؤون الاستراتيجية في الشرق الأوسط أن احتواء إيران كان، وفق عقيدة أوباما، يتطلب الضغط بالقوة الناعمة لإنجاح المسار الدبلوماسي، وأن احتواء إيران سيبقى هدفا أساسيا للإدارة المقبلة، لكن الميول الجديدة، التي مازالت توصي بالسبل الدبلوماسية وتجنب أي انخراط عسكري أميركي كلي، تضغط باتجاه استخدام ضغوط صادمة تتأسس على مواقف حازمة تستقوي باستراتيجية واضحة للولايات المتحدة (في غمز من قناة ما هو ضبابي في الإستراتيجية الراهنة) التي قد تستدعي تراجع القوة الناعمة لصالح البعض من القوة الصلبة.

كاتب سياسي لبناني

7