كلينت إيستوود ما زال يصنع السينما والضجيج

"ريتشارد جويل" فيلم جديد يثير الجدل في الأوساط السينمائية الأميركية ويطارد الرجل الذي لم يفقد ظله.
الأحد 2020/02/16
البطل المنقذ الذي سيصبح مجرما

لم يثر فيلم من الأفلام الثمانية والثلاثين التي أخرجها نجم هوليوود الأسطوري كلينت إيستوود خلال ما يقرب من خمسين عاما، مثلما أثاره فيلمه الأحدث كمخرج من جدل، وهو فيلم “ريتشارد جويل”، وربما يكون الاستثناء الوحيد هو فيلم “قناص أميركي”.

كلينت إيستوود مغرم بفكرة البطولة، والبطولة “الأميركية” تحديدا، وبطولة الرجل الأميركي الأبيض إن شئنا الدقة. وقد برزت هذه الفكرة في عدد كبير من أفلامه نذكر منها فقط ثلاثة أفلام حديثة هي “قناص أميركي” و”سوللي” و”قطار الساعة 3 و17 دقيقة إلى باريس”. ومع استثناءات قليلة، يعرف إيستوود كيف يروي قصة مشوقة مثيرة ومحكمة الأطراف، وكيف يختار لها الممثلين المناسبين. ومواقف إيستوود السياسية اليمينية الرجعية، لا شك أنها تنعكس على أفلامه ولو بطريقة غير مباشرة.

إلا أن إيستوود أدهشنا أيضا عندما قدم أفلاما بعيدة كل البعد عن تمجيد “البطولة البيضاء”، بل يمكن القول إنها تنتمي إلى التيار الليبرالي في هوليوود، كما في فيلمه “غران تورينو”، 2008، (Gran Torino) الذي يقوم ببطولته في دور محارب عجوز متقاعد شارك في الحرب الكورية، يتعلم كيف يتخلى عن عنصريته ويتضامن مع جيرانه الآسيويين، ثم فيلم “أنفكتوس” (2009) الذي يبرز فيه دور نيلسون مانديلا كرئيس لجنوب أفريقيا في الوقوف وراء منتخب كرة بلاده في الرغبي ودفعه إلى الفوز ببطولة كأس العالم وبالتالي توحيد شعبه من البيض والسود، وحشده وراء المنتخب.

كلينت إيستوود ضليع في التمثيل، يجيد انتقاء الممثلين والتحكم بأدائهم. ينتقي ممثلا شبه مجهول هو بول وولتر هاوزر، ويسند إليه دور البطولة، ليرفعه بأدائه إلى مصاف كبار النجوم

الحكم على أفلام إيستوود يمكن أن تتأثر بموقفك المسبق من أفكاره السياسية. ولعل هذه الفرضية تنطبق أفضل ما يكون، على فيلمه الجديد “ريتشارد جويل”، فإذا ذهبت لمشاهدة الفيلم وفي ذهنك موقف إيستوود العدائي من الرئيس السابق باراك أوباما وسخريته منه، وهجومه الفظ عليه خلال مؤتمر للحزب الجمهوري في 2012 ثم تأييده للرئيس ترامب، سوف تميل بالطبع إلى الحكم على الفيلم باعتباره عملا دعائيا رديئا مليئا بالعيوب والنواقص، يدعم مفاهيم ترامب، أو بالأحرى، يؤيد نظرته الراسخة السلبية إلى وسائل الإعلام واتهامه لها بأنه تمارس الكذب والتضليل، وصراعه الشرس مع أجهزة “الدولة العميقة” التي لا يفتأ يهاجمها ويتهمها بالتآمر ضده.

أما إذا تركت نفسك تشاهد الفيلم وأنت متحرر من أي قناعات سياسية مسبقة فسوف ترى فيه الكثير من مناطق القوة والإثارة والإقناع، وأنه يُقدّم في سياق سينمائي مؤثر رؤية نقدية تستند إلى أرضية حقيقية وتسير على نهج أفلام أخرى سبق أن كشفت دون رحمة، انتهازية البعض في وسائل الإعلام الأميركية ربما يكون أقربها إلى الذاكرة فيلم “صرصار الليل”، 2014، (Nightcrawler) الذي أبدع فيه جاك غلينهال في أداء دور المراسل التلفزيوني الانتهازي الذي لا يتورع عن التزوير ولوي عنق الحقائق من أجل الفوز بالسبق الصحافي والكسب.

شخصيات حقيقية

لكن “ريتشارد جويل” (Richard Jewell) يستند على وقائع وشخصيات حقيقية. وإذا كان من الطبيعي أن يترك الفنان السينمائي لنفسه العنان لكي يبتكر ويمزج الحقيقة بالخيال عن طريق خلق مشاهد متخيلة ومبتكرة، وشخصيات ربما لم توجد على أرض الواقع، لكي يجعل الصياغة الدرامية لفيلمه أكثر إقناعا وإحكاما، إلا أنه هنا تحديدا تبرز المشكلة، فيسهل كثيرا الهجوم على الفيلم -كما حدث- بزعم أنه غير مخلص للحقيقة.

موضوع الفيلم يدور حول شخصية شاب بدين، يدعى ريتشارد جويل (بول وولتر هاوزر)، يعيش مع والدته في أطلانطا. نراه أولا، في عام 1986، أثناء عمله لدى إحدى شركات المحاماة، مجرد عامل بسيط يحمل الأوراق وينظف المكاتب. لكنه يتعامل خلال ذلك مع المحامي واطسون بريانت (سام روكويل) ويتودد إليه ويكسب ثقته وتعاطفه، ثم يترك الشركة لينتقل للعمل كحارس أمن في الجامعة.

أوليفيا وايلد في دور الصحافية
أوليفيا وايلد في دور الصحافية

لكنه يبدو مضطربا من البداية، فهو مغرم كثيرا بالقيام بدور الشرطي، لكننا سنعرف انه طُرد من العمل بالشرطة بسبب اضطرابه النفسي وميله -ليس للعنف- بل للمغالاة في تطبيق القانون، وهو يعبر عن احترامه الشديد للسلطة في أكثر من موقف، حتى بعد أن يصبح هدفا للسلطة. فثقته كبيرة في “المؤسسة”.

وعندما يغالي في التعامل مع مجموعة من الطلاب في المدينة الجامعية كانوا يتعاطون الخمر، يفقد وظيفته. ولكنه يلتحق بالعمل كحارس أمن لدى الشركة المختصة بتأمين الألعاب الأولمبية في أطلانطا. هنا يقفز الفيلم إلى 1996.

حتى لا نستغرق كثيرا في السرد، يكتشف ريتشارد نتيجة هوسه بإجراءات الأمن والتأمين ورغبته في أن يثبت لرجال الشرطة أنه ليس أقل حصافة منهم، يكتشف حقيبة ملقاة أسفل برج في الملعب الرياضي، ستكتشف الشرطة أنها مليئة بالمتفجرات، ويقوم هو ببذل جهد كبير في إبعاد الجمهور عن المنطقة، وعندما يقع الانفجار يتسبب في قتل شخصين وإصابة نحو مئة آخرين. ولو لم يكن ريتشارد قد أبلغ عن تلك الحقيبة، لكان عدد الضحايا قد أصبح كبيرا. هنا يصبح ريتشارد بطلا في أنظار الرأي العام، تتلقفه شبكات التلفزيون الكبرى لإجراء مقابلات معه، بل ويعرض عليه أحد الناشرين رواية تجربته في كتاب.

شهر العسل والاحتفاء ببطولة ريتشارد جويل لا يطول، فبعد ثلاثة أيام فقط، تبدأ المباحث الفيدرالية في إلقاء ظلال الشك حوله، وتعتقد أنه ربما يكون هو المسؤول عن وضع القنبلة لكي يبدو بطلا خاصة بعد أن تتلقى مكالمة من مدير الجامعة يذكر لهم كيف أن ريتشارد مهووس بفكرة الأمن. وتلقى هذه النظرية ترحيبا من ضابط الجهاز توم شو (جون هام) الذي يشعر بالغضب الشديد لكون التفجير وقع أثناء وجوده في الملعب دون أن يفعل شيئا بل كان مشغولا في مغازلة المراسلة الصحافية الجذابة كاثي سكراغز (أوليفيا وايلد).

تتحول حياة ريتشارد جويل إلى جحيم، فتحاصره أجهزة الإعلام، ويتم تشويه صورته والتنقيب في ماضيه، ويحاول ضباط الـ”أف.بي.آي” بكل الوسائل ممارسة الضغوط الشديدة عليه لإثبات تورطه في الحادث، وتنتهك حرمة بيته والأشياء الخاصة بوالدته بيبي (كاثي بيتس) ولا يجد سوى المحامي واطسون بريانت يقبل الدفاع عنه بعد أن يتيقن من براءته.

تدمير إنسان

كلينت إيستوود مع بطلي فيلمه
كلينت إيستوود مع بطلي فيلمه

الفيلم يقول ببساطة إن مؤسسة الإعلام والمؤسسة الأمنية، تملكان تدمير إنسان لمجرد الاشتباه، وأن المحاكمة عبر وسائل الإعلام لها عواقب وخيمة على الحريات الشخصية، وهو يقول ذلك من خلال سرد موضوعي وبناء مقسم إلى ثلاثة أقسام: ريتشارد جويل وحياته الشخصية قبل الحادث، ثم الحادث نفسه والعودة إلى الانفجار أكثر من مرة بعد ذلك، تارة على هيئة كابوس عند ريتشارد، أو تداعيات في ذاكرته خلال التحقيق معه، وتصوير علاقته بوالدته، وأصدقائه وولائه الشديد للدولة على العكس من المحامي الذي يعتقد أن الدولة شر وأنه يخشاها أكثر مما يخشى الإرهاب ويضع لافتة بهذا المعنى على باب مكتبه.

 والقسم الثالث يتعلق بالتحقيقات والضغوط التي يتعرض لها ريتشارد والجهود التي يبذلها المحامي في إثبات براءته، وكيف يقع ريتشارد في الكثير من الأخطاء خلال التحقيقات ويبدي مرونة كبيرة مع رجال المباحث وهو ما لم يكن لصالحه، ويكاد يقع في المصيدة التي نصبوها له، ليتحول من شخص مؤمن بعدالة النظام والسلطة، إلى رجل مكافح صلب يتعلم كيف يواجه السلطة ويتحدّاها إذا لزم الأمر.

كلينت إيستوود كممثل ضليع في التمثيل، يجيد انتقاء الممثلين والتحكم في أدائهم. وهو ينتقي ممثلا شبه مجهول هو بول وولتر هاوزر، ويسند إليه دور البطولة، ليرفعه بأدائه إلى مصاف كبار النجوم. وليس من الممكن تصور غيره في هذا الدور، فهو يعبر بجسده وصوته وعينيه، يتقمص الشخصية ويعيش داخلها، يكتم انفعالاته، ويتلعثم حينا ويبدو حينا آخر كما لو كان يعرف الطريق إلى الحقيقة، وحيدا، يشعر بقدر من التعاسة لكنه يتماسك ويتجاوز الشعور المرير بالإحباط، ويواجه الموقف في النهاية بكل شجاعة.

الضجة التي أثارها الفيلم وحالة "العداء" التي قوبل بها في الصحافة الأميركية تعودان أساسا إلى اتهام الفيلم بتصوير الصحافية كاثي سكراغز وهي شخصية حقيقية كانت تعمل لصحيفة "جورنال أطلانطا"

يدعم هذا الأداء المحوري في الفيلم، أداء الممثل سام روكويل في دور المحامي واطسون فهو يؤدي ببساطة وتجانس كل المواقف المختلفة، ويبدو صادقا في تعبيراته وانفعالاته. ولكن تظل نقطة الجذب الرئيسية في الفيلم قبل هذا وذاك، الأداء البديع للممثلة المخضرمة كاثي بيتس في دور الأم.

 إنها وحدها مدرسة في ضبط الانفعالات والقدرة على التلوّن والانتقال من الرقة الشديدة إلى الفزع ثم الغضب ثم التضرع إلى الرئيس (كلينتون) في الخطبة المؤثرة التي تلقيها خلال المؤتمر الصحافي الذي ينظمه المحامي للدفاع عن موكله أمام الرأي العام. ولذلك ُرشحت كاثي بيتس لأوسكار أفضل ممثلة ثانوية عن هذا الدور.

شخصية الصحافية كاثي سكراغز تؤديها أوليفيا وايلد في حدود الدور كما هو في السيناريو الذي كتبه بيللي روي (عن مقال بعنوان “كابوس أميركي” نشرته مجلة “فانيتي فير” بقلم ماري برينر).

ولكن من عيوب السيناريو أن جعل الصحافية تتأثر وتبكي وهي تستمع إلى الخطبة التي تلقيها بيبي والدة ريتشارد جويل، تطلب الرأفة لابنها، والتدخل لوقف حالة الحصار التي يعاني منها. وهو دون شك، مشهد الذروة في الفيلم. ولعل من عيوب الفيلم في القسم الثالث منه، الاستغراق في تفاصيل كثيرة تتعلق بإجراءات التحقيق والحيل التي تلجأ إليها المباحث كأن توهم ريتشارد بأنهم سيصورون فيلما معه عن الحادث في حين أنهم ينصبون مصيدة للإيقاع به.

جدل حول الفيلم

 أما الضجة التي أثارها الفيلم وحالة “العداء” التي قوبل بها في الصحافة الأميركية فتعود أساسا إلى اتهام الفيلم بتصوير الصحافية كاثي سكراغز وهي شخصية حقيقية كانت تعمل لصحيفة “جورنال أطلانطا”، بأنها شخصية شرسة لا تتورع عن أي شيء للحصول على المعلومات، فنراها في الفيلم تغوي ضابط المباحث الفيدرالية، وتمنحه نفسها مقابل الحصول على اسم الشخص محل الشك لدى الجهاز. وتحصل منه بالتالي على اسم ريتشارد جويل، وتنشره الصحيفة لتحقق سبقا صحافيا كبيرا. وهو ما نفته الصحيفة ودافعت بشدة عن كاثي التي يتهمها الفيلم بتدمير الحياة الشخصية لريتشارد جويل، وتحويله من بطل أنقذ حياة الكثيرين إلى مجرم.

وقد شنت مجلة “فاريتي” حملة شديدة ضد الفيلم واتهمته في مقال خاص بالكذب مرتين، مرة في ما يتعلق بدور الصحافية كاثي سكراغز (التي توفيت عام 2001 بعد تناول جرعة زائدة من المخدرات)، ومرة أخرى بالكذب المجازي عندما يتهم أجهزة الأمن وخاصة جهاز “أف.بي.آي”، بتلفيق التهم للأبرياء، وتعريضهم لضغوط شديدة، وتتهم الصحيفة الفيلم بأنه يخدم سياسة الرئيس ترامب في هجومه على الصحافة والمباحث الفيدرالية والمخابرات واتهامها بعدم الولاء للبيت الأبيض.

وقد امتد الجدل إلى صحف كثيرة أخرى، وانعكس بشكل مباشر على غالبية ما نشر من مقالات النقد السينمائي التي قللت كثيرا من قيمة الفيلم، واتهمته بتزوير الحقائق والانحياز، وأغفلت أهمية عنصر التمثيل في الفيلم، ووصفته “فاريتي” بالكاريكاتيرية والسطحية.

وقد استندت الصحف في إدانة الفيلم إلى أن صحيفة “جورنال أطلانطا” كسبت القضية التي رفعها ريتشارد جويل عليها، استنادا إلى أنها نشرت “الحقائق” في ذلك الوقت ولم تخترع شيئا لم يكن له وجود، لكنها في الحقيقة ساهمت -مع غيرها- في نشر الكثير من الجوانب عن حياة جويل الشخصية، أثارت الشك في مصداقيته، وأنحت عليه باللائمة عن دوره المزعوم في التفجير، رغم عدم توجيه الاتهام إليه بشكل رسمي إليه. لذلك تمت تسوية قضايا أخرى كان قد رفعها جويل على شبكة “سي.أن.أن” وغيرها، خارج المحكمة بدفع تعويضات له.

يذكر الفيلم في نهايته أن ريتشارد جويل توفي عام 2009 بنوبة قلبية نتيجة مضاعفات مرض السكري عن عمر يناهز 44 عاما.

ويقال إنه أصيب بالمرض نتيجة الضغوط النفسية الشديدة التي تعرض لها. ولم يتم القبض على الفاعل الحقيقي سوى عام 1998 بعد وقوع تفجيرين آخرين.

15