كلينت إيستوود ممثل تحول إلى أيقونة للرجال في أنحاء الأرض

السبت 2015/05/02
كلينت إيستوود على اليمين في السياسة وعلى اليسار في الفن

مرّة أخرى، يتصدر النجم الشهير كلينت إيستوود المشهد السينمائي العالمي، من خلال إخراجه لفيلم جديد، أثار جدلا واسعا في الولايات المتحدة الأميركية، محتلاّ مرتبة متقدمة في قائمة الأفلام الأكثر شهرة ونجاحا في نهاية عام 2014 وبداية عام 2015.

ويروي الفيلم الذي حمل عنوان “القناص الأميركي” قصة جندي أميركي يدعى كريس كايل يقوم بقتل 160 عراقيا (تقارير عسكرية تؤكد أنه قتل أكثر من ذلك، بل قد يصل عدد ضحاياه إلى 300 ضحية). السيناريو يروي قصة واقعية، فكريس كايل الذي قتل في تكساس من قبل جندي آخر كان شاهدا هو أيضا على فظائع الحرب في العراق، هو بطلها وكاتبها، وكان قد اختار أن يلتحق بالجيش الأميركي في بلاد الرافدين بدافع الانتقام من مرتكبي مجزرة الحادي عشر من سبتمبر والعديد من العمليات الإرهابية الأخرى خصوصا تلك التي دمرت السفارة الأميركية في العاصمة الكينية نيروبي.

وصية الوالد

يشير كريس كايل إلى أن والده كان يقول له وهو صبي “في الحياة هناك الخرفان، وهناك الذئاب، وهناك الرعاة” موصياً إياه بأن يكون الراعي الذي يحرس القطيع، ويصدّ عنه هجمات الذئاب الجائعة المتعطشة للدم. لذلك فقد أتقن الرماية مبكرا، وعندما ذهب إلى العراق ضمن فرقة “Navy Seal” أظهر رغبة جنونية في سفك دماء المدنيين العراقيين، من دون تمييز بين الرجال والنساء والأطفال. وعندما عاد إلى بلاده كتب قصته المرعبة محاولاً أن يتخلص من الكوابيس التي كانت تلاحقه في الليل والنهار بسببها.

أما زملاؤه في الجيش، فقد أصبح كايل بينهم أسطورة تتردد على ألسن الكثيرين، وفي نهاية قصته، كتب يقول “لقد أحببت ما فعلت، ولا زلت أحب ذلك، ولو كانت الظروف مختلفة، ولو لم تكن عائلتي في حاجة إليّ، لما تردّدت في العودة إلى هناك، أي إلى العراق، لأقوم بالشيء ذاته. أنا لا أكذب ولا أبالغ عندما أقول إنني قتلت كثيرا من العراقيين دون أن يروني، وأنني حميت الخرفان الذين هم الجنود الأميركيون من الذئاب المتمثلة في المتمردين العراقيين”.

عن الحرب التي تشكّل الموضوع الرئيسي لفيلم “القناص الأميركي”، يقول كلينت إيستوود “عندما قصف اليابانيون ‘بيرل هابربور’ كنت في الحادية عشرة من عمري. بعدها كانت الحرب في كوبا، ثم في فيتنام، ثم في أفغانستان، ثم حرب الخليج.

بلادي في حالة حرب دائما، لم يرق لي أبدا إرسال جنود أميركيين إلى بلدان أخرى لكي يقتلوا آخرين أو يقتلوا هم. وأنا كنت قد ناهضت علنا الحرب في العراق. وقد يكون صدام حسين شخصا سيئا، لكن إذا ما نحن أردنا أن نتخلص من كل الحكام الفاسدين فأيّ حد يمكن أن يكون لمثل هذا العمل؟ وربما تكون فكرة فرض الديمقراطية على جميع بلدان العالم أمرا مستحسنا ونبيلا، لكن من باستطاعته أن يؤكد أن الديمقراطية صالحة للجميع؟ لذلك أنا ضد أيّ تدخل عسكري في أيّ بلد كان ولأيّ سبب كان”.

أدوار كلينت إيستوود السينمائية الأولى جعلته نجما عالميا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وفي جميع أنحاء العالم أصبح الشبان يسعون للتشبه به في لباسه، وفي حركاته، وفي هدوء أعصابه، وفي طريقته في مواجهة أعدائه التي تعتمد على المباغتة، وعلى الذكاء والمهارة
ويضيف كلينت إيستوود قائلا: وجهة نظري حول الحرب تختلف عن وجهة نظر كريس كايل. فهو يعتقد أنه على صواب في كل ما فعل. لذلك برفض أن يعتذر، بل إنه يصرّ على الإقرار بأنه محقّ في كل ما فعل. فهو يرى أنه من الضروري الذهاب إلى بلد بعيد مثل العراق لفرض الديمقراطية. أما أنا فأفضل أن أبقى في الولايات المتحدة الأميركية وأن أسعى من خلال مجهودي الخاص أن تكون الأمور أفضل هنا وليس هناك”.

إيستوود ابن الشمال

كلينت إيستوود المولود عام 1930 ينتمي إلى عائلة جاءت من الشمال إلى الولايات المتحدة الأميركية في القرن السابع عشر، وكان أجداده من ضمن المغامرين الذين انطلقوا إلى الغرب الأميركي بحثا عن الذهب. أما والده فكان تاجرا، لذلك فقد كان على العائلة التي استقرت في فترة طفولة كلينت في “باسيفيك باليسدايس” بلوس أنجلس، التنقل بين العديد من المدن.

والدته كانت تتمتع بحساسية مرهفة سيكون لها تأثير كبير عليه في ما بعد. لذلك فإن إيستوود سيهديها أول أوسكار يحصل عليه في مسيرته الفنية واصفا إياها خلال حفل التكريم بـأنبل امرأة في الكون”. وفي فترة المراهقة، عشق موسيقى الجاز، وتعلم العزف على الكلارينيت. وكان إيستوود في الثانية والعشرين من عمره، حين انتسب إلى الحزب الجمهوري، ليكون من أنصار الجنرال أيزنهاور.

وعندما اندلعت الحرب في كوريا، تم تجنيده، غير أنه لم يرسل إلى جبهة القتال لتقتصر مهمته على تعليم الجنود السباحة في عمق البحر والتي كان بارعا فيها. وبعد عودته إلى الحياة المدنية، عمل في العديد من المجالات، ثم دخل عالم السينما من الباب الضيق ليلعب أدوارا صغير وثانوية لفائدة شركة يونيفيرسال.

غير أنه سيلفت انتباه المخرجين، وأحباء الفن السابع عندما لعب دورا مهما في مسلسل “Rawhide”، لذلك لم تتردد الصحف في هوليوود في التنويه بمهارته الفنية، وبخصاله الجسدية المتمثلة في الشقرة الذهبية، وفي طول القامة، وجمال الملامح التي تجسد الوسامة في مفهومها الرجولي، ومواصفاتها الأميركية، وسعيدا بنجاحه لم يعد كلينت إيستوود يخفي تطلعه إلى أن يكون نجما عالميا ذات يوم.

من أجل حفنة من الدولارات

في الستينات من القرن الماضي، اكتشف المخرج الإيطالي الكبير سارجيو ليوني المتخصص في أفلام الوستارن البديعة، الموهبة العالية التي يتميّز بها كلينت إيستوود، فاختاره ليكون بطلا لثلاثيته الشهيرة “من أجل حفنة من الدولارات”، و”من أجل بعض الدولارات الإضافية”، و”الطيب والفظ والشرير”.

والدة إيستوود تتمتع بمكانة كبيرة في حياته، بسبب حساسيتها المرهفة وسيكون لها تأثير عليه في ما بعد. لذلك فقد أهداها أول أوسكار حصل عليه في مسيرته الفنية واصفا إياها خلال حفل التكريم بـ"أنبل امرأة في الكون"
وقد خولت هذه الثلاثية كلينت إيستوود من أن يصبح نجما عالميا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وفي جميع أنحاء العالم أصبح الشبان يسعون للتشبه به في لباسه، وفي حركاته، وفي هدوء أعصابه، وفي طريقته في مواجهة أعدائه التي تعتمد على المباغتة، وعلى الذكاء والمهارة.

بعد النجاح الهائل الذي تحقق له في ثلاثية سارجيو ليوني، شرع المخرجون يتنافسون لكي يكون كلينت إيستوود البطل الرئيسي في أفلامهم بهدف أن يضمنوا لها الشهرة الواسعة، وفي هذه الفترة، أي النصف الثاني من عقد الستينات، التقى بالمخرج دون سبيغل، ومعه سيرتبط بعلاقة صداقة وثيقة ستتيح لهما إنجاز ثلاثة أفلام مهمة هي “الفرائس” و”المفتش هاري” و”الفار من الكاتراز”.

وفي العام 1968 أنجبت له زوجته الأولى ماغي جونسون ابنه الأول كايل إيستوود، غير أن العمل المتواصل، وتهافت المخرجين على العمل معه لم يترك له الوقت للاعتناء بابنه، لذلك اشتكت زوجته من ذلك قائلة “أريد أن يكون كلينت قريبا من ابنه، وأنا أؤكد لكم أنه لم ينظر إليه الاّ نادرا ودائما بسرعة، وهو يذهب للتصوير ولا يعود إلى البيت سوى مرة أو مرتين في الأسبوع الواحد”.

نجم الفرائس

عندما تحققت له الشهرة العالمية التي كان يسعى إليها، قرّر كلينت إيستوود أن يؤسس شركته السينمائية الخاصة. وكان “قشعريرة في الليل” أول فيلم أخرجه ولعب دور البطولة فيه، وهو يروي من خلاله قصة رجل مفتون بموسيقى الجاز، ويعاني من عقد جنسية تماما مثل الجندي في فيلم “الفرائس” الذي يغوي فتيات قاصرات من خلال أكاذيب يرويها لكل واحدة منهن ساعة الاختلاء به.

وكان بصدد إنجاز الفيلم، لما توفي والده فشكّل ذلك بالنسبة إليه صدمة قوية جعلته يعيد النظر في العديد من طرق حياته خصوصا في ما يتعلق بالكحول، وبالعمل المسترسل الذي يسبب الإرهاق والتوتر. مع ذلك، واصل العمل ليخرج العديد من الأفلام التي لاقت رواجا عالميا، وتقبلها نقاد الفن السابع بإعجاب وتقدير.

وكان بصدد إخر اج فيلم “جو كيد” لما أصيب بنزلة صدرية حادة استمرت أشهرا طويلة مسببة له مشاكل نفسية لم تتوقف إلاّ عندما نصحته السيدة روسانا تونس بأن يقوم بتمارين في التأمل الذاتي. وفي ما بعد سيقرّ كلينت إيستوود بأنه يقوم بهذه التمارين مرتين في اليوم الواحد لأنها تساعده على مواصلة عمله من دون أن يتعكر مزاجه.
في الستينات من القرن الماضي، اكتشف المخرج الإيطالي الكبير سارجيو ليوني المتخصص في أفلام الوستارن البديعة، الموهبة العالية التي يتميّز بها كلينت إيستوود، فاختاره ليكون بطلا لثلاثيته الشهيرة

إيستوود وجون ماكين

في تسعينات القرن الماضي، وكان في أوج مجده وشهرته، أنجز كلينت إيستوود فيلم “الرجل الذي لا يرحم” الذي أحرز على أربع جوائز عالمية، أما فيلم “رجل السهول العليا” فقد أراده أن يكون على طريقة المخرجين الكبار في الوستارن أي سارجيو ليوني، ودون سبيغل، وبريون ج. هوتون الذين عمل معهم في فترة الشباب .

لذلك نراه في نهاية الفيلم يشير بغمزة إلى قبورهم، معبرا لهم عن اعترافه بالجميل لهم. ولا يخفي كلينت إيستوود أنه نجح في السينما تمثيلا وإخراجا، غير أنه فشل في حياته الزوجية فشلا ذريعا. فقد تزوج خمس نساء. وكل زواج ينتهي بعواصف تذكر بفيلم “من الذي يخاف فيرجينا وولف”. وأما في المجال السياسي فيقول كلينت إيستوود بأنه يميني. لذلك فهو يصوّت دائما للجمهوريين، رغم الأخطاء التي يرتكبونها.

وكان قد فاز في الانتخاب لمنصب رئيس بلدية كارمل بكاليفورنيا في عام ‏1986 وفي انتخابات العام 2008، كان من مناصري جون ماكاين، ساخرا في العديد من التصريحات من باراك أوباما.

لكن في ما بعد أشار الى أنه، أي أوباما، تمكن بدخوله إلى البيت الأبيض من أن يضع حدا للعنصرية التي طالما عانت منها الولايات المتحدة الأميركية. غير أن مناصرة كلينت إيستوود للجمهوريين لا تعني أنه معهم على طول الخط. لذلك هو لا يتردد في القول إن عقله مع الجمهوريين أما قلبه فمع كل من يحارب العنصرية، ويرفض الحرب والعنف، ويقف ضد تدخل بلاده في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى.

14