كلينت إيستوود يركب "قطار 15:17 إلى باريس" ليفقد سحره

كلينت إيستوود مغرم بفكرة التفوّق الأميركي منذ أن كان يقوم بدور البطولة في أفلام الويسترن حتى قيامه بدور هاري كالاهان.
الجمعة 2018/06/22
المهم تحقق البطولة للأميركيين

يخرج المشاهد بعد متابعة الفيلم الجديد “قطار 15:17 إلى باريس” للمخرج العالمي كلينت إيستوود ليتساءل: ما الذي جرى لهذا المخرج المخضرم الذي سبق أن قدّم الكثير من الأفلام الجيدة؟ والتي يمكنني أن أذكر منها “الفارس الشاحب” (1985)، و”بيرد” (1988)، و”جسور في مقاطعة ماديسون” (1995)، و”جران تورينو” (2008)، و”انفكتوس” (2009).

ولست بالمناسبة من المغرمين بفيلم “امرأة بمليون دولار” (2004) الذي فاز بعدد من جوائز الأوسكار منها أحسن فيلم، ولكن هل فقد إيستوود سحره الخاص، وتقديره البارع حتى بحكم خبرته الطويلة (أخرج 39 فيلما) للسيناريو الذي يصلح، وللممثل الذي يجب أن يسند إليه الدور المناسب له؟ فالانطباع الأولي أن إيستوود أخرج الفيلم كيفما اتفق، ولم يمنحه ما كان يستحقه من التفكير والبحث عن الأسلوب المناسب.

صحيح أنه يعتمد على حادثة حقيقية وقعت داخل قطار كان في طريقه في أغسطس 2015، من أمستردام إلى باريس، وصحيح أن القصة قصة بطولة فردية، أو حتى “شبه بطولة” ربما كانت تستحق التقدير والثناء، لكن ما الذي يفيد إذا ما عرضتها على الشاشة كما لو كنت مجرد عارض متكاسل للتفاصيل التسجيلية للحادثة من دون أن تضيف شيئا من خيالك الخاص على الشخصيات التي تتصدر القصة، ثلاثة شبان أميركيين أصدقاء منذ الطفولة، منهم اثنان خدما في الجيش الأميركي.

مرة أخرى يثبت فيلم “قطار 15:17 إلى باريس” -وهو الفيلم الجديد للمخرج والممثل الأميركي كلينت إيستوود (87 عاما)- أن الاستناد إلى وقائع وأحداث حقيقية في صنع الأفلام ليس ميزة في حد ذاتها، وأن الفيلم -أي فيلم- مهما بلغت درجة طموحه الفني للتأثير على المشاهدين ونيل إعجابهم -وهو هدف كل سينمائي- ليس من الممكن أن يحقّق التأثير المطلوب ما لم يكن قد توفر له سيناريو مكتوب جيدا، يمكنه أن يقنعك بأن ما تشاهده قابل للحدوث فعلا وليس مجرد محاكاة هزيلة لما حدث في الواقع.

إيستوود مغرم بفكرة البطولة الأميركية منذ أن كان يقوم بدور البطولة في أفلام الويسترن الشهيرة خاصة تلك التي أخرجها العبقري الإيطالي سيرجيو ليوني، ومنذ أن بدأ القيام بدور هاري كالاهان، ضابط الشرطة الأميركي الساخط على المنظومة التي تلجمه وتحول بينه وبين القصاص وتطبيق العدالة، فيقرر أن يخرج على القانون ويطبق العدالة بطريقته الخاصة!

البطولة الأميركية

كان إيستوود يبحث عن بطولة أميركية غائبة في العراق، من خلال فيلمه سيء الصيت “قناص أميركي” (2014)، ثم اتجه إلى البحث عن البطولة في الداخل الأميركي في فيلمه التالي “سولي” Sully الذي يصوّر كيف أنقذ طيار أميركي ركاب طائرته بالهبوط بها فوق صفحة نهر هدسون من دون أن تنتج عن ذلك أي إصابات، لكنه رغم ذلك واجه العديد من الاتهامات من جانب الشركة التي يعمل لحسابها.

أما في فيلمه الجديد فيبحث إيستوود عن بطولة من نوع خاص، لا نعتقد أنها موجودة، داخل القطار السريع بين أمستردام وباريس، هنا يكتشف أحد الركاب وجود إرهابي مغربي شاب هو “أيوب الخزاني” يحمل بندقية آلية، يحاول الرجل انتزاعها منه فيطلق عليه الرصاص من مسدسه ليصيبه، فيهرع الشبان الثلاثة الأميركيين بمساعدة بعض الركاب الآخرين، للسيطرة على الإرهابي الشاب الذي قيل إنه كان يعتزم قتل المئات من ركاب القطار.

الحادثة إذن لا تتم أو تكتمل، وبالتالي لا تكفي لصنع فيلم مثير يحتوي على حبكة جيدة تشد المتفرج، فكل ما يقع داخل القطار يقع خلال ثوانٍ معدودة، لذلك يلجأ كاتبو السيناريو إلى سياق للسرد يعتمد على الانتقال بين الأزمنة، أي بين الماضي والحاضر، ففور اكتشاف وجود الإرهابي في القطار، يقطع إيستوود مسار السرد ليعود في الزمن إلى طفولة الأولاد الثلاثة، وكيف كانوا يتعاملون في المدرسة، وموقف مدير المدرسة من بعضهم، وتحذيره للأمهات من كون أبنائهن يعانون من النشاط الذهني الزائد الذي يجب علاجه الآن وإلاّ ترتب عليه بعض التداعيات مستقبلا عندما يعالجونه هم بأنفسهم.

إيستوود يعيد تجسيد مسار الأحداث بدقة كما وقعت في الحقيقة
إيستوود يعيد تجسيد مسار الأحداث بدقة كما وقعت في الحقيقة

كما نرى رد فعل هذه الأم أو تلك، خاصة أن الأمهات وحيدات أي من دون أزواج (ما فائدة هذه النقطة في تطوير الحبكة في الفيلم؟ لا شيء غير أنها حقيقية)، وكلها مواقف لا تهم أحدا والمقصود منها فقط إشباع الجانب النفسي الباحث عن التحقّق من خلال البطولة والتفوق وعشق الحياة العسكرية ولو بتعلق طفولي ساذج.

وبين فترة وأخرى، يعود الفيلم إلى القطار وتطورات الوضع هناك بعد إصابة الرجل وكيف يساعده أحد الشبان الثلاثة ممّن تعلموا في الجيش المساعدة الطبية خلال العمليات الخاصة، كما لو كان الفيلم يقول لنا إن الأقدار هي التي تصنع مصائرنا وقصص حياتنا، وهي التي تنسج المواقف بحيث تقود في النهاية إلى ما يمكن اعتباره رمزا مجسدا للشجاعة.

الواضح أن الانتقال بين طفولة الفتية الثلاثة والقطار لم يكن كافيا وبدا غير مقنع بالنسبة لإيستوود، لذلك وانطلاقا من رغبته في إعادة تجسيد مسار الأحداث بدقة كما وقعت في الحقيقة، يذهب بالشبان الثلاثة إلى برلين ثم إلى روما، ثم إلى فينيسيا ومنها إلى أمستردام وحاناتها التي تعج بالشباب.

حبكة غير متطورة

في هذا الجزء الطويل تطغى تماما المشاهد السياحية لمعالم المدن التي يمر عليها الشبان الثلاثة، يقابلون فتاة مرة، أو يلتقون في حانة من الحانات برجل يهتف في حماس زائد مفتعل أن الحياة ما هي سوى لحظة شعور بالتحرّر، على نحو يذكرنا بما كان يقوله يوسف وهبي في ميلودرامات السينما المصرية في الماضي مثل “ما الحياة إلاّ سيجارة وكأس”، وكلام من هذا القبيل!

القفز بين الأزمنة يربك الفيلم ويفقده حرارة الفيلم البوليسي المثير (ثريلر)، كما تعاني الحبكة من عدم التطور، وتتكرّر مشاهد زيارة الأماكن السياحية في المدن الأوروبية بطريقة آلية لا تضيف شيئا، وتبدو الحوارات داخل هذه المشاهد بين الشبان الثلاثة ساذجة وخارج الزمن ولا تعبر إلاّ عن الفراغ والملل.

وقد ارتكب إيستوود في رأيي خطيئة أدت إلى أن ينتهي بالفيلم ليصبح كارثة فنية، عندما أسند بطولة الفيلم إلى نفس الشبان الأميركيين الثلاثة الحقيقيين الذين عاشوا الحادث الحقيقي، والذين يظهرون بالفعل في النهاية داخل قصر الإليزيه والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند يخلع عليهم وسام الجمهورية الفرنسية تقديرا لشجاعتهم.

ما هو المصير الذي ينتهي إليه أيوب الخزاني؟ وماذا حدث للرجل الذي أصيب إصابة شبه قاتلة في وجهه؟ لا يهم فالمهم أن تكون البطولة “الأميركية” قد ترسخت في أذهان المشاهدين ولو من دون إقناع أو اقتناع، لكن لا بد في النهاية من القول إن إيستوود اختار أيضا لفيلمه أسوأ عنوان لفيلم من الأفلام، وهو ذلك الاسم السخيف “قطار 15:17 إلى باريس”، وكان
يكفي أن يكون “إلى باريس” مثلا من دون ذكر الساعة بالدقيقة، فما الذي سيفهمه أي مشاهد من هذا العنوان من دون توفر “مذكرة تفسيرية”؟

16