"كلّ يصنع إيمانه بيده".. تحية لذكرى رحيل مُربك

بيروت تستعيد جرحها الصيفي في معرض جماعي ينتصر لفكرة الصمود.
الأربعاء 2021/04/14
فنون وتصميمات مختلفة تتناثر في منزل "طبال" التراثي

نظّمت منصة “أد- ليب” الافتراضية معرضا فنيا واسعا تحت عنوان “كل يصنع إيمانه بيده” في مبنى “طبال” التاريخي، تخليدا لذكرى غايا فودوليان صاحبة غاليري “لاتيسيا” في شارع الحمرا البيروتي. وانطلق هذا المعرض الذي تتخلله ندوات في الثامن من أبريل الحالي ويستمر حتى الثامن والعشرين منه.

بيروت – يجمع المعرض المعنون بـ”كل يصنع إيمانه بيده” الذي يُقام تخليدا لذكرى غايا فودوليان، أعمالا فنية، بعضها مُنجز قبل أن تولد فكرة المعرض وبعضها الآخر حديث ونُفّذ خصيصا للمناسبة التي تحتفي بذكرى الرحيل المُربك لصاحبة غاليري “لاتيسيا” البيروتي، الفنانة غايا فودوليان.

الأعمال أنجزها فنّانون ومُصمّمون لبنانيون طُلب منهم إنتاج أعمال فنية استلهموها من الموضوع الذي يحمله عنوانُ المعرض.

الفنانون (والعديد منهم ممّن سبق أن أطلق مســـيرته الفنية في صالة لاتيسيا) هم سامر بورجيلي، كارن شيكيردجيان، حاتم إمام، سيرين فتّوح، غايا فودوليان، بول كالوستيان، نتالي خيّاط، حسين نصرالدين وكارولين تابت. وللمعرض سينوغرافيا ملائمة للمناسبة من تصميم غيث وجاد.

تنويعات جمالية

كل الأعمال الجديدة والسابقة متنوّعة بشكل كبير وتشمل التصوير الفوتوغرافي والأثاث والتجهيز والفيديو والنحت والفن التشكيلي. واستخدم بعض الفنانين في أعمالهم عنصر النّيون.

أعمال المعرض الجديدة والسابقة تشمل التصوير الفوتوغرافي والأثاث والتجهيز والفيديو والنحت والرسم

ولم يختصر المعرض على ذلك فحسب، بل أصرّ على أن يطرح وبشكل واضح أسئلة حول أهمية إنتاج الفنون وعرضها في خضم ازدياد حالة عدم الاستقرار اليومية التي يرزح اللبنانيون تحت وطأتها.

يُمكن اعتبار هذا المعرض معرضا شاملا، ليس لأنه ضم تنوّعا ضخما في الأعمال، بل لأنه جمع مواصفات متكاملة تجسّد الحالة اللبنانية الحالية بشكل عام والحالة البيروتية بشكل خاص.

إضافة إلى أن عنوان المعرض يُحيل المخيلة إلى أفكار الصمود والتخطي بتجلياته البصرية المُمكنة والمستحيلة، والتي يجب أن يتحلى بها اللبناني كي لا ينهار وسط كل هذه الظروف المأسوية التي لم تعد غريبة على أحد.

ويشير عنوان المعرض “كل يصنع إيمانه بيده” إلى نصّ كتبته الشابة الراحلة غايا فودوليان، صاحبة صالة “لاتيسيا” العصرية. نص نشرته على حسابها الفيسبوكي في 4 أغسطس 2020، وهو تاريخ مأسوي طبع ذاكرة اللبنانيين وفيه دوّى انفجار بيروت الهائل الذي قتل ودمرّ أحياء بأكملها.

وأرفقت غايا نصها المقتضب هذا بصورة فوتوغرافية وشخصية ظهرت فيها بفستان أحمر راكضة باتجاه الكاميرا وخلفها جبل أخضر.

مقعد من الخشب من تصميم الفنانة الراحلة غايا فودوليان
مقعد من الخشب من تصميم الفنانة الراحلة غايا فودوليان

ويشير النص المرافق للمعرض أنه من المستحيل معرفة ما كان يجول في خاطر فودوليان عندما نشرت الصورة، إذ قد قضت في الانفجار بعد بضع ساعات من نشرها. أما مسألة الإيمان والغاية من التحلّي به وصعوبة العيش من دونه على وجه الخصوص، فتحاكي الوضع الراهن اليوم أكثر من أيّ وقت مضى.

أما ما يعطي هذا المعرض صفة الشمولية هو أيضا مكان المعرض الذي لم يُقم في صالة “لاتيسيا” الجديدة التي تم افتتاحها في شهر أبريل من سنة 2018، بل في مبنى “طبّال”، أحد المباني التراثية المُعرّضة للخطر في شارع سرسق في بيروت ويرجع عهده إلى ثمانينات القرن الماضي.

مبنى يُناسب تماما معرضا كهذا بما يضم ويساهم “بطريقته”، إن صح التعبير، في الكشف عن النّدبات والجماليات التي تخبئها هذه المدينة وأهلها، والتي تجسّدها الهندسة المعمارية في هذا المبنى الذي يعتبر أيضا “ناجيا” من الكوارث المُفتعلة بجزء كبير منها.

وتتعاون منصة “أد- ليب” الافتراضية المنظمة للمعرض مع “صالات للثقافة” على تنظيم جولات لزيارته، إضافة إلى ذلك سيُكمّل معرض “كل يصنعُ إيمانه بيده” افتراضيا بهدف إشراك الجمهور العالمي مع التنوّع، وبهدف إنشاء شبكة تواصل وحوار بين الفن العالمي والمحلّي، ودعم الحركة الثقافية والفنية عقب الانفجار الذي طال مدينة بيروت. وسيتبع المعرض الافتتاحي برنامج من المعارض الفنية المؤقّتة والمناقشات التي لم يعلن عن جميعها حتى الآن.

ولم تنشأ منصة “أد- ليب” الافتراضية خصيصا لهذه المناسبة، ولكنها بمثابة استمرارية لحياة لا تنفك تتعرّض إلى جميع أنواع الاغتيالات. إنها منصة طوّرتها المصمّمة والفنانة غايا فودوليان سنة 2020، وتوقّف عملها عقب انفجار الرابع من أغسطس من العام ذاته والتي قضت إثره.

ثنائية التلاشي والحضور
ثنائية التلاشي والحضور

رثاء جمالي

اليوم، تجيء الاستمرارية والإصرار عليها على يد آني فارتيفاريان والدة غايا، بتحقيق المشروع لإحياء ذكرى ابنتها الراحلة. فقد ذكرت الوالدة التي أسّست صالة “لاتيسيا” بالتعاون مع محمد الحمود قبل أن تتولى إدارتها ابنتها أن هذا المشروع كان عزيزا جدا على قلب غايا، وكان قد بدأ

يعرف اهتماما كبيرا محليا وعالميا قبل رحيل ابنتها، وهي تريد أن تحافظ عليه وأن تطوّره.

الأعمال الفنية المعروضة في مبنى “طبّال” هي للبيع، ولكن المنصة لا تستهدف الربح، إذ سيعود ريعها إلى مؤسّسة “غايا فودوليان”، وهي منظّمة من شأنها دعم الحيوانات المُحتاجة والاهتمام بها، إضافة إلى تقديم المساعدة إلى مُنقذي الحيوانات، وهي قضية لطالما آمنت بها الفنانة الراحلة.

معرض شامل ومُثقل بالمعنى. هو ذكرى، وهو تذكّر إحياء وتطلّع نحو مستقبل غامض، وهو استقواء على الجراح وهو أيضا تجميل لها دون الادعاء بمعالجتها، لاسيما أن جرحا كالجرح “الصيفي” الذي أصيبت به بيروت تعاطت معه السلطة بإهمال شديد أحيانا مع إصرارها على حماية المسؤولين عنه دائما، فبقي حيا ونابضا وشاملا شمولية المأساة وتعدّد وجوهها.

ونختم بمقتطف من كلام مؤثر وضعه الكاتب نسيم الخوري لمناسبة رحيل غايا/ الرمز “أمسكي بحبري كي أحسن الكتابة والتعبير المستقيم في وطن لواه الانفجار من الجذور.. بعدما درست الهندسة لسنة جامعية في ميلانو أولا ولثلاث في سويسرا، عادت إلى بيروت، وغابت غيمة ممزقة مع هول الانفجار.. ليس من زاد لنا سوى القصائد والكتابة بحثا عن القيامة، أيّ قيامة ولو كانت قشّة نظيفة في سخف لبنان وأوديته الحافلة بالوحوش والمجانين والصخور البشريّة الصمّاء؟ كم يصبح الحبر سخيفا، إذ ينهمر بين الأصابع مزاحما الدموع الحارقة من موت وجوع في أرجاء لبنان”.

صورة شخصية للفنانة الراحلة غايا فودوليان يوم الانفجار، تظهر فيها بفستان أحمر راكضة باتجاه الكاميرا وخلفها جبل أخضر
صورة شخصية للفنانة الراحلة غايا فودوليان يوم الانفجار، تظهر فيها بفستان أحمر راكضة باتجاه الكاميرا وخلفها جبل أخضر

 

16