كل أيامنا 1 أبريل

في بلادنا العربية، نعيش يوميا على الكذب الذي لا يزال عمادا لتاريخنا وثقافتنا ومعتقداتنا وسياستنا ونفاقنا الاجتماعي.
الخميس 2021/04/01
عيد فاقد لنكتته وطرافته

اليوم هو عيد الكذب العالمي، الذي يقال إنه يعود إلى القرن الرابع عشر، ويقال إنه ظهر في فرنسا بعد تبني التقويم المعدل الذي وضعه شارل التاسع عام 1564 حيث كان الاحتفال بعيد رأس السنة قبل ذلك العام يبدأ في يوم 21 مارس وينتهي في الأول من أبريل بعد أن يتبادل الناس هدايا عيد رأس السنة الجديدة، وقد انتشر عالميا، وأصبح مناسبة سنوية لفبركة الأكاذيب والمقالب والطرائف والنكات ونسج القصص الخيالية قبل أن يتحول الكذب إلى منتج يومي، وصار شأنا مرتبطا بكل مناحي الحياة. ولاسيما بعد أن بات الكذب علما قائم الذات، وصناعة تدار من قبل متخصصين، وأصبحت له أجنحة كرتونية يطير بها لينتشر في لحظات وجيزة، ويروج بين الناس، ويقفز فوق الحدود والبحار والمحيطات.

في بلادنا العربية، نعيش يوميا على الكذب الذي لا يزال عمادا لتاريخنا وثقافتنا ومعتقداتنا وسياستنا ونفاقنا الاجتماعي، ونضحك من الأكاذيب الصغرى، ولا نجرؤ على الاقتراب من الأكاذيب الكبرى لكونها أساس بنائنا الحضاري والثقافي الذي لا يجوز الاقتراب من قداسته.

تقول العرب "أكذب من جرعب" نسبة إلى رجل في عهود ما قبل الإسلام، وأكذب من أخِيذِ الدَّيْلَمِ، وأكذب من مسيلمة، وأكذب من قيس بن عاصم، فمن قول زيد الخيل "فلست بفرّار إذا الخيل أجمعت/ ولست كذابا كقيس بن عاصم"، وقيل أكذب من المهلّب، يعنون ابن صُفْرَة، قيل إنه كان إذا حدّث راح يكذب، وكان ذامّا لمن يكذب، وأكذب من اليَهْيَرِّ وهو السراب وأكذب من يَلْمَعٍ وهو السراب أيضا، وقيل هو حجر يبرق من بعيد فيظنه الظمآن ماء، وأكذب من أسير السّنْدِ وذلك أنه يؤخذ الرجل الخسيس منهم فيزعم أنه ابن الملك، وأكذب من الشيخ الغريب لأنه يتزوج في غربته وهو ابن السبعين زاعما أنه في الأربعين قبل أن تكون هناك وثائق رسمية، وأكذب أهل زمانه، يدعى “عرقوب”، ويختلف في كنيته ما إذا كانت “معبد” أو “صخر”، ووفق “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” للعلامة العراقي جواد علي، فإن عرقوبا كان من العمالقة أو العماليق، من العرب البائدة، وجاء في “لسان العرب” أن عرقوبا اسم رجل من العمالقة، قيل هو عرقوب بن معبد، كان أكذب أهل زمانه، وتقول كتب التراث “عرقوب، رجل من أهل يثرب، أكذب أهل زمانه موعدا”.

ويبدو أن الكذاب الأكبر هو خرافة العذري من بني عذرة أو من جهينة، ويروى أنه غاب عن أهله لفترة، وعندما عاد أخبرهم أن الجن قد اختطفوه، وبدأ يقصّ عليهم حكايات عجيبة من عالم الجن، فلم يصدقوه وقال إنه كاذب وكانوا كلما سمعوا حديثا خارجا عن المعقول ينعتونه بأنه “أكذب من خرافة”، فتحوّل اسمه إلى مفردة شرحها ابن منظور في "لسان العرب" بقوله "والخرافة الحديث الـمستملح من الكذب".

وتقول العرب عن الشعر وهو ديوانها وجامع أخبارها وترجمان وجدانها أن أعذبه أكذبه، ومن ذلك قول الأعشى‏‏ "لو أسندت ميتا إلى صدرها/ عاش ولم ينقل إلى قابر/ حتى يقول الناس ممّا رأوْا/ يا عجبا للمَيِّتِ الناشر"، وقول المهلهل "فلولا الريح أسمع من بنجد/ صليل البيْض تُقرع بالذكور" وقيل إنه أكذب بيت قالته العرب، إذ بين حَجْر (وهي في اليمامة) وموضع الوقعة، وهي في الجزيرة مسيرة عشرة أيام، وقد نعت ابن قتيبة المهلهل بأحد الشعراء الكذبة للبيت السابق، واستشهد به ابن أبي الأصبع في باب المبالغة واعتبره من الشواهد المستحسنة.

وفي ثقافة العرب كذب بواح وكذب مباح، واليوم لم نعد قادرين على التفريق بينهما، بعد أن تحوّل الكذب إلى مادة محببة لمحترفي السياسة والتحزّب وتوجيه الرأي العام والمتخفين وراء الأيديولوجيات والعقائد واللاهثين وراء السلطة والنفوذ والمتاجرين بالشعارات والضاحكين على ذقون الناس، ممّن كل أيامهم الأول من أبريل، حتى أفقدوا العيد السنوي نكتته وطرافته ونكهته وضحكته.

24