كل الذين حاولوا قهر العالم بدأوا بقتل الشعراء

الكثير من الكتاب والشعراء يقدمون لقرائهم في فترة ما كتبا تكون عبارة عن خلاصة تجاربهم، فيها يطرحون إما أفضل نصوصهم وإما خلاصة أفكارهم عن الكتابة، وإما سيرهم الحياتية في تعالقها وتشابكها مع الأدب. لكن يبقى من الصعب الإمساك بقارئ من خلال حياة الكاتب الأكثر خصوصية من نصه.
الجمعة 2017/05/05
الشاعر يرى الألوان وسط العتمة (لوحة للفنان إحسان فتحي)

حين كتب الشاعر صلاح فائق كتابه الشعري الأخير “سنواتي الأخيرة” باحثا من خلاله عن زمنه الشخصي، زمن الرؤيا، وجد فاضل العزاوي في “العتمة” حيزه لكتابة شهادته، ولاستشراف قلقه، وسؤاله الوجودي، فهو الشاعر الذي يُفكّر في القصيدة، ويتمثل هواجسه في السرد، بما يُعطي لحضوره في هذا التنوع نوعا من الاستغراق، توقا إلى الحياة التي يغامر من أجلها.

نص الخبرة

في كتابه الجديد “الرائي في العتمة” الصادر عن دار الجمل يتحوّل شغف الكتابة عند فاضل العزاوي إلى مغامرة وحدْس، وربما إلى محاولة لتجنيس النصوص التي يكتبها بوصفها شهادة، أو بوصفها تدوينا ورؤى لأسفار متخيلة عبر عتمة الزمن، أو عبر عتمة الحياة التي يستعيد بعضها من خلال سيرة الكتب، أو من خلال نصوص السيرة والاعتراف، بعيدا عن غواية الحنين.

ما بين صلاح فائق والعزاوي تبدو الحياة /السنوات/ الشهادة مجالهما التعبيري لاستكناه الوجود، ولإعادة تدوين السيرة، إذ تبدو الكتابة وكأنها المجسُّ، واللعبة، والفكرة، والتواصل والبحث، حيث يستعيد عبرها العزاوي سرائر الزمن الشخصي، وذكريات الأمكنة القديمة، ويوميات القراءة والكتابة، والسجن السياسي، فيحضر عبرها أصدقاؤه المعلمون والمغامرون، وكأنهم أبراجه، أو عتباته التي شغف بها وهو يتعالق بعالمٍ “يضيق كلما اتسعت رؤياه”.

الرؤية في العتمة، هي نوع الكتابة الفائقة، كتابة نصِّ الاستعادة، وكتابة نص الخبرة، والشغف باللانهائي، وبالأسئلة التي يطرحها دائما وعيه المفارق والنافر، والمتمرد على تاريخ النوستالجيا، والمتاهة، وشفرات المكتبات والأسماء، وكأن فكرة “الرائي في العتمة” هي ذاتها فكرة السيطرة على تلك المتاهة، حيث يعرف الحكواتي الذي يستهل كتابه بـ”كان يا ما كان” مثابات الأمكنة، وشقوق الوقت، وحيث يستعيد معها صورة “الشاعر القلق” وصورة الشاعر/ الشاهد والرائي في أسفاره، وفي سرائر الزمن الذي يخصّه، حيث الذاكرة، والهروب، والسجن والمنفى، وحيث المواجهات، وحيث ما كتبه الآخرون، الشعراء الذين يشبهونه، أو الذين يكرهونه، أو كما دوّن رؤياه وسط عتمة السلطة والاستبداد، أو خارجها شغوفا بحريته واغترابه. يقول العزاوي “أردت دائما أنْ أضع كتابا يكون كلّ شيء ولا شيء في آن واحد، دون عقدة وحلّ أو ما يشبه ذلك من التقنيات المألوفة في عالم الكتابة”.

استعادة الأرواح

النصوص في الكتاب تبدو متداخلة، ومتشابكة، لا وحدة عضوية تجمعها سوى أنها بعض الهواجس المستعادة للشاعر

وضعتنا أقسام الكتاب الثلاثة أمام لعبة العزاوي في كتابة ما هو مختلف عن نص السيرة، أو ما هو شبيه بـ”نص الاعتراف”؛ فالقسم الأول “نزهة في متاهة” يحمل في عناوينه الثانوية هواجس الشاعر، أكثر من هواجس الروائي، إذ تتبدى تلك الهواجس وكأنها محاولة لتدوين يومياته، وأمكنته بوصفها التخيّلي، مثلما يتبدى الزمن الشخصي حاضرا، بوصفه الزمن الذي تصنعه الكتابة. فالظلام والوادي الموحش وروح الكون وانتظار البرابرة، وغيرها لا تعدو أنْ تكون جزءا من هذا التخيّل الصاخب، التخيّل الذي لا “كشكول” له سوى كتابة ما يشبه شهادة الشاعر، وهو يدوّن مغامراته، وأحلامه وخيباته، وهواجسه، مثلما يدوّن “بطولته” وهو يصرّ من خلالها على التخلّص من “أوهام” الحنين، وتقديم أنموذج لكتابة النص الخاص، والذي لا يتعالق كرونولوجيا بالنص اللاحق، إذ تبدو النصوص متداخلة، ومتشابكة، لا وحدة عضوية تجمعها سوى أنها بعض الهواجس المُستعادة للشاعر.

ينحني القسم الثاني من الكتاب “المهرجان السحري” على استعادات تخصّ بدايات الشاعر، وتمثلاته لهواجس الوعي المُبكّر، ولطبيعة رؤيته التي تحولت إلى تعالق صاخب مع العالم، إذ يلاحق الشاعر أحلامه، “إيقاعه الخاص” شغفه بالتجارب التي قادته إلى رؤية العالم، مثلما هي حيازته لهواجس كتاباته الروائية الأولى، حيث بدت “مخلوقات فاضل العزاوي” “القلعة الخامسة” و”آخر الملائكة” وغيرهما، كأنها محاولة في أنسنة العالم وأسطرته أو مساءلته، فهي خلاصةٌ لوعي قلق، تَمثّل العالم وانحاز إلى شراهة رؤيته العميقة لأسئلة الكتابة، وللمدينة، تلك التي جاءها حالما، مسكونا بالحكايات والقصص “التي تثير خياله الطفولي”.

شهادات شاعر

العزاوي قارئ استثنائي، هذا ما يقترحه في تمثلات فصل “المهرجان السحري”، إذ تتحول تلك القراءات إلى رؤيا كاشفة، رؤيا تستدعي العالم من خلال اللغة والموسيقى والفلسفة والفن والنبوءة، فكل شيء قابل للتحوّل والخفّة، وكل شيء يندفع إلى الجمال الذي يمنحنا أفق رؤية الوجود، أفق الكشف عن المخفي والغائر في التفاصيل.

لعبة القراءة وكشوفاتها هي أيضا سر وجود الشاعر ذاته، ففي “صورة الشاعر في شبابه” يسحبنا العزاوي إلى لحظاته الأولى، إلى يوميات المدرسة والأمكنة والبيت العائلي والمقهى، حيث يساكنه القلق، وتدفعه المتابعة إلى تلمّس خطواته الأولى مع جماعة كركوك، ومع المدينة والجامعة، ومع الفضاء الشعري الضاج بأسماء كبيرة، إذ تتحفّز غرائزه للكتابة والسؤال والاختلاف والمواجهة، حيث السجن الذي كان وجعا وجوديا، وتجربة تركت أثرها على وعي الشاعر وخياراته ورؤيته للكتابة والأفكار والآخر.

وفي الفصل الثالث من الكتاب “السيف والروح/ هادم الأوثان داخل المعبد المقدس” يستعيد الشاعر مراثيه الشخصية، مرائر أيامه، حيث يجد نفسه في صراع ما بين الروح القلقة الرهيفة، والسيف الذي تضعه السلطة في سياق صناعتها للقوة.

فذكرياته عن السجن السياسي تحمل معها رؤيته للغياب والتوحش، ولرهابات التعذيب والاعتراف، وكأنّ وعيه القلق لا يجد سوى أنْ يكون أكثر تعبيرا عن الفقد والإحساس بالخذلان، حيث تفقد الأمكنة والزمن والكلام قدرتها على الألفة، ليجد الشاعر نفسه كأنه الضحية، أو رهان القربان الذي يُحفزه على البحث عن التطهير واستعادة بعض بطولاته الشخصية، من خلال استعادة تاريخ القراءات التي تتحدث عن الطغاة والقتلة، وكل الذين حاولوا قهر العالم من خلال موت الشعراء ومحو الوعي، أولئك الذين يصنعون الوحدة القاتلة للآخرين، لكنهم الميتون أيضا بالوحدة ذاتها، دونما شفيع أو خلاص، حتى وإنْ تحولوا إلى صنّاع سرديات تشوه العالم بطرق أكثر بشاعة.

كتاب فاضل العزاوي ليس سيرة بالمعنى النمطي، ولا حتى كشكولا لكتابات أراد أنْ يجمعها في هذا الكتاب، بقدر ما هو محاولة لاستعادة أرواح ظلت تلاحقه، وتقضّ يومياته الغائرة في اللامنفى، حيث تكون الكتابة شهادته، أو رهانه الظاهراتي على استعادة العالم عبر لحظة وعيه، وعبر تمثله الوجودي، وعبر ما يمكن أنْ يراه الرائي في العتمة.

14