كل الطرق تثبّت بوتين في السلطة فأي المسارات سيسلك

التعديلات الدستورية الروسية الجديدة ستفتح الطريق أمام الرئيس فلاديمير بوتين للبقاء في السلطة مدى الحياة وتفرض قيودا على الترشح للرئاسة.
الجمعة 2020/01/17
طموحات بلا حدود

صدم التعديل الوزاري المفاجئ في روسيا مختلف النخب السياسية وأصبحت تحاول فهم نوايا الرئيس فلاديمير بوتين، فالدفع بموظف حكومي يترأس هيئة الضرائب رئيسا للوزراء قد يعكس للوهلة الأولى أن التعديلات تستهدف تحسين الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، إلا أن الأمر ليس كذلك تماما. ويكمن عنصر المفاجأة أيضا في التعديلات الدستورية التي اقترحها بوتين والتي تحدّ من صلاحيات الرئيس لتركزها لدى رئيس الوزراء، فبوتين قد ينتقل إلى منصب جديد قبل انتهاء ولايته الرئاسية في 2024. لكن ماهية المسار الذي سيتخذه للبقاء في السلطة لا يزال غير واضح.

موسكو- تمكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من البقاء في السلطة لفترة أطول من أي زعيم روسي أو سوفييتي آخر منذ جوزيف ستالين، الذي تولى الحكم في سنة 1924 وبقي في منصبه حتى وفاته في 1953. لكن، وبموجب القانون الحالي، يجب أن يتنحى بوتين عندما تنتهي ولايته الحالية.

يشير الإصلاح الدستوري الذي أعلنه بوتين إلى أنه يعمل على إنشاء منصب جديد يتولاه بعد انتهاء فترة ولايته الحالية في سنة 2024، فيما يتوقع مراقبون أن يحاول بوتين الحفاظ على سلطته عبر الانتقال إلى مقعد رئيس الوزراء مرة أخرى بعد توسيع سلطات البرلمان والحكومة وتقليص السلطة الرئاسية.

واقترح بوتين تعديل الدستور للسماح للمشرعين بتعيين رؤساء الوزراء وأعضاء الحكومة. ويتمتع الرئيس حاليا بسلطة تمكنه من تولي ذلك الدور.

في الوقت نفسه، يزعم بوتين نفسه بأن روسيا لن تبقى مستقرة إذا كانت تحت نظام برلماني. وأكد على وجوب احتفاظ الرئيس بحقه في إقالة رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، وتعيين كبار مسؤولي الدفاع والأمن، وأن يكون على رأس الجيش الروسي وأجهزة إنفاذ القانون.

في خطابه عن حالة الأمة، الأربعاء، اقترح الرئيس الروسي تعديلات دستورية واسعة تفتح أمامه عدة خيارات للبقاء في السلطة، بعد انتهاء فترة رئاسته الحالية. وجاء إعلان رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف استقالته في أعقاب هذا الخطاب ليؤكد أن هناك عملية جارية لإعادة صياغة نظام الحكم في روسيا بالكامل وأن ميدفيديف لن يكون خليفة بوتين في منصب الرئيس كما حدث عام 2008.

وخصص بوتين الساعة الأولى من خطابه الذي استمر 80 دقيقة للحديث عن القضية السكانية والاقتصاد، قبل أن يتحول بشكل مفاجئ إلى الحديث عن مقترحاته لتعديل الدستور الروسي الذي يركز أغلب السلطات حاليا في يد رئيس الجمهورية. وستجعل أغلب مقترحات بوتين، صلاحيات الرئيس أقل، وتفرض قيودا على الترشح للرئاسة.

مسارات البقاء في السلطة

أليكسي نافالني: غبي كل من يتصوّر أن بوتين سيغادر السلطة في 2024
أليكسي نافالني: غبي كل من يتصوّر أن بوتين سيغادر السلطة في 2024

يرى المحلل السياسي الروسي ليونيد بيرشديسكي أن التعديلات الدستورية المقترحة، ستفتح ثلاثة مسارات أمام بوتين للبقاء في السلطة مدى الحياة. في الوقت نفسه ستحرم المئات من السياسيين والأكاديميين ورجال الأعمال الأثرياء من خوض انتخابات الرئاسة المقبلة.

فقد اقترح بوتين أن يُسمح فقط للأشخاص الذين أقاموا في روسيا بشكل مستمر لأكثر من 25 عاما والذين لا يحملون جواز سفر أجنبيا أو تصريح إقامة دائمة بالترشح للرئاسة، في حين ينص الدستور الحالي على أن الجنسية الثانية لا تمثل بأي حال قيدا على حقوق المواطن الروسي.

أول الخيارات التي سوف تتيحها التعديلات الدستورية في حال إقرارها، لبوتين البقاء في السلطة مدى الحياة هو تحويل نظام الحكم في البلاد إلى نظام برلماني تكون فيه السلطة في يد رئيس الوزراء، ويتولى هو هذا المنصب مدى الحياة. أما الخيار الثاني فهو إدارة شؤون البلاد من خلال منصب رئيس البرلمان، والخيار الثالث هو أن يدير البلاد من خلف الستار باعتباره زعيما للحزب الحاكم المهيمن على غرار ياروسلاف كازيسنيكي زعيم حزب القانون والعدالة في بولندا والذي يدير البلاد دون منصب رسمي بحسب ليونيد بيرشديسكي.

وهذا السيناريو الأخير الذي يشبه النظام الصيني سيسمح لبوتين بالاستمرار كحاكم فعلي لروسيا مدى الحياة، مع تحديد مجموعة صغيرة من الرؤساء المحتملين للبلاد يتنافسون في ما بينهم.

لكن حتى خبرة بوتين وسيطرته على النظام السياسي في روسيا لا تعطيانه ضمانة قوية للاحتفاظ بالسلطة مدى الحياة، وحتى، وهو الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لبوتين نفسه، هو ضمان أمنه الشخصي مدى الحياة. فتعزيز صلاحيات لاعبين رئيسيين آخرين في النظام السياسي الروسي لا يناسب بوتين نفسه. فهو لم يفعل ذلك خلال سنواته في السلطة البالغة نحو 20 سنة.

ربما لهذا السبب فإن اقتراحا آخر قدمه بوتين ضمن مقترحات تعديل الدستور يصبح مثيرا للاهتمام. فبوتين يريد تعديل الدستور لمنح صلاحيات واسعة لمجلس الدولة الذي يلعب حاليا دورا استشاريا.

وكان بوتين قد أسس هذا المجلس بعدما تولى الرئاسة في 2000، وهو يضم حكام الأقاليم ورئيسي مجلسي النواب والشيوخ وزعماء الأحزاب الممثلة في البرلمان. ويرأس هذا المجلس حاليا رئيس الجمهورية، ولكن قد لا يظل الأمر كذلك بعد تمرير التعديلات الدستورية. وقد يختار بوتين تولي رئاسة هذا المجلس، بعد انتهاء فترة رئاسته عام 2024 ليصبح دوره مشابها لدور أول رئيس لكازاخستان نورسلطان نزار باييف، الذي ترك منصب رئيس الجمهورية في العام الماضي ليصبح رئيسا لمجلس الأمن الذي تم تشكيله حديثا.

لكن المحلل السياسي الروسي كرليل روجوف كتب على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أن كل هذه الخيارات تحتاج استمرار السيطرة على النظام السياسي الروسي بما يكفي لاستمرار خضوع البرلمان لسيطرة حزب واحد.

ويضيف أنه في ظل نظام سياسي غير تنافسي، يفرض قيودا على خوض أحزاب المعارضة والمرشحين الانتخابات، التي يشوبها التزوير والتلاعب، يصبح نقل السلطة إلى البرلمان، بمثابة نقل هذه السلطة إلى زعيم الحزب صاحب الأغلبية.

سد الثغرات

تعديل الدستور الذي اقترحه بوتين يسمح للمشرعين بتعيين رؤساء الوزراء وأعضاء الحكومة
تعديل الدستور الذي اقترحه بوتين يسمح للمشرعين بتعيين رؤساء الوزراء وأعضاء الحكومة

أشار بوتين في كلمته إلى ضرورة تعديل الدستور لسد ثغرة استفاد منها هو شخصيا والخاصة بعدد فترات الرئاسة، لكي ينص على أنه “لا يجوز استمرار الرئيس أكثر من فترتين” مع حذف كلمة “متتاليتين” والتي كانت قد سمحت له بالعودة إلى الرئاسة بعد أول فترتين مستعينا برئيس الوزراء الحالي ميدفيديف عندما شغل الرئاسة لفترة واحدة من 2008 إلى 2012 ليعود بوتين إليها مرة أخرى لفترتين. وهذا التعديل سيقطع الطريق على احتمال خوض ميدفيديف انتخابات الرئاسة لأكثر من ولاية واحدة قادمة.

وقد اقترح بوتين إقرار التعديلات من خلال الاستفتاء الشعبي لكنه لم يحدد نسبة الأغلبية المطلوبة لتمريرها. كما أن جعل القوانين الروسية مقدمة على التزامات المعاهدات الدولية وأحكام القضاء، يحتاج إلى وضع دستور جديد تماما لروسيا. كما أن المقترحات لم تحدد بوضوح صلاحيات مجلس الدولة ولا تشكيله. كما أنه لم يحدد طبيعة الصلاحيات الجديدة الموسعة لمجلس النواب وهل سيكون من حقه إقالة الوزراء أم تعيينهم فقط.

ويرى ليونيد بيرشديسكي أن هذا الغموض يثير قلق المؤسسات الحاكمة في روسيا من اتجاه التحولات المستهدفة ونوايا بوتين نفسه. فقد بات واضحا للجميع أن بوتين يبحث لنفسه عن دور مختلف عن دور الرئيس في السنين القادمة. وليس في مصلحة بوتين أن يكشف الآن عن الدور الذي يريده بالتحديد، لكن من المهم أن يشير إلى أنه المسؤول عن تحديد الشكل النهائي لهذا الدور، وأنه حريص على البقاء في السلطة بشكل ما بعد انتهاء فترة رئاسته عام 2024، وإلا فإنه سيترك لخليفته إدخال أي تعديلات دستورية قد تكون مطلوبة.

من ناحيتها قرأت المعارضة الإشارات الواردة في خطاب بوتين على طريقتها. وكتب أليكسي نافالني أحد أشهر معارضي بوتين “النتيجة الرئيسية لخطاب بوتين هي تأكيد مدى غباء وحمق كل من يتصور أن بوتين سيغادر السلطة في 2024”.

7