كل اللغات.. لغة واحدة

الأحد 2013/10/06
فاكهة المؤتمر: الكاتب الكيني نجوجي واثيونجو

كيف ترنو إلى ترجمة الأدب؟ أهو فن رفيع يضاهي في ثقله الكتابة الإبداعية؟ أم حرفة متجرِّدة محسوبة الأبعاد تتكسب منها؟ أين تكمن مباهج المهنة – إن وُجدت – ومصاعبها؟! مهنة لطالما تطلع الحقل الثقافي إلى أصحابها بوصفهم "ابن العم الفقير" لكُتاب الأدب.

في عيد القديس جيروم – مترجم الإنجيل وشفيع المترجمين – وبدعم من المفوضية الأوروبية وتنظيم مركز الكلمة الحرة ومنظمة "بين" الإنجليزية والمكتبة البريطانية بالتعاون مع المركز البريطاني للترجمة الأدبية ومنظمة الأدب عبر الحدود تَطَرَّق إلى هذه الأسئلة مترجمون وناشرون ومؤلفون وأكاديميون يضمرون شغفاً بالأدب واللغة في مؤتمر الترجمة العالمي الذي أقيم منذ أيام في المكتبة البريطانية بلندن.

غطى المؤتمر مدى واسعاً من محاور فن شهِد تطوراً راديكالياً خلال العقدين الأخيرين: مستقبل الترجمة الرقمي؛ الترجمة مُغَنَّاة بل ووسيلة لإطلاق الفكاهة؛ تسويق الأدب المترجَم تسويقاً احترافياً؛ التدريب الأكاديمي ودعم المخضرمين؛ خير الوسائل للتكسب من حرفة لا تُقَدِّم إلا القليل؛ تدويل الترجمة ودورها في إحداث التغيير الاجتماعي؛ الترجمة ألها حقاً الفضل في ترسيخ الهوية الثقافية؟؛ هل لا يزال الرابط بين المترجمين والناشرين يتبلور في مفهوم "نحن" ضد "هم"؟؛ عند نقد العمل المترجَم أننقد الأصل أم الصورة؟

لم يتجاهل المؤتمر ما يجابهه المترجمون من ريبة وتعصب في مناطق الصراع والسلطوية، إذ نوَّه بمترجميْن وقَعا فريسة للاضطهاد جراء كتاباتهما وحث العاملين في المجال الثقافي والإعلامي على اتخاذ موقف تجاه سجن المترجميْن دينيز زاراكولو وعائشة بيركتي لِما يربو على عامين من قِبل السلطات التركية. كما نعى الشاعر الغاني كوفي أونور الذي راح ضحية هجوم إرهابي شنَّته جماعة الشباب الصومالية المتشددة في نيروبي خلال الشهر الماضي.

ولكن لا شك أن فاكهة اليوم كانت ضيف المؤتمر، الروائي والمسرحي الكيني نجوجي واثيونجو (1938) صاحب كتاب "تحرير العقل: سياسات اللغة في الأدب الأفريقي" (1986). إنه رمز راسخ لِما يمثله مؤتمر الترجمة العالمي: قدرة الكلمة على ترسيخ الثقافة وتعزيز الهوية، ولا سيما حين تحسر النقاب عن القصة الحقيقية لأي واقع تصفه.

تُرجمت كتب واثيونجو إلى ما يربو على ثلاثين لغة، وقد مارس هو الآخر الترجمة ناقلاً روايته "ساحر الغراب" (2004) – فسيفساء تسخر من خنوع المواطن وفساد الدولة – من لغته الأم، الكيكويو لغة البانتو في غرب كينيا، إلى اللغة الإنجليزية. وإلى الآن يتعذر عليه الكف عن ترجمة رواياته إلى الإنجليزية، إذ يجد نفسه ثمرة لثنائية لغوية وفكرية تهيمن على القارة الإفريقية وتعضد خياله وتناقضاته.

ومن موقعه كأستاذ في اللغة الإنجليزية والأدب المقارن ومدير المركز الدولي للكتابة والترجمة في جامعة كاليفورنيا جاهد لتنشيط الترجمة من اللغات الإفريقية المهمَّشة وإليها مع أنه اعترف في خضم حواره مع أماندا هوبكنسون أستاذة الترجمة الأدبية في جامعة سيتي أنه لم ينل شهرته إلا عند صدور رواياته باللغة الإنجليزية. وعندما روى تجاربه مع المترجمين، أكد أن كلمة 'فنان' سوف تفقد مغزاها إن لم تضُم فئة المترجمين، واصفاً المهنة بأنها "عامل يَحمل أعظم المؤثرات على تاريخ الأفكار". لقد اختبر مسار واثيونجو السياسي وانخراطه الفكري مع تقلبات عصره عدة تحولات تتعلق في أغلبها بلغتين: لغة وُلد بها، وأخرى تبناها تارة ونبذها تارة.

ومن ذلك رحلة قطعها إلى موقفه من مسألة اللغات الأفريقية – هل أكتب بلغتي الأم أم بلغة المستعمِر؟ هل أترجم النص إلى لغتي أم إلى لغة المستعمِر؟! وهكذا جسَّدت علاقته باللغة علاقة تشابُك لا انفصام فيها. وبدأت حين سدد انتقاداً لا تحفظ فيه لِما شاب المجتمع الكيني من تفاوت اجتماعي وناصر علانيةً قضايا المواطن المطحون مما أدى إلى القبض عليه وحبسه دون توجيه تهمة عام 1977.

وفي سجن كاميتي مشدَّد الحراسة اتخذ القرار: سوف ينبذ الإنجليزية كوسيلة للتواصل الأدبي ويَشرع في التأليف بلغة الكيكويو، وبعدها أخذ يكتب على ورق المرحاض روايته "الشيطان على الصليب" (1981).

وباح بعد سنوات أن الدافع إلى الكتابة بلغته الأم كان رغبته الواعية في إعادة توزيع السلطة وهدم الاستعمار الجديد المتمثِّل في تدخل الغرب الاقتصادي والسياسي في الشأن الإفريقي، ومع هذه الفكرة حل الصوت الجمعي في كتاباته محل الفردي باعتباره مركز التاريخ.

جائزة الأدب الأفريقي المكتوب باللغة الإنجليزية "جنون"

يسلط واثيونجو في معظم رواياته عيناً كاشفة – وإن تلونت برقة مكبوحة – على ما رافق الاستعمار من انسلاخ قومي ولغوي مضطلعاً بدور المتحدِّث نيابة عن القارة الإفريقية. خضعت كينيا في عهد مولده للاستعمار الإنجليزي، وعاش مراهقاً حرب الماو ماو لنيل الاستقلال، حرباً صنعت كينيا المعاصرة وسرد على إثرها معاناة الفلاحين مع الهيمنة الغربية، مَن حاربوا البريطانيين بكل ما أوتوا من قوة ثم اكتشفوا أن كل ما قاتلوا من أجله قد ضاع هباء.

ولكن مرحلة ما بعد الاستعمار لم تشف أيضاً الغليل، فكان تأليف كتاب في كينيا مخاطرة محفوفة بالخطر، ولا بد أن يسعى الكاتب إلى الحصول على رخصة حكومية لنشره!

لم ينفك واثيونجو يدعو خلال لقائنا به إلى إحياء التراث واللغات الإفريقية في مواجهة الأوروبية منها مشدداً على حيوية أدب الموطن باعتباره الصوت الأصيل الوحيد لتعريف الأفارقة.

وما فاته أن يوجه سهام النقد إلى جائزة كين قائلاً إن تأسيس جائزة للأدب الأفريقي المكتوب باللغة الإنجليزية فقط ما هو إلا "جنون". وأعلن كذلك أن إنتاج أدب إفريقي أصيل لا يَعدم التناقضات. فبالرغم أن مَثَله الأعلى، الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي، رفض كتابة روايته "الأشياء تتداعى" بلغة الإجبو الإفريقية، كما رفض ترجمتها إليها مؤمناً بأنها سلاح في حد ذاته في وجه الاستعمار، ويختلف واثيونجو معه مصراً على أن الكتابة باللغات الإفريقية خطوة لا مفر منها لتحقيق استقلال ثقافي عن قرون الاستغلال الأوروبي، إنها أداة مقاومة.

وثمة مساحة بعد ذاك لأن تَقُوم الترجمة بدورها المحتوم في ربط ثقافة بأخرى. الحق أن اسم واثيونجو نفسه لم يبرأ من محاولاته للتملص من وطأة كل ما هو أجنبي. فقد نشأ يَحمل اسم "جيمز"، وفي عام 1970 حضر مؤتمراً كنسياً جاهر فيه، "لستُ رجل كنيسة، بل إنني لست مسيحياً." اعترض أحد القساوسة مدللاً على هويته الدينية باسمه. فتساءل، لِم يتخذ الأفارقة أسماء الأوروبيين؟! ليُغَيِّر في تلك اللحظة اسمه إلى 'نجوجي'.

ومع أن واثيونجو لا يزال يواصل النضال منذ عام 1977، وانتهى في أحد حواراته عام 2003 إلى أن "العالَم من الواضح لن يتبدل". ولعلمه أنه يَجلس ولا شك مع متحدثين بأكثر من لغة، انطلق لسانه ليستهجن فكرة التحدث بلغة واحدة، "إنهم في فُقَّاعة". ولا عجب، فقد انخرط إبان عمله الأكاديمي في تعديل سياسات أقسام اللغة الإنجليزية في إفريقيا مناصراً تغيير محور اهتمامها من "اللغة الإنجليزية" إلى "الأدب" حتى تَشغل آداب العالم الثالث المركز وينفذ العالَم إلى الثقافات الأخرى انطلاقاً منها.

وهكذا أصدر بيان "حول إلغاء قسم اللغة الإنجليزية" ليستهل ممارسات باتت فيما بعد في صُلْب النظريات ما بعد الاستعمارية، "لو أن هناك أية حاجة إلى 'دراسة التواصل التاريخي لثقافة واحدة'، لِم لا تكون إفريقية؟". لقد مثَّل مؤتمر الترجمة العالمي احتفاء حقيقياً بلغات مهمَّشة نادراً ما تعلو أصوات المتحدثين بها على الصعيد الدولي، وأضفى تكريماً على صنعة تفرض ديمقراطية جبرية على اللغات والثقافات، فقد وصفها واثيونجو بأنها حوار، "والحوار يتطلب مساواة، لذا فالترجمة تتحدي الهَرَمِيَّة". إنها أقصر سبيل يسلكه اللغوي حتى يُثْبت قدرة لغته على البقاء والتأقلم، وهي دليل آخر على حيويتها ونضجها، بل وشرعيتها في حالة اللغات الإفريقية ولغات الأقليات.

16