كل شخص رديء في نظر شخص آخر

بيير زاوي مفكر فرنسي يصدر كتابا عن الخوف من الرداءة.
الخميس 2020/01/23
ما هي الرداءة تحديدا (لوحة للفنان سبهان آدم)

في الأوساط الأدبية أو الفنية وحتى الرياضية والسياسية وغيرها، غالبا ما نسمع آراء حادة في بعض الفاعلين حول زملائهم، كثير من الكتاب مثلا تكفي عندهم كلمة واحدة إذا ما سئلوا عن غيرهم، "رديء"، كلمة تشبه السحر تكفي لإسقاط حيوات وتجارب بأكملها وتجاوزها، لكن ما هي الرداءة؟ وهل أن من ينعت بالرداءة رديء فعلا؟

ما من شكّ أن الرداءة في المطلق مكروهة، ولكن هل يكفي أن ندينها كي نضمن مكانا في الصف المقابل، صف الجودة والامتياز؟ فالملاحظ أن أغلب من يصِمون غيرهم بالرداءة ليسوا بمنأى عنها.

كذا الشاعر الذي يسخر من ضحالة قصائد نظرائه ثم يحبر أشعارا دونها، والروائي الذي يحطّ من قيمة إبداعات زملائه ثم يقترف بدعا أشنع منها، والناقد الذي يخوض حربا مسعورة ضدّ كل من يسيء إلى النقد بنصوص لا تخلو هي نفسُها ممّا اعترض عليه، والصحافي الذي ينعى تدهور اللغة العربية بأسلوب ركيك ولغة مرتبكة وأخطاء لا تحصى عددا.

كراهية الرداءة

درجات الرداءة في المجتمع
درجات الرداءة في المجتمع

 يحدث أن يلغي أحدهم كل زملائه بجرة قلم، كحال كاتب تونسي سئل مرة عن القصة في تونس فنفى نفيا قاطعا أن يكون فيها قصاصون أصلا. وقس على ذلك في مجالات الحياة الخاصة والعامة.

والسبب أن الرديء لا يعي وضعه، ولا يدرك مدى رداءته، ولا يعلم حدوده، ولذلك تراه يبالغ في إعلاء شأنه والاستهانة بغيره، على غرار ترامب الذي يعتبر نفسه أفضل رئيس أميركي على مرّ التاريخ، رغم أن العالم بأسره يشهد على غبائه ورداءته وتهوّره. وتلك علامة من علامات الغرور لدى الرديء، لأنه حين لا يجد في داخله ما يرضيه، يعمد إلى المزايدة تجاه الآخرين، فيصمهم بما ليس فيهم، كطريقة لإبعاد الشبهة، شبهة رداءته التي تتبدى في سلوكه أو خطابه أو كتاباته، وأحيانا فيها كلها مجتمعة.

تلك المسلّمات يؤكدها المفكر الفرنسي بيير زاوي في كتابه “الإسرار أو فن التواري”، ولكنه يعالج مسألة الرداءة من زاوية جديدة، فهو لا ينظر إلى الرداءة كعلّة، بل كظاهرة عامة متفشية في كل فئات المجتمع، ويبين أن الاختلاف فيها بالدرجة لا بالنوع، إذ عادة ما تتبدى في شكل سلم تراتبي يكون فيه المرء دائما رديئا في نظر طرف آخر.

وكراهية الرداءة تستمد جذورها من التقاليد الأرستقراطية التي تضع الأخيار في مواجهة بقية فئات المجتمع. نجد ذلك لدى الإغريق القدامى الذين يحددون الأرستقراطية كمبدأ صَفْويّ يُنتخب بفضلها الأخيار للحكم، مثلما نجدها عند نيتشه الذي يعتبر أن من كان في وضع التّوسّط لا يصلح إلا لخدمة الكبار، وكان بيّن أن فكرة “الصّالح العامّ” متناقضة في مدلولها، لأن الصالح لا يمكن أن يكون عامّا أو مشتركا، فإن كان نعمة فهي استثنائية أوجدها شخص هو نفسه استثنائي. وتستمدها أيضا من الفلسفة التي تضع وجها لوجه الحكيم والتافه، أي الرديء، وتحتفي بالفضيلة وتحتقر الرداءة.

كراهية الرداءة تستمد جذورها من التقاليد الأرستقراطية التي تضع الأخيار في مواجهة بقية فئات المجتمع
 

ولئن كان أرسطو ينزل الفضيلة بين رذيلتين كمثل الشجاعة التي تقع في اعتقاده بين الإقدام والجبن، فإن مفكرين آخرين يعتقدون ألا وجود لوسط بين رذيلتين، فالشجاعة أقرب إلى الإقدام من الجبن، ما يعني أن الرداءة، لا الرذيلة، هي المقابل الحقيقي للفضيلة. فلا ضير عندهم أن يكون المرء سيئا، ولكن أن يكون رديئا أو ينتج أعمالا رديئة فذلك في نظرهم يدخل في باب فساد الأخلاق أو انعدامها من أساسها. وتستمدها أيضا من الرغبة في التمرد على الوضع القائم وكسر الجمود، لكون الرديء مرادفا للعادي والامتثالي والخاضع الخانغ، وقد يتحول إلى مقترِف جرائم فظيعة كما بيّن بلوتاركا عن إروسترات مدمّر معبد أرتميس، ثم حنة أرندت عن النازي أيخمان.

والطريف أن الرداءة médiocrité، (التي ترجمها بعضهم إلى تفاهة futilité) وتعني في المعاجم الفرنسية كل ما هو في محلّ وسط، لم تكن دائمة منبوذة في المجتمع الغربي، ذلك أن مفكري الأنوار، الذين ثاروا على سيَر العظماء ومفاهيم البطولة التي احتفت بها العصور القديمة، نظّروا لمثُل عليا أقلّ رفعة مما كانت عليه، فروسّو امتدح الإنسان المتوسط (العادي)، وفولتير أشاد بالإنسان البسيط الذي يعرف كيف يعتني بحديقته، وهيوم مجّد الطبائع الهادئة والآراء المشتركة، وأكدوا كلهم تقريبا على أن الديمقراطية لا يمكن أن تبنى على الإنسان الاستثنائي، بل على الإنسان العادي، القادر على الإنجاز المشرِّف دون أن ينسى وضعه المشترك.

القدرة على التطور

بيير زاوي: كلنا نواجه الإحساس بالرداءة، والخوف من أن يُفتضَح أمرنا ويكتشف الآخرون أننا رديئون
بيير زاوي: كلنا نواجه الإحساس بالرداءة، والخوف من أن يُفتضَح أمرنا ويكتشف الآخرون أننا رديئون

أما اليوم، فإن كراهية الرداءة اتخذت لها وجها آخر، وما عاد أحد يعرف موضعها، لأن زوال السلّم التراتبي القديم ولّد سيلا من الاحتقار، حتى بات كل واحد يخشى أن يكتشف الناس رداءته، لكون المرء كما أسلفنا رديئا دائما في نظر امرِئ آخر، وحسبُنا أن نقرأ آراء العلماء والمفكرين والأدباء ورجال السياسة والاقتصاد وأهل الصنائع عن بعضهم بعضا، وفيها ما يبلغ أحيانا مبلغ المعارك في حدّتها وسعارها.

 ولا ينفي المفكر الفرنسي أن يؤدي الامتياز بدوره إلى الرداءة، لأن النوابغ الذين يتمّ إرسالهم إلى مدارس متخصصة، بدعوى حمايتهم من التعليم النظامي الرتيب، سوف يسعون إلى الامتثال للمقاييس التي تحددها تلك المدارس، والحال أن الذكاء المتأقلِم هو ذكاء الرديء، أمّا الإنسان الاستثنائي فلا يقلِّد غيره، وإنما يخلق نماذج سوف يسعى الرديئون إلى تقليدها من بعده.

وفي رأيه أن الرداءة بنية متسامية لوجودنا، فكلنا نواجه الإحساس بالرداءة، والخوف من أن يُفتضَح أمرُنا ونُكتشَف أننا رديئون، ولكن مع الحرص على تحمل رداءتنا والسعي إلى تجاوزها بالكدّ والجدّ، فتلك هي السبيل للخروج من الرداءة، لأن المسألة في اعتقاده ليست مسألة اختيار، بل مسألة استعمال.

ويخلص بيير زاوي إلى القول إننا إذا تجاوزنا النظر إلى الإنسان من جهة وضعه، ونظرنا إليه من جهة قدرته على التحسن والتطور، فسوف نكتشف أن كل فرد قادرٌ أن يتميز في شيء ما، فلا يغدو المتوسّط حينئذ صنوا للرداءة بل المعادل الموضوعي لإمكانية الامتياز، ولو في المجال الذي يتقنه.

وفي رأينا أن الرداءة ظاهرة عامة، تصيب الناس كافّة، منهم من يستعدي المعرفة ويستقوي بعناصر غير أخلاقية لفرض نمط مجتمعي يدل على النجاح والبروز، كما بين الكَنَدي ألان دونو في كتاب “نظام الرداءة”؛ ومنهم من يجهل رداءته، فيعيب على الناس والعيب فيه؛ ومنهم من يعي وضعه، فيعمل على تجاوزه بالاجتهاد والمثابرة، والخلق والابتكار، وحتى باحتذاء من سار تلك السيرة قبله.

ألم يقل هيغل إن وعي المرء بالمشكل تجاوزٌ له؟

15