كل شيء في هذه البلاد ممكن إلا هذه الكلمة: حرية

الأحد 2013/11/03
"الخوف من التنفس" مسرحية في لندن عن التراجيديا السورية

"إن أخطر شيء يمْكن القيام به في هذا البلد هو التفوه بكلمة 'حرية' " جملة ينطق بها أحد أبطال مسرحية "الخوف من التنفس: قصص من الثورة السورية" على مسرح فينبورو بلندن.

عندما ظهَرت الممثلة البريطانية سايرين سابا على المسرح لتلعب دور أم ثكلى تندب ابنة أطلق عليها شبيحة بشار الأسد الرصاص دون تمييز، استحضرتُ ماكداف في مسرحية "ماكبث" لويليام شكسبير وهو يتحدث إلى مالكوم، "في كل صباح جديد تولول أرامِل جديدات، يبكي يتامى جُدُد وتلطم مآسٍ جديدة السماء على وجهها".

تتكل المسرحية المكتوبة باللغة الإنكليزية على شهادات حية تنبع رأساً من سوريا دون أن تمتد إليها يد التحرير أو التبديل ، مَشاهد لا تَنقصها المصداقية عن أناس يعيشون في قلب ثورة انقلبت حرباً أهلية. يتألق المسرح الوثائقي هنا في أبرع حالاته حين تصير الحقائق شخصية أخرى على خشبة المسرح. ويُعَد هذا المسرح امتداداً للدراما التاريخية ودراما الواقعية الفرنسية ، ولا يزال يحذو في القرن الحادي والعشرين حذو نموذج مهَّد إليه المخرج الألماني إروين بسكاتور في العقد الثالث من القرن الفائت.

أخرجت "الخوف من التنفس" زوي لافيرتي، وهي مخرجة مساعدة في مسرح الحرية بمخيم جنين للاجئين وعرضت مسرحياتها في أفغانستان وأميركا. جمعت لافيرتي مادة المسرحية بالتعاون مع روث شيرلوك من جريدة "ذا ديلي تليجراف" الحائزة على لقب "صحافية العام الشابة" عام 2012 وبول وورد الذي غطى "دستة" من الحروب لصالح قناة بي بي سي وفاز بجائزة الحورية الذهبية بمهرجان تليفزيون مونت كارلو وجائزة بايو لمراسلي الحرب عندما صور من وسط حشد بالعراق تعرَّض لعدة قنابل انتحارية. ومنذ بدء الثورة السورية تسلل وورد ثلاث مرات عبر الحدود لينتج الفيلم التسجيلي "حمص – رحلة إلى الجحيم".

كان الثلاثة قد سافروا تحت جناح السرية إلى سوريا لينهمكوا في مناخ سوريا الخانق المترع بالقهر والرعب ويتيحوا لنا الاستماع إلى "دستة" من المواطنين: متظاهرون يجابهون الدبابات والبنادق، ومنهم محمد الجندي النابذ لجيش الدولة كي ينضم إلى الجيش الحر؛ عمر الهارع من السودان إلى مسقط رأسه ليحارب غير هيَّاب للموت؛ مذيعة إذاعية واقعة في غرام الموسيقى الغربية من مدينة الزبداني تكافح من أجل حريتها بلا هوادة، ويحدوها التفاؤل بالمصير فتذكِّرني بجورج ماكدونالد في كتاب الروائي الإنكليزي سي إس لويس "الطلاق العظيم" وهو يقول، "آه، المخلَّصــون..

إن خير وصف لِما يجري لهم هو حالة مناقضة للسراب. فما بدا عند دخوله وادياً للأسى اتضح حين تطلعوا إلى الوراء أنه ينبوع؛ وعلى حين لم تر التجربة الحالية إلا صحراء مالحة، تُسجل الذاكرة عن صدق بحيرات عامرة بالمياه".

وها هو طالب ينبذ دراسته الجامعية ليستحيل ناشطاً سياسياً. يعيد تمثيل مناوشات الشوارع لترتطم أبصارنا بمَشاهد موجعة يقع فيها ضحية للتعذيب. يحكي عن يوم جمعة عظيم في مستهل الثورة عندما صرخوا، "الشعب سوف يُسقط النظام". يتسلل إلى المُشاهد إحساس بسخرية هازئة، لا يزال النظام صامداً بعد سنوات، ولا تزال حكومات العالم تقيِّم الموقف، ولا يزال مئات الآلاف يرضخون للتعذيب والسجن والتشويه والقتل، وبالأسلحة الكيميائية. ومع كل دقيقة منصرمة تتعالى نبرة المذابح والعنف.

في كل صباح تلطم مآس جديدة السماء على وجهها

بل ونستمع إلى سامي – صاحب فندق ورجل أعمال مفعَم بالمرح يحمل شهادة من جامعة كامبريدج. يصارحنا بكلمات لا تخلو من حرج عن دعمه للأسد، لا حباً فيه، وإنما فزعاً من مستقبل يطغي عليه الإسلام السياسي دونه، كما يتشكى من أن الحرب تؤثر على تجارته! لا تنفَضّ المسرحية على لسان السوري فقط، إذ ننصت إلى مصور بلا إسم من مدينة ليفربول – المفترض أنه بول كونروي، مراسل جريدة "صانداي تايمز" – ليقص علينا بكلمات مقتضبة، وإن تستعصي على النسيان، حادثة مقتل المراسلة الأميركية ماري كولفين عام 2012 في مدينة حمص.

ينخرط أغلب الأبطال في شبكات التواصل الاجتماعي مدركين إدراكاً غير منقوص بأن الحرب المعاصرة تتأثر بشكل أو بآخر بإلحاحيتها وصيرورتها: يصور السوريون مقاطع الفيديو سراً؛ يشكلون صفحات الفيسبوك المؤيدة أو المعارضة؛ سكايب وسيلة اتصال بين الداخل والإعلام؛ محظورٌ اجتماع ما يزيد على سبعة أشخاص، لذا يلتقون عبر الشبكة الإلكترونية.

ومع ذلك يتخلل النص إحساس وكأن لا أحد متيقن تمام التيقن في هذه المرحلة من هوية الأعداء – في الداخل أو الخارج – أو سبب استهدافهم. يرسم هذه الشخصيات ثمانية ممثلين لا يبتذلون النص بالعواطف المفرطة وهم يلعبون أدواراً مختلفة. يجذبنا هذا النموذج متعدد الأصوات إلى حيوات مهدَرة يأخذ بأسبابها أناس ألِفوا الخرس، وحين قرروا الاعتراض، تمزقت أجسادهم بين قتيل وجريح.

لا تهدر المخرجة أداة من أدوات المسرح الوثائقي – المتناقضة حتماً مع أدوات المذهب الطبيعي بالمسرح – في نقدها لأيدلوجية الاستبداد. يتجلى شق هائل في الأسمنت بالحائط الخلفي للمسرح بما يوحي ببلد مزَّقته الحرب. وعليه يَعرض صف من الشاشات تقارير عن القتال وبرامج لقادة غربيين يتجادلون. يتمكن المشاهد – دون توجيه مباشر – من الشعور بهوة سحيقة بين ما يجري حقاً على الأرض وانفصال النقاش الغربي عن الواقع ، كما نشاهد جانباً من لقاء المذيعة الأميركية باربرا ولترز ببشار الأسد الذي لاح متبلد المشاعر حيناً مرتبك الردود حيناً آخر.

تُجسِّد مسرحية "الخوف من التنفس" استحضاراً بليغاً – على وثائقيته – لصراع حياة أو موت يسأل الغربيين عن إرهاب السلطة ومدى أمان الحياة داخل الوطن. يواجههم متحدياً دون اعتذار غير أنه يشيح بنظره عن العويل المرتبط بالشأن السوري، لا يسعى إلى استدرار العطف أو ابتزاز المتفرج لاتخاذ قرار سياسي.

يكتب الناقد البريطاني بول تيلور في جريدة "ذي إندبندنت" إن "جسور" كلمة ابتذلها النقاد مراراً وتكراراً، ولا تعني في الغالب إلا انتهاج نزعة حديثة. ولكن الجسارة الحقيقية تجسدت في تجميع هذه المسرحية".

الحق أن النص لا يتورط في التأريخ بمعناه المألوف، لا يكترث للمجريات العالمية الكبرى – وقوع سوريا بين فكيّ قوة آنية ممثَّلة في أميركا وقوة غابرة ممثَّلة في روسيا أو الكماشة الطائفية ما بين سُنِّي وشيعي. فالتأريخ ما هو إلا رواية حيوات البشر، لا قرارات الساسة.

ولا شك يراود المشاهد هنا أن السياسي ما هو إلا شخصي بحت.

وهكذا تتوالى المسرحية في صورة كولاج – مسرح الملصَّقات – كشاهد عيان على الأحدث ببنية محكمة خاطفة لا تَعرف الترهل أو الضجر. وعلى العكس من مسرحية "النبي" – سَبْر مخفق للثورة المصرية من تأليف العراقي حسن عبد الرزاق وإخراج البريطاني كريستوفر هايدون – لم تقحم المخرجة نفسها بغرض فرض أي منظور قسري. تُوفر مساحة من التخمين والتأرجح الفكري. لا تدّعي أنها تطرح نصاً مقدساً مما يبُثّ في المشاهد راحة الاستنتاج والتأويل.

نَعلم جميعاً القاعدة: لا ينبغي للفن أن يرفع شعاراً سياسياً لئلاً يصبح منشوراً دعائياً، ولكن الدراما الحقة لها مطلق الحرية في أن تفتت المعطيات السياسية وتعيد تركيب مكوناتها. وهنا تُشدد لافيرتي على الحقائق دون إهمال الاعتبارات الجمالية مستغلة مناهج المسرح الوثائقي، ومنها مخاطبة الممثلين للجمهور مباشرةً تحقيقاً لتكنيك "أثر الانسلاخ" للألماني بيرتولت بريخت بغرض جعل المألوف غريباً وتحقيق انفصال موضوعي بين النص والجمهور، وفي هذه المساحة الضيقة تعذر علينا حقاً ألا نستجيب أو نتأمل عقلياً مضامين العرض السياسية.

لا تضمر المسرحية ما تود قوله، وإنما تسعى للجهر به. لا تتجاهل – كما هو خليق أحياناً بالمسرح الوثائقي – الأصول المسرحية في سبيل عرض تعليمي، وإنما تتيح للمشاهد الغربي من خلال التحليل الصحافي ثورة من "لحم ودم" مقْنعة إياه بأنها نتاج عقود من الدولة البوليسية – إنها أوج الثورة، لا بدايتها.

وهكذا ألْفى المسرح الوثائقي بتكنيكه الحرْفي وسيلة لإبراز الصوت الإنساني المحتجب خلف ثورة باتت الآن مسلَّحة، صوت يحملق إليك ويحثك على التنقيب داخلك كي تجد أسباب الصلة به، سائلاً، "تخيل أن ما يَحدث في سوريا يحدث في لندن ، يحدث لك ، ولمن حولك".

إن هذه الفكرة تتكشف صارخة في المسرحية: لقد انفجر كبتٌ مبطَّن من جراء الاضطهاد والعجز عن النطق بحرف معارض. كان الكل يتلفت حوله عند الحديث، لم يأتمن الأخ أخاه. حذار من الثرثرة في الشرفة. يعدِّد المذيعون أرقام القتلى على مسمع من الغربيين، وما آفة الحرب إلا الإحصائيات لِما تشي به من حس خيالي وما تصيب به المشاهد من خَدَر، ولكن المأساة تستتر في تفاصيل مجتمع أنفق سنوات يخشي فيها اللفظ بكلمة، بل ويخشى التنفس، قبل أن يتسلح حقاً بالجرأة على الثورة.

14