كل شيء هادئ في الجبهة اليمنية

الاثنين 2013/11/18

مئات القتلى والمبتورين والجرحى نتيجة حرب عنيفة للسيطرة على قرية دمّاج في شمال اليمن. المراقبون المحليون والدوليون يرون أن هذا القتال يهدد مستقبل اليمن والمنطقة. في الوقت نفسه تسرّب خبر بأن الرئيس السابق علي عبدالله صالح قد ينافس على الرئاسة في انتخابات 2014. وقد سارع مسؤول كبير في حزب المؤتمر الشعبي بنفي الخبر، ولكنه فتح المجال لترشح ابن الرئيس السابق. هذان الحدثان يبدو أنهما منفصلان ولكنهما في الواقع مثالان للثابت والمتحول في السياسة اليمنية منذ ما سُمي بالربيع العربي 2011.

هناك حالة من الغموض وفقدان الرؤية فيما يخص اليمن؛ سواء بين اللاعبين السياسيين أو المراقبين. لعلّه بسبب كثرة المواقف السياسية المتناقضة، وغير المتسقة والمتذبذبة وغير القابلة للتنبؤ. وهذا كله واقع. ولكن أعتقد أن السبب الرئيس هو أن اللاعبين والمراقبين يغفلون عن استقرار النظام السياسي اليمني. فمن كثرة الحركة الموجودة يظن البعض أن هناك تغييرا حاصلا. فيبحث عنه ولكن لا يجده، لأنه لا يوجد تغيير فـ «كل شيء هادئ على الجبهة اليمنية».

ولا أقلّل بهذا من الجهود الفلكية التي قام بها الرئيس هادي ومبعوث الأمم المتحدة جمال بن عمر. فكلاهما، بدعم الولايات المتحدة والسعودية، قد حفظا البلاد من التفكك والانزلاق إلى حرب أهلية والصوملة. وقد يصعب على الكثير تصوّر أن الحالة الطبيعية لبلد ممزق سياسياً وعسكريا كاليمن هي التفكك، ولكن هذا لم يحصل بسبب جهود من ذكرتهم. إلا أنهم لم ينجحوا بعد في وضع اليمن على مسار تغيير جوهري في هيكله السياسي.

قواعد اللعبة السياسية، في جوهرها، لا زالت كما هي. السياسة في اليمن لا زالت عسكرية – سواء عسكر الجيش أو عسكر القبيلة. في حين إن السياسة المدنية شكلية، ومسرحية، وخاضعة للعسكر. اليمنيون ينظرون للدولة على أنها قبيلة من القبائل، قوة واحدة بين قوة متكافئة. الدولة اليمنية ضعيفة وغير قادرة على السيطرة على العنف المسلح ولا تستطيع حماية مواطنيها بفاعلية، وعاجزة عن مدّ سلطتها إلى أطراف حدودها. لذلك فالمجتمعات المحلية –أي القبيلة – أخذت على عاتقها مسؤولية حماية نفسها ومصالحها، ولكنها في سبيل ذلك قلّلت من هيبة الدولة وسلطتها. ولعل التغيير الوحيد هو في توزيع القوى العسكرية. إذ بدأت بعض القوى الجديدة تفرض نفسها على الساحة، وتنتزع اعترافا بحقها. وبطبيعة الحال فإنها تقوم بهذا على حساب القوى القديمة.

قبل «الربيع» العربي لم تكن هناك دولة يمنية بل دُولٌ يمنية مركبّة من ثلاثة قوى عسكرية: الأولى هي الدولة، ويقودها الرئيس السابق علي عبدالله صالح والذي كان مدعوماً بحلف قبلي قوي. وأحيانا لم يكن ظاهراً الحدود بين صالح وبين الدولة. فصالح كان الدولة والدولة كانت صالح. العلاقة بينهما كانت علاقة اعتمـاد متبــــادل. القوة الثانية هي بيت الأحمر وهم قادة قبائل حاشد (كان موّحدا آنذاك). حاشد شكلّت قوة صمود لبيت الأحمر ولكن المصدر الأهم والحقيقي لقوتهم لم تكن قبيلتهم وإنما علاقتهم المميزة والعريقة مع المملكة العربية السعودية.

المصدر الثاني لقوتهم كان تحالفهم القوي مع الإخوان المسلمين في اليمن. ومن المهم ملاحظة أن قوّة بيت الأحمر كانت في تراجع من قبل 2011 وتحديداً منذ وفاة الشيخ عبدالله بن حسين عام 2007. القوة الثالثة في تركيبة دول اليمن هو العميد علي محسن الأحمر (ليس بينه وبين بيت الأحمر قرابة). قوته اعتمدت على سيطرته على فرقة قوية في الجيش ودعم مالي أجنبي سخي جداً.

إضافة إلى أنه كان شريكاً لعلي صالح في الدولة قبل اختلافهما على خلافة أحمد بن علي صالح. بجانب هذه القوى العسكرية الثلاثة كانت هناك أحزاب سياسية متعددة، ولكن فاعليتها اعتمدت على علاقتها بالقوى العسكرية. فحزب المؤتمر الشعبي كان مدعوماً من الرئيس/الدولة وحزب الإصلاح الإخواني كان مدعوماً من بيت الأحمر.

أما الأحزاب الأخرى فلم يكن لها دعم عسكري معتبر. بالتالي لم تكن مهمة ولا مفيدة إلا في المناورات السياسية. أما الكلمة النهائية فتبقى لدى من يملك القوة العسكرية.ثم كان «ربيع» 2011 فارتبك توزيع القوى الأول بسبب أربعة أحداث كبيرة. الأول كان طرد الرئيس صالح، وهذا لم يُضعف صالح فقط ولكنه أيضا أضعف الدولة، لأنها كانت إلى حد كبير صالح. وهذا يفسّر ضعف الرئيس هادي اليوم. فالجيش تحت إمرته ولكنه لم يكن يوماً لاعباً حاسماً لوحده.

وضعف الدولة بعد خروج صالح منها يفسّر التنازلات التي يقدّمها الرئيس هادي للولايات المتحدة. فهو يعرف أنه بغير أميركا فإن الدولة ستنهار. واليمن سينزلق في حرب أهلية طاحنة. الحدث الثاني هو إعادة هيكلة الجيش وهذا الأمر نزع من علي محسن الأحمر القوة الوحيدة التي كانت في متناوله. وهناك شكوك حول فاعلية هيكلة الجيش ولكن مهما كان فإنها قد خففت من سيطرة القيادات العسكرية السابقة. الحدث الثالث هو الهجمة الإقليمية على الإخوان المسلمين وخاصة الموقف السعودي منهم. فقد طلب من بيت الأحمر اتخاذ موقف: مع الإخوان أو ضدهم. ولو وقفوا معهم فإنهم سيخسرون السعودية.

ولو وقفوا ضد الإخوان فسيخسرون الكثير من قواعدهم الشعبية. في أوقات أخرى كانوا سيتخلون عن قواعدهم ما دامت السعودية لا زالت معهم. ولكنها أوقات سيئة لبيت الأحمر. فقد تصدّعت وحدة حاشد. واحتد التنازع بين الأخوة. وبدأ خصومهم – الحوثيون – يتوسعون إلى داخل مناطقهم. ويبدو أنهم راهنوا على الإخوان المسلمين لكن رهانهم خسر. الحدث الرابع هو الدخول القوي للحوثيين إلى الساحة اليمنية العامة.

قبل 2011 كان الحوثيون قوة معترف بها، ولكنهم لم يكونوا قد دخلوا الساحة اليمنية كلها. لكن بعد 2011 صار معترفا بهم كقوة سياسية وبدأوا يبذلون الجهد لملء فراغات القوة في المنطقة الشمالية في اليمن. أيضا علاقتهم بإيران صارت أقوى.

لقد وصف الرئيس علي صالح حكم اليمن بأنه رقص على روؤس الثعابين. ولو كان وصف النظام السياسي في اليمن لربما قال إنه لعبة الكراسي الموسيقية. وواضح أنني هنا أتحدث فقط عن المناطق الشمالية ولو ضممت الجنوب لذكرت أحداثاً أخرى وفاعلين أكثر.

لا يحتاج المرء أن يكون «بيمسارك» للتنبؤ بأن هذه التركيبة وصفةٌ لاحتراب داخلي بدأ قبل بضعة أسابيع بين الحوثيين وبيت الأحمر. وفي تلك المعارك تم الهجوم على مناطق بيت الأحمر. وهي المرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية اليمنية 1970 التي يتم ضربهم في أراضيهم. وفيها ظهر التصدّع في وحدة حاشد حيث تحالفت بعض قبائل حاشد مع الحوثيين.

فكان على بيت الأحمر الرد، واختاروا لذلك دماج. وهي قرية صغيرة يقطنها سلفيون متطرفون للغاية. وقد سبق أن تقاتل سلفيو دماج مع الحوثيين فلم يكن صعباً إثارة حرب جديدة. وكان بيت الأحمر يأملون من الحرب أن تضعف سيطرة الحوثيين على منطقة صعدة؛ وأن يمنحهم بعض الهيمنة على السلفيين؛ وأهم شيء أن يستعيدوا بعض مكانتهم لدى السعوديين من خلال إثبات أنهم قادرون على إضعاف الحوثيين والتأثير على السلفيين في آن واحد.

أثناء الحرب وقفت الدولة على الحياد تراقب. لأنها عاجزة ولكن لأنها أيضاً مستفيدة. فهناك مثل يمني يقول: «ناب ذيب في رأس ذيب». والدولة رأت أن هذه المعركة فرصة لها لتعزيز قوتها. ففي ضربة واحدة يتم استهلاك موارد ثلاثة ذئاب يتحدون سلطتها: «بيت الأحمر، والسلفيون، والحوثيون». في الأشهر الماضية شهد اليمن حوارا وطنيا، ولكن ما يحتاجه حقا هو «تفاوض وطني» بين القوى العسكرية اليمنية.


كاتب سعودي

8