كل طفل برزقه

الاثنين 2014/10/20

“كل طفل يأتي برزقه” مقولة مصرية النشأة والتداول ولها براءة اختراع مسجلة باسم المصريين، سمعتها في مترو الأنفاق.

فقد قادتني قدماي مجددا إلى “عربة السيدات بمترو الأنفاق” تلك الحلقة النقاشية الساحرة والمنعقدة دائما دون انفضاض، حتى أنها كانت سببا في مشاجرة كبيرة بيني وبين زوجي الذي عنفني لركوبي مترو الأنفاق المزدحم تاركة السيارة التي يذهب لأجلها معظم دخل الأسرة ولكنني أخفيت عيناي عن زوجي حتى لا يرى فيهما نظرة عشق وشوق للمترو ودعوت الله العلي القدير ألا يكون حبي للمترو خيانة.. سامحني الله.

كانت امرأة “ثلاثينية بدينة” تنهر الجالسة أمامها لمجرد التفكير في إجهاض حملها، متباهية بأنها تعد أختا كبرى لابنتها ولا يبدو من هيئتها الأولى كونها أما لأربعة أطفال!!!

استقامت أخرى في جلستها وهي تقول: أنا مسيحية ولدي خمسة أطفال وكان من الممكن جدا أن يكونوا ثمانية لولا النصيب والعمر، وحين فكرت ذات مرة في إجهاض حملي اشتكتني أمي إلى الكنيسة ولن أنسى ما قاله لي أبونا يومها عن الروح وقتل النفس ثم أن الأرزاق بيد الرب أنا لا أخلق ولن أرزق، ودخلت أخرى في الحديث دون استئذان لتقاطعهن بلهجة صعيدية عامية “كل عيل برزقه، العيال عزوة، وممكن يكون هو سبب رزق الجميع” قاطعتهن حين شعرت بأن مسؤولية تصحيح فهم خاطئ تقع على عاتقي، هل تعرفن كم عدد السكان الآن وأننا وصلنا إلى 95 مليونا وأننا نزداد بواقع مليون نسمة كل 6 أشهر، وما هي معدلات البطالة في بلادنا؟ ودون انتظار إجابة قلت بلغت 25 بالمئة حسب تقارير منظمة العمل الدولية.

ألم تسمعن بوسائل تنظيم الأسرة… وظللت أتحدث بوجع على نساء تحولن إلى ماكينات تفريخ، والمرأة الصعيدية تنظر إلي بعيون فاحصة تتجول في ملامحي وهيئتي حتى صاحت كمن وجدت حلا للغز أخيرا. أنت دكتورة أو من التعداد؟

ضحكت بصوت خافت: أنا مصرية تخشى على هذا البلد المستنزفة طاقته، صاحت من تجلس في الكرسي المجاور كلنا من مصر لكن عندنا “إيمان بالله” وكل طفل يأتي برزقه، باغتها وأنا أيضا مؤمنة بالله تعالى وأن رب العالمين وحده هو الرازق ولكن إذا تحولت النساء إلى أداة إنجاب فقط فمتى يعملن؟ متى يربين الصغار؟ كم ستتكلف عطل الوضع في ظل أوضاعنا الاقتصادية المتدهورة، قاطعتني خمسينية “متربصة” عطل؟؟ أنا ربة منزل وهذه جارتي. مثلي، كلنا عاطلات بلا فخر، قاطعتني وقاطعتها أخرى، الرجال يعانون البطالة فكيف تعمل النساء؟؟

تعجبت وتساءلت فماذا يعمل أزواجكن إذن، فحتما أنتن من الأثرياء، قالت إحداهن، موظف راتبه ثلاثة آلاف جنيه ثلثاها يذهبان لتغطية مصاريف الدروس الخصوصية، وقالت أخرى، ميكانيكي سيارات، و…، فلم ألحظ عملا أو مهنة تخرجهن من صفوف الطبقة المتوسطة أو تحشرهن في ذيل صفوف طبقات الميسورين.

كان الفقر والتساؤلات المحمومة قاسمهن المشترك، ورغم كل هذا يتباهين بعدد الأطفال وأن كل طفل يأتي برزقه كمن تتباهين بعدد البطولات أو الميدليات الذهبية التي حصلن عليها.

سألت إحداهن في أي المدارس يتعلم هذا العدد من الأطفال؟ وما هي طموحاتك في مستقبل أبنائك؟ وكيف ترسمين لهم الغد؟ فأجابت بثقة: المستقبل بيد الرحمن وكل إنسان له نصيب، أصحاب الشهادات يعانون البطالة. يكفي الحصول على شهادة متوسطة أو لا داعي مطلقا لشهادات؟

وجدت صوتي يخذلني ويعلو إلى حد الصراخ وأنا أقول: هذا تواكل مقيت، لو أنكن تتوكلن على الله حق توكله لرزقكن كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتعود بطانا، ولكن من منكن تتوكل بالعمل والإنتاج. ولا تتواكل بالنوم واستسهال الإنجاب من أجل الإنجاب فقط دون تخطيط لمستقبل أو حياة قادمة، ارحمن مصر الجريحة والمثقلة بـ”عزوتكن”.

21