كل عام ووطني بخير

الثلاثاء 2013/09/24

في الذكرى السنوية ليوم الوطن تقف المملكة العربية السعودية وسط أحداث ساخنة تعصف بمحيطها الخارجي وتحاول مدعومة بمجتمع مسالم النأي بنفسها عن تأثيرات ذلك عليها رغم محاولات بعض الأصوات النشاز استدراج العامة نحو شعاراتها الزائفة. الاحتفاء الشعبي الذي تمارسه الشبيبة السعودية، حتى وإن كان ذلك الاحتفاء يعكس تحين الفرص لممارسة الفرح أو كان له تأثيرات سلبية مجتمعية، إنما يعتبر رداً صريحاً وواضحاً وقوياً من أولئك الشباب لرفض الدعوات الأممية وتقديم الوطن على ما سواه.

التحديات التي مرت بها السعودية منذ إعلان توحيدها حتى الساعة كانت تشكل مخاطر جدية تكفي الواحدة منها لخلخلة أنظمة بعينها. ولا نفشي سراً إذا قلنا أن السبب في ذلك يعود إلى عدة عوامل كتوظيفها للموارد المالية والمكانة التي تحظى بها الأسرة الحاكمة والدور الفاعل للمؤسسة الدينية والولاء القبلي الواسع وموروثها الثقافي والمناطقي، والتعامل مع هذه العوامل بهدوء وحكمة وتقديم أحدها وتأخير الآخر حسب الحالة والموقف بذكاء، جعلها قادرة على التعامل مع كل خطر بما يستحق من جهد لتحجيمه وإبعاده.

المسح التاريخي لأخطر التهديدات التي واجهت المملكة بعد إعلان توحيد البلاد يشير إلى الكثير منها ولكنني سأشير على عجالة إلى أهمها، والبدء بالمد الناصري الذي لم يكن يخفي عداءه للأنظمة الملكية، وعالجته الدولة بإنشاء رابطة العالم الإسلامي والاتكاء على الجانب الإسلامي في مواجهة القومية العربية.

ولعل الأهم تالياً كان احتلال الحرم المكي من قبل مجموعة جهيمان المتطرفة فكانت المعالجة الأمنية الناجحة في مقابل إهمال معالجتها فكرياً، ليشهد المجتمع السعودي مرحلة جديدة تماماً يشوبها تقوقع على الذات ساهم فيه بروز الخطر الإيراني الطائفي بعد ثورة الخميني، ثم اقتراب الاتحاد السوفييتي من المياه الدافئة باحتلال أفغانستان.

وهو الأمر الذي أدى فيما بعد إلى وقوع أرتال المجاهدين في شباك جماعة الجهاد المصرية المولودة من رحم الإخوان المسلمين لينشأ الهجين المسمى القاعدة. لم تكن ثقافة «الكاسيت» المنتشرة في السعودية إلا النسخة السنية من خطوات الثورة الخمينية التي بدأها من باريس. ولم يكن أرباب «الكاسيت» في ذلك الوقت إلا ممثلين لفرع الإخوان في السعودية تحت مسمى «الصحوة» وترافق ظهورهم العلني القوي مع الغزو العراقي للكويت، وما تبعه ثم نشأة المخلب القاعدي مع تحولات اقتصادية مزعجة في الداخل السعودي كالعجز المتكرر في الميزانية وارتفاع معدلات التضخم دون أي زيادة تذكر في الدخل الفردي. هذا لاشك نتيجة طبيعية لثلاثة حروب مكلفة جداً عاشتها المنطقة كان كل منها بحد ذاته خطراً يهدد الدولة.

لا يغيب عن الذاكرة موجة الإرهاب التي عصفت بالمملكة وشملت هجمات على المجمعات السكنية والمستأمنين من المعاهدين والجهات الأمنية وأفرادها، وراح ضحيتها العشرات من الأبرياء. نجحت المملكة في التخلص من هذا الخطر أمنياً ولا زالت تحاول أن تتخلص منه فكرياً وهو أمر ليس من السهولة بمكان، بعد أن وجدت هذه التنظيمات الحركية الدعم اللوجستي والسياسي من دول تعتقد أنها بمنأى عن خطر هذه التنظيمات لأنها تستجيب لمطالبها في سوريا واليمن ومالي وليبيا ومصر.

من الواضح أن ما سبق يعكس بشكل مجمل المخاطر التي تعرضت لها السعودية في مسيرتها منذ إعلان توحيدها قبل ثلاثة وثمانين عاماً.

الخريف العربي أداة الفوضى الخلاقة المؤدي إلى الشرق الأوسط الكبير، وإعادة رسم الخارطة العربية يستدعي منا العودة إلى الوراء قليلاً لكي نعرف أسبابه الحقيقية والعامل الفاعل فيه، وتحديداً إلى سبعينات القرن الماضي واستخدام سلاح النفط في معركة أكتوبر 1973 حيث تسرب تقرير استخباري في نفس العام يُعرف بـ UK Eyes Alpha يدعو إلى تحرك استباقي لاحتلال منابع النفط ثم نشرت الصنداي تايمز البريطانية عام 1975 معلومات مسربة لعملية يرمز لها Dhahran Option Four، وفي نفس العام نشرت مجلة كومنتري التي تملكها اللجنة اليهودية الأميركية أن دول الخليج العربي ليست أكثر من الدورادو Eldorado تنتظر فاتحيها. ولم يطل الأمر كثيراً حتى نشرت النيويورك تايمز عام 1986 خططاً عديدة لتقسيم الشرق الأوسط تشمل تقسيم الملكة إلى أربع كانتونات كبيرة. هذه المخططات لم تكن لترى النور في ضوء وجود القطب الآخر.

أدى وصول المحافظين الجدد وظهور القاعدة إلى موجة جديدة من المخططات برز فيها ريتشارد بيرل عضو مجلس السياسات الدفاعية المستقيل والذي جعل همه الأوحد إعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط بما فيها المملكة، ونشر ورقة استراتيجية بعنوان الانكسار النظيف A Clean Break: Securing the Realm لصالح اسرائيل وطالب فيها بالإطاحة بنظامي البعث في العراق وسوريا وفرض الديمقراطية في الشرق الأوسط بالقوة. ثم جاء إعلان مؤسسة راند من خلال لوريينت موريك الذي يتبع منظمة ليندون موراش واعتبار المملكة عدواً للولايات المتحدة ووصفها بأنها نواة الشر والخصم الأشد خطورة.

لم تكن هذه الأوراق سوى الطريقة الأسهل لوضع المخططات السابقة موضع التنفيذ فحتى زوال السوفييت لم يكن مساعداً، بعد أن حل محله الدب الروسي والعملاق الصيني والهندي بما لا يسمح للولايات المتحدة بتنفيذ مآربها إلا من خلال جماعات ومنظمات وتنظيمات سياسية أو حركية، أو من خلال معاهدات دولية منفردة كما هو الحال مع «العيديد» الأمريكية في قطر.

لا يغيب عن الذهن إعلان كونداليزا رايس عن الشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلاقة والانتشار السريع لتقرير راند عن الإسلام الديمقراطي، وهو ما يبدو أن التخطيط الاستراتيجي الأميركي قد اعتمد عليه بعد تحوير بسيط لمحتوياته من واقع المعلومات الإستخبارية والدراسات الاجتماعية لشعوب الشرق الأوسط. وبقليل من العقود التجارية مع تنظيم كطالبان مثلاً ودفع ضريبة عن كل مليون قدم مكعب من امدادات النفط له، أو شراء ما يعادل نصف سيناء من تنظيم الإخوان لإقامة غزة الكبرى، أو توفير الحماية لدولة كقطر لتتولى القيام بدور الوسيط أو الموجه أحياناً لما يخدم المصلحة الأميركية القومية العليا، بقليل من ذلك يمكن أن نرى الخريف العربي وقد بدأ يؤتي ثماره في تفكيك الدول العربية وإغراقها في فوضى تسمح للتنظيمات السياسية والحركية أن تعمل لزعزعة الاستقرار الداخلي واغتيال المجتمع السعودي وقتل أهم ما يملكه لوطنه والمتمثل في الولاء.

في يوم الوطن لا نحتاج فقط إلى أن نحتفي بتمجيد شخصيات معينة أو الفخر بمنجزات من نوع ما، بل نحتاج أيضاً وبشدة إلى غرس قيم المواطنة وتنبيه المواطن إلى التحديات والأخطار المحدقة بنا من كل جانب، وأن نجعل شعار المواطن أن الوطن أولاً، بعيدا عن الشعارات التي يروج لها الأمميون صباح مساء. كل عام ووطني بخير.


كاتب سعودي

9