كل قراءة نقدية بحثا عن المعنى هي تورط في الخطيئة

محاولة الكتابة عن كتاب نقدي تعتبر تحدّيا ممتعا وصعبا في الآن نفسه، فاستقراء التقنيات النقدية الخاصة بكل ناقد، ومحاولة إعادة إنتاج النص النقدي ذي البناء الشعري/الجمالي ضمن نص آخر يعتيران تحدّيا، وذلك في سبيل إعادة فهم وتأويل النص مع الحفاظ على حالات التناص التي يحملها، والمرتبطة برؤية الناقد من جهة والنص الذي يتناوله من جهة أخرى.
السبت 2015/11/14
ارتكاب الخطأ أصل في عملية القراءة والتأويل، فلا تأويل بمنأى عن الخطيئة

الكتابة عن مُؤلف الناقد السوري خالد حسين تعدّ تجربة جمالية ثقافيّة مزدوجة، فهي تفتح الباب على قراءات أوسع من جهة، وتتيح الفرصة أمام النص النقدي إلى جانب الموقف الجمالي الذي يمتلكه ليكون سبيلا لتطوير القراءة النقدية ذاتها حين الكتابة عنه، الناقد السوري وبعد مؤلفاته “شعرية المكان في الرواية الجديدة” (2000) و”في نظرية العنوان” (2007) و”شؤون العلامات من التفسير إلى التأويل” (2007) يعود في مؤلفه الجديد لهذا العام الموسوم بـ”اقترافات التأويل: مقاربات في الشعر والنقد”، الصادر عن دار جُميرا للنشر والتوزيع، إلى اشتغاله على عدد من الموضوعات التي تشمل قصائد لشعراء معاصرين إلى جانب مفاهيم قصيدة النثر والنقد الثقافي.

يبدأ حسين كتابه بحديث عن العنوان، “اقتراف” و”تأويل”، لنراه يخوض في المعنى المعجمي ثم المعنى الجمالي المرتبط بفعل قراءة النص، لتكون القراءة النقدية/ الجمالية لكل نص هي خطيئة، “فارتكاب الخطأ أصل في عملية القراءة والتأويل، فلا تأويل بمنأى عن الخطيئة”.

خالد حسين يقارب النصوص على أساس موقف جمالي، إذ يتيح المجال أمام الأدوات النقدية لتنسلّ إلى النص في سبيل انتهاكه، قصد التقاط مواطن اللذة/ الجمال منه، ففي الفصل المعنون بـ”قضايا الكلمة الشعريّة” يلجأ حسين إلى ديوان محمود درويش الأخير “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، ليمرق في ثناياه من العنوان إلى المتن، في محاولة لـ”تأسيس الوجود عبر الشعر” حتى يكون المقصد الشعري عبر الكلمة، أشبه بـ”لوغوس″ يبثّ الحياة في الجسد، فتجربة محمود درويش هذه تفتح المجال أمام حسين ليستعرض موقف درويش من الكون، لتكون قصيدته أقرب إلى تعويذة للحياة، حيث لا توجد هذه الأخيرة إلا بها، كما يشير إلى التناص في قصيدة درويش “لاعب النرد” مع قصيدة الفرنسي ستيفان مالارميه، في قوله “رمية نرد لن تبطل الحظ أبدا”.

الحساسية الشعرية

يناقش خالد حسين تجربة الشاعر منذر المصري تحت عنوان “الشاعر في جوار الأشياء”، لينتقل بعدها في الفصل الثالث إلى مفهوم الحساسيّة الشعريّة بوصفها “الممارسات الشعرية التي تتوفَّر على محاولة نزوع مختلف ومغاير في عملية تمثيل الذات في علاقتها بالعالم واللُّغة والكتابة الشعرية ذاتها” متناولا تجربة الكاتب السوري جولان حاجي في ديوانه “ثمة من يراك وحشا” بوصف حاجي يسعى إلى أناقة اللغة الشعريّة في تجربته، لينتقل بعدها إلى تجربة الشاعر السوري رائد وحش في ديوانه “لا أحد يحلم كأحد”.

قراءة لحساسية الجسد تجاه الجسد

فاشتغالات رائد وحش، حسب خالد حسين، تشابه تجارب ما بعد الحداثية في الشعر، التي تختفي فيها الحدود في ما بين الثقافة العالية والشعبية، ليتضح مفهوم “اللعب”، ولتكون شعرية ما هو تافه وسطحي صادمة للقارئ، بوصفها تتجاوز الجماليات الأرستقراطية للقصيدة، فمن وجهة نظر حسين تجربة وحش تمثل تجربة الإنسان المعولم، الذي يعيش في عالم من الصور التي تحيط به من كل جانب لتكون القصيدة تعبيرا عن شهواته، بل بحثا عن ذكوريته التي فقدها ومحاولة العودة إلى البهيمية الأولى، كي تستعيد تلك الذكورة حرارتها، كما “يقترف” حسين أيضا ديوان الشاعرة السوريّة رشا عمران “معطف أحمر فارغ” في قراءة لحساسية الجسد تجاه الجسد.

قضايا نقدية

يناقش الباحث على مستوى آخر عددا من القضايا النقدية، ليكون مثلا نص محمود درويش “يطير الحمام” مختبرا لدراسة جماليات الصورة الشعرية، والتطورات التي تطرأ عليها والانتهاكات التي تُمارس عبرها في محاولة لهدم الأشكال القديمة للمجاز وفض بكارة المخيلة، كما ينتقل إلى مفهوم قصيدة النثر، والقطيعة الجمالية التي أسستها مع ما سبقها من أعراف جماليّة، وتقويضها للأشكال التقليدية، في سبيل الوصول إلى جماليات جديدة خاصة بهذا الشكل الذي كان دخيلا على التجربة العربية، وسعي هذه التقنيّة الشعريّة إلى التأسيس لجمالياتها الخاصة، بوصف قصيدة النثر قصيدة كتابة لا قصيدة مشافهة وإلقاء.

فالتوزّع الطوبوغرافي للقصيدة ضمن الصفحة البيضاء يحمل أيضا جماليات جديدة للقصيدة غير موجودة في الشعر التقليدي- العمودي، كما أن الأخيرة تُرجئ المعنى وتعتمد على الاخـ(ـتـ)ـلاف المُرجئ الذي تحدث عنه الناقد الفرنسي جاك ديريدا، فهي “أثر” يحضر كلما ازداد امّحاء، وهذا ما ينطبق على تجربة الشاعر السوري سليم بركات، الذي يداهم المعنى الخفيّ ويسلخ إسفلت اللغة إلى حدّ العري، في سبيل اقتناص المعنى والتلويح به، فالشعرية تكمن في رحلة تقويض اللغة لاكتشاف هذا المعنى الذي قد لا يدريه الشاعر نفسه، وهنا تبرز جماليات قصيدة النثر ذاتها.

ولا يهمل الناقد فكرة إلى انتقاد المؤسسات الأكاديمية والنّقاد المتحجرين وراء الفهم البنيوي للنص، بوصف القصيدة أو النص في عزلة عن التاريخ، ويدعو إلى النقد الثقافي، بوصف النص انعكاسا للعالم وعلاقاته، ولا يمكن دراسته بمعزل عن شروطه التاريخية، ليكون النص اختزالا للتجربة الاجتماعيّة والسياسية والجمالية، طارحا أفكار إدوارد سعيد عن العالم والنص، وكذلك أفكار الفرنسي جاك ديريدا من أجل تفكيك النص بمعناه الواسع، لا بمعناه التقليدي اللغوي، لتكون قراءة النص/ انتقاده هي اكتشاف لجماليات الشعر/ العالم والعلاقات التي تحكم مكوناته على كافة الأصعدة والقطاعات.

16