"كل لا يتجزأ" فيلم يسبح بين الواقع والأسطورة والفانتازيا

حصل الفيلم الإيطالي “كل لا يتجزأ” للمخرج إدواردو دي أنجليس، على الجائزة الكبرى لأحسن فيلم روائي طويل في مهرجان تطوان السينمائي الذي اختتم مؤخرا، وكان هذا الفيلم قد عرض للمرة الأولى في قسم “أيام فينيسيا” بمهرجان فينيسيا، ثم بقسم “سينما العالم” في مهرجان تورنتو، حيث خلّف انطباعات طيّبة.
الجمعة 2017/05/05
براءة طفولية تتحول مع الأيام إلى كابوس

يعتبر فيلم “كل لا يتجزأ” Indivisiblio للمخرج الإيطالي إدواردو دي أنجليس عملا إبداعيا يجسد قدرة الخيال الفني على التحليق بالمشاهد في آفاق عالية، تأخذه في رحلة تأملية في المصير الإنساني، ولكن دون أن تبتعد كثيرا عما يحدث في عالمنا. ولعل من أهم مزايا هذا الفيلم الذي أُعدّ بعناية شديدة، وجود ذلك البعد الإنساني الشامل، حيث يمكن استقباله بسهولة ويسر من جانب الجمهور في شتى أنحاء العالم.

صحيح أنه يتمتع بصفات ترتبط بواقع المنطقة التي تقع فيها أحداثه الغريبة، بالقرب من نابولي في جنوب إيطاليا، وهي تحديدا منطقة فولتورنو المعروفة بتركز عصابة المافيا “غومورا” التي تناولها المخرج الإيطالي ماتيو غاروني في فيلمه الشهير.

وصحيح أيضا أن اللغة التي تتحدث بها بطلتا الفيلم لغة خاصة، بلهجة قد تبدو غريبة حتى على الإيطاليين أنفسهم، إلا أن هذا الطابع “المحلي” لا يمنع الفيلم من التحليق في آفاق العالمية بالمعنى الإيجابي، أي بمعنى التوجه الإنساني العام.

تشوه أخلاقي

قد يكون من بين الأسباب التي تجعل الفيلم يصل بسهولة إلى الجمهور في العالم ويترك تأثيره عليه، أن مخرجه يسبح في منطقة تقع بين الواقع والخيال والأسطورة. ويبدو في الكثير من الأحيان كأنه يروي قصة خرافية من تلك القصص التي كانت تحكيها الجدات عادة للأطفال قبل النوم، ومن خلال طابع في الصورة يتميز بالنعومة والرقة وبالألوان البديعة، مع اختيار جيد لأماكن التصوير الطبيعية التي تضفي جمالا خاصا على اللقطات والمشاهد، مع تحريك الكاميرا بنعومة وانسيابية لكي تبرز طبيعة الأماكن، وتضفي سحرا خاصا غامضا على الفيلم، وتوحي أيضا ببعض الغرابة، وأجواء المتاهة.

في أحد مشاهد الفيلم تقول إحدى الشقيقتين للأخرى إنها لا تصدق ما تراه وتشعر بأنه ربما يكون حلما، وشقيقتها تهزها بعنف، تحاول أن تردها إلى الواقع، تؤكد لها أن ما تراه ليس حلما. لكن ما سيأتي بعد هذا المشهد مباشرة، يشي بزوال الحلم بعد أن يحل محله كابوس عنيف يكاد ينتهي إلى مأساة.

الفيلم يبدو كأنه يروي قصة خرافية من تلك القصص التي كانت تحكيها الجدات عادة للأطفال قبل النوم

موضوع الفيلم يدور حول الرفقة الإنسانية، عن حاجة الإنسان إلى من يرتبط به ويحبه ولا يتصور أنه من الممكن أن يستغني عن وجوده بجواره، لكن يأتي وقت يتعين فيه أن يحدث هذا الانفصال، إنه فيلم عن الخوف من الفراق ومواجهة الإنسان للعالم بمفرده مجردا من الرفقة، محروما من السند.

هو فيلم عن ذلك التشوه الخلقي الذي يبدو كالقدر الذي لا فكاك منه، ولكنه من ناحية أخرى فيلم عن الاستغلال البشع للإنسان من جانب أقرب الناس إليه، حيث لا يصبح هناك من ملجأ سوى رجل الدين، لكننا نكتشف أنه يفضل الإبقاء على الأمر الواقع، أي تكريس الاستغلال، والتكسب من العاهة الخلقية، بل اعتبارها أيضا معجزة قدرية.

ويكثف الفيلم التناقض بين البراءة والجمال والشباب من جهة، والقبح والشراهة والاستغلال من جهة أخرى، كما أنه على نحو ما يجسد صراعا بين جيلين، ينتميان إلى عالمين مختلفين.

لدينا شقيقتان توأم، شاءت العناية الإلهية أن يولدا ملتصقتين من جانب الفخذين، لكنهما بلغتا الآن الثامنة عشرة من عمرهما، وهما تتمتعان بدرجة عالية من الجمال والسحر والجاذبية، ترقدان معا، تنهضان معا، تسيران متعانقتين، لا يمكنهما الافتراق ولو حتى بالفكر عن بعضهما البعض. وإذا تناولت إحداهما الطعام خارج الموعد المحدد، شعرت الأخرى بنوع من الغثيان، وإذا شربت أحداهما الخمر شعرت الأخرى بالثمالة، فهناك ارتباط شرطي فيما بينهما.

أما ما يراه الآخرون معجزة حقيقية فهو صوتهما الجميل البديع الخلاب، لهذا السبب يستغل والدهما “بوب” هذه الموهبة فيكتب لهما كلمات يلحنها لهما العم ومساعده ويجعلان الفتاتين تغنيان هذه الأغاني في حفلات أعياد الميلاد الخاصة أو التجمعات الكنسية وغيرها، وسط سعادة الكثيرين، بل إن القس الذي ينتقل مع تمثال ضخم للمسيح، لأجل أن يجمع التبرعات لكنيسته ملقيا بالمواعظ في تجمعات المهاجرين الأفارقة، لا مانع عنده من استغلال موهبة الشقيقتين من أجل جمع التبرعات. ويجني الأب الكثير من المال من وراء ما تقدمه الشقيقتان، لكنه لا يمنحهما شيئا منه.

الشقيقتان، واسمهما “ديزي” و”فيولا”، يراهما ذات يوم طبيب يبدي استغرابه من تقاعس والديهما في البحث عن حل طبي لهذه المعضلة، وبعد إجراء الفحص الطبي لهما يقرر إمكانية فصل جسديهما دون أي خطورة.

وعندما يشاهد أحد منظمي الحفلات ديزي يوهمها بأنه وقع على الفور في حبها، وأنه على استعداد للتضحية من أجلها.. تحلم ديزي بالوقوع في الحب، وبالذهاب إلى لوس أنجلس، وتبدو منذ تلك اللحظة قد تشبثت بفكرة الانفصال جراحيا عن شقيقتها، أما فيولا فهي أكثر خضوعا لا يمكنها أن تتخيل الانفصال عن ديزي.

الممثلتان أجادتا القيام بدور التوأم الملتصق، والأهم أنهما عبرتا وبشكل مؤثر عن معاناة الالتصاق، والمعاناة الأخرى التي ستولد من الفراق

رغم ذلك تخوض الفتاتان معا مغامرة الخروج عن “الأسر” العائلي، والتمرد على واقعهما، فتهربان معا بحثا عن تدبير مبلغ 20 ألف يورو تكاليف إجراء العملية الجراحية، بعد أن اكتشفتا أن والدهما بدد المال الذي كسبه خلال السنوات الماضية في القمار، وبعد هروبهما تنشب مشاجرات حادة بين الأب الذي يتخلى عنه مساعدوه، والأم الغارقة من البداية في الخمر والمخدرات.

ما الذي سيحدث لهاتين الشقيقتين الملتصقتين؟ وهل يستسلم والدهما للأمر الواقع؟ ومن الذي يمكنهما التعويل عليه؟ هل سيساعدهما القس؟ وهل سيفي منظم الحفلات بوعده؟ وما هذا العالم الغريب الذي يتحول من الواقع إلى الخيال المتوحش الذي يتتالى أمامنا على الشاشة وكأننا ارتدَدْنا من القرن الحادي والعشرين إلى الماضي السحيق؟

كلها تساؤلات يجيب عنها الفيلم في مشاهده النهائية، من خلال لغة سينمائية رفيعة، واستخدام بديع للموسيقى والأغاني. ويظل الأداء التمثيلي أكثر العوامل قوة في الفيلم إلى جانب التصوير والمونتاج والسيطرة الكاملة على المكان، وتصوير العلاقة بين الشقيقتين.

عن التمثيل

لدينا ممثلتان مبتدئتان هما أنجيلا فونتانا وماريانا فونتانا، وهما شقيقتان توأم ولكن غير ملتصقتين، ورغم ذلك فقد أجادا كثيرا القيام بدور التوأم الملتصق، والأهم أنهما عبرتا بصدق وبشكل مؤثر عن معاناة الالتصاق، والمعاناة الأخرى التي ستولد من الفراق عندما يحدث.

ويتميز أداء الاثنتين في أول أفلامهما، خاصة في مشاهد الغناء (هما أصلا مغنيتان) والمشاجرات التي تقع فيما بينهما بسبب إصرار ديزي على إجراء العملية ورفض فيولا التي تميل أكثر إلى القبول بالقدر والمكتوب.

ماسميليانو روسي الذي قام بدور الأب “بيب” ينجح بملامحه الذابلة، وشعره الطويل الفوضوي، وحركات جسده وتعبيرات وجهه التي تشي بنوع من الجشع والجنون، في تجسيد شخصية الأب الذي يستغل عاهة الابنتين للحصول على المال، كما يتميز أداء أنطونيا تروبو في دور الأم المدمنة التي يستيقظ وعيها تدريجيا لتدرك كيف ساهمت بسلبيتها وأنانيتها في دفع ابنتيها إلى الفرار نحو مصير كاد يفضي إلى مأساة.

وتكمن براعة المخرج إدواردو دي أنجليس في قدرته على قيادة فريق العاملين بالفيلم، من تقنيين وممثلين، بحيث يشعر كل من يشاهد العمل بأنه أمام “كل لا يتجزأ” من الناحية الفنية، فجميع العناصر تتضافر معا لتقديم تلك الرؤية البديعة لموضوع مبتكر يحمل من المتعة والتشويق بقدر ما يحمل من فكر وفلسفة، وهذه هي عظمة الفن الأصيل.

16