كل ما يجري الآن في مصر يدعو إلى الدهشة والأسف

التنوع هو ما يرفد التجارب الإبداعية والكتابية الجادة، حيث ليس على الكاتب أن يحصر قلمه في جنس أو نمط كتابي واحد، بل يثبت تأمل بسيط في تاريخ الأدب العالمي وحتى العربي أن أنجح التجارب الكتابية كانت لأولئك الذين آمنوا بأن الكتابة عمل جدي ومفتوح لا ينحصر في جنس أو عرق أو لون أو غير ذلك. “العرب” التقت الكاتبة والباحثة المصرية بسمة عبدالعزيز وكان لنا معها هذا الحوار حول تجربتها المتنوعة.
الجمعة 2016/09/16
مشروعي هو تقويض أوجه السلطة المهيمنة على حياتنا

تنوعت تجربة الكاتبة المصرية بسمة عبدالعزيز بين الكتابة البحثية والفكرية والروائية، ما جعلها تكون من أبرز أسماء جيلها في مجال الكتابة الإبداعية والبحثية، فهي الروائية القاصة والفنانة التشكيلية والناشطة السياسية، التي قدمت للمكتبة العربية ثلاثة من أهم الكتب البحثية والفكرية تشتغل فيها على كشف استبداد السلطة المهيمنة على المجتمع المصري بدأتها بكتاب “إغراء السلطة المطلقة”، ثم جاء كتابها “ذاكرة القهر” بمثابة تقويض وكشف للممارسات الاستبدادية التي تلعبها السلطة ضد هؤلاء الذين لا ينتمون إلى أي أيديولوجيات وانتماءات سياسية أو دينية.

تعرّف عبدالعزيز الكتابة على أنّها شرف، وأنها ليست بالأمر الهين، لذلك هي تمارس لعبتها المفضلة في الكشف وتسليط الضوء عبر الاشتباك مع سلطات القهر والاستبداد، ومن هذه الخلفية جاء كتابها الموسوم “سطوة النص… خطاب الأزهر وأزمة الحكم”، أحد أهم الكتب التي تؤرخ وتفكك خطاب أبرز المؤسسات الدينية الرسمية في العالم العربي، حيث تكشف وتحلل بجرأة علمية وبمنتهى الحيادية الوقائع التي جرت.

شجاعة التفكيك

يبدو أن الجرأة وكشف الواقع تيمة واحدة تشغل منجز كتابات بسمة عبدالعزيز الإبداعية والبحثية على حد السواء، عن هذا تقول ضيفتنا “يمكنني البدء من آخر كتاب أصدرته وهو ‘سطوة النص: خطاب الأزهر وأزمة الحكم‘، فالتصدير الذي قدمته مفتتحا للكتاب يلخص المشروع الذي أحاول إنجازه به، وهو تقويض أوجه السلطة المهيمنة على حياتنا، تلك التي تستخف بإرادة البشر وتتلاعب بعقولهم. لا يمكن حصر أوجه هذه السلطة في الممارسات السلبية المتعلقة بالقمع البوليسي، فثمة أوجه أخرى يمكن عبرها ممارسة التوجيه والقمع الفكري، منها السلطة الدينية والسياسية والمجتمعية، وفي مشروعي أحاول بذل كل جهدي لمواجهتها وتعريتها ومقاومة تلاعبها بوعينا جميعا”.

كشف الواقع تيمة تشغل منجز كتابات بسمة عبدالعزيز

أما عن انشغالها في كتابها “سطوة النص” فجاء متعلقا بدراسة علم تحليل الخطاب، وتشير عبدالعزيز إلى أنه علم لم يأخذ حقه في مصر، رغم أن للمغرب العربي فيه باعا ومنجزا شديد الأهمية. وربما بدأت الإرهاصات الأولى لعلم تحليل الخطاب على يد ابن خلدون إلا أن ثمة قطيعة حدثت ليختفي الاجتهاد والتطوير في لبناته الأولى فترة زمنية طويلة، ثم تظهر مبادرات قوية وشديدة الأهمية في المغرب والبعض من الدول العربية الأخرى، وحاليا هناك علماء يلعبون دورا رائدا في تحليل الخطاب بمصر مثل الباحث عماد عبداللطيف الذي يهتم على وجه التحديد ببلاغة الجماهير وله فيها دراسات أصيلة وشائقة.

وجاء اهتمامها بخطاب مؤسسة الأزهر بدءا من عام 2013، حيث رأت أن الدور الذي يؤديه الأزهر دور سياسي في المقام الأول، وبعيد عن الدور الديني المنوط بمؤسسة الأزهر وشيخها الالتزام به.

تقول ضيفتنا “مهمتي الأولى كانت تفكيك هذا الخطاب وتحليله، وحين بدأت رحلة البحث لم تكن لي معرفة مسبقة بأسس وأدوات ومناهج علم تحليل الخطاب، فرحت أقرأ قراءة معمقة ومطولة، وتعرفت على أهم الدارسين والمهتمين بعلم تحليل الخطاب”.

واجهت بسمة عبدالعزيز الكثير من الصعوبات في بحثها تذكر منها على سبيل المثال المقابلات التي يفترض أن تجريها الباحثة مع الجماعة الممارسة، وهي الجماعة التي قامت بصياغة الخطاب. الكثيرون تنصلوا من مقابلتها وآخرون طلبوا عدم ذكر أسمائهم بعد أن أدلوا بمعلومات مهمة، بالإضافة إلى أن المشرف على الرسالة رفض مناقشتها بعد أن انتهت منها، وعليه تحولت رسالة الماجستير إلى كتاب “سطوة النص” والذي اعتذرت الكثير من دور النشر عن طباعته خوفا من العواقب، ومن ثم لم تكن هناك إمكانية لخروج الكتاب إلى القارئ دون وجود ناشر حقيقي يتفهم جدوى كتاب يحلل ويفكك خطاب مؤسسة الأزهر في هذه الفترة الحرجة والشائكة من تاريخ مصر، كما تقول ضيفتنا.

حرية كاملة

علاوة على أهمية قلمها البحثي، كتبت عبدالعزيز الرواية أيضا ولها عدد من الأعمال الروائية منها رواية “الطابور” التي ترجمت إلى الإنكليزية، تقول عبدالعزيز معلقة على ذلك “ترجمة رواية ‘الطابور‘ جاءت عن طريق المحرر الذي عمل بدار التنوير، وقت إصدار الرواية، وقد اهتم بها كثيرا وأهدى نسخة لمترجمة أميركية عاشت في القاهرة وقت الثورة، وأُجري لقاء بيني وبينها، حيث طلبت مني أن أسمح لها بترجمة فصل من فصول الرواية بحماسة، والحق أنني وجدت فيها قارئة عميقة وصاحبة رؤية خاصة، قادرة على استشفاف ما وراء النص وكان هذا مفاجئا لي، وقد ترجمت بالفعل فصلا من الرواية من العربية إلى الإنكليزية، وتم نشره في موقع مدى مصر، وعرفت في ما بعد أنها تقدمت بهذا الفصل الذي تمت ترجمته إلى مسابقة مهمة هي English Pen Translation وقد فازت بها”.

تفكيك للخطاب وتحليله

وعن رأيها في الترجمة من العربية إلى الإنكليزية، تشير عبدالعزيز إلى أنها كانت قد تابعت خطوة بخطوة عملية ترجمة الرواية، وتأكدت من خلال هذه التجربة أن الترجمة عمل شديد المشقة وشديد الإجهاد خاصة عند هؤلاء الذين يدركون قيمة القارئ والنص الذي يقدمونه له.

نتطرق مع ضيفتنا إلى الحديث عن الجوائز في مشوارها الإبداعي والبحثي، حيث حصلت عبدالعزيز على العديد من الجوائز، لكنها تقول إنها لا تكتب للحصول على جائزة، فسعادة إنهاء عمل أدبي أو بحثي تفوق أي سعادة أخرى. أما عن وقع وآثار اشتغالها بالطب النفسي على ما تقدمه من إبداع، فتؤكد الكاتبة أن دراسة علم النفس والطب النفسي قد أفادتها كثيرا، وجعلتها أكثر قدرة على فهم الواقع، وبالنسبة إلى استقاء حالات وشخصيات من مجال عملها فهي تقرر أنها تخشى الاقتراب من هذه المنطقة، وأنها لا يمكن أن تقدم على هذا لأنها تراه في إطار البوح بأسرار لا يجوز لها استخدامها بأي وسيلة فنية أو غير فنية، وعن ذلك تقول “ثمة خط فاصل أحافظ عليه بين العمل والكتابة الإبداعية”.

في ما يتعلق بالراهن الذي تعيشه مصر الآن، تقول عبدالعزيز “يمكن وصفه بالعبثي، هو مشهد مخيب ولا يمكن لنا التنبؤ بشيء، كل ما يجري الآن يدعو إلى الدهشة والأسف، ثمة نظام فاشل حتى في إدارة الفساد”.

وعما يشغل عبدالعزيز الآن تقول “أشتغل على عمل بحثي متعلق بتحليل الخطاب، وعلى وجه التحديد بلاغة الجمهور”.

وتضيف “أسعى بكل ما أوتيت من أدوات نحو الحرية، الحرية الكاملة غير المنقوصة والمبنية على فهم وإدراك وبصيرة. أسعى إلى تقويض أوجه القمع على اختلافها، وأتمنى أن أوفق في سعيي هذا”.

15