كل موجة عنف تعصف بليبيا يدفع الصحافيون جزءا من ضريبتها

في ظل الواقع الأمني الليبي وغياب قانون الصحافة والإعلام، من الصعب تحديد العوامل المسؤولة عن تدهور الإعلام الليبي، إلا أن مشكلات خطيرة تحتاج إلى اتخاذ خطوات جدية للحد من هذه المشكلات وفي مقدمتها تزييف الحقائق وتضليل الرأي العام.
الجمعة 2016/09/09
لا يمكن الحديث عن إعلام مستقل في ليبيا

لا تحتاج معرفة وضع الصحافة في ليبيا إلى مؤشر سنوي أو أرقام توزيع المطبوعات، فالصحافة الورقية متعثرة وما يصدر من مطبوعات لا يصل إلى أماكن بعيدة من بلاد تشهد نزاعات مسلحة سياسية واجتماعية، أما الوسائل المرئية والمسموعة العامة والخاصة، داخل البلاد وخارجها فتتبع صاحب التمويل واتجاهاته وميوله السياسية أو المالية، وبالتالي لا يمكن الحديث عن صحافة مستقلة بمعنى الكلمة.

ويقول سالم أبوظهير مدير تحرير صحيفة فسانيا “للأسف الصحافة في ليبيا ليست مستقلة على الإطلاق. ورغم تخلصها من خانة الصحافة الأحادية الموجهة خلال أربعة عقود مضت وتحولها إلى صحافة تعددية يفترض أن تكون حرة، فإنها فشلت فشلا ذريعا في أن تنال استقلالها”.

ويضيف أبوظهير “جريدة فسانيا تعاني من صعوبات لا يتسع المجال لذكرها، أهمها أنها لا تطبع بانتظام، واليوم توقفت عن الصدور ورقيا وإلكترونيا”.

وتابع مبينا “فسانيا تتبع هيئة الصحافة بالاسم المطبوع على صفحتها الأولى فقط وفي المراسلات الرسمية، وفي غير ذلك لم تقدم الهيئة لصحيفة فسانيا أبسط ما تحتاجه من توفير مستلزمات العمل الصحافي إضافة إلى إيقاف مرتبات المحررين والعاملين بالصحيفة”.

وتؤكد تقارير المنظمات الدولية الوضع المتردي للصحافة الليبية، حيث احتلت ليبيا المرتبة 164 عالميا في مؤشر منظمة “مراسلون بلا حدود” بداية هذا العام 2016 حول الحريات الصحافية في العالم، مسجلة تراجعا عن العام الماضي بـ10 مراتب.

ويستند هذا التصنيف على قياس حالة حرية الصحافة، انطلاقا من تقييم مدى التعددية واستقلالية وسائل الإعلام ونوعية الإطار القانوني وسلامة الصحافيين في 180 بلدا.

ويرى الصحافي الليبي سالم الهنداوي أن ما يعني الصحافيين من الإعلام ليس “المؤسسة” الإعلامية، سواء كانت عامة أو خاصة، ووسائلها المتعدِّدة أو المُحدَّدة، وسياساتها.. إنما ما يعنيهم ويهمُّهم حقا في هذا الظرف، هو “الإعلامي” الأساس القائم والمؤثر في ماهية المؤسسة، لذلك يجب التوجه بالمشروع الوطني لتأهيل وتنمية الكوادر الإعلامية، بمنطلقات شرف المهنة ومبادئها السامية، وتأهيل هذا “الأساس” على مستوى الفهم والوعي وإدراك حجم المخاطر، حينها تكون “المؤسسة” في صميم المسؤولية الأخلاقية للمهنة، قبل المسؤولية القانونية.. وسيكون بالإمكان الدفاع عن حقوق “الإعلامي” من سطوة المؤسسة، وبالتالي مُحاسبة المؤسسة وإلزامها بتطبيق المعايير وضبط مستوى الأداء.

سالم الهنداوي: علينا تأهيل الإعلامي ليكون جديرا بمبادئ المهنة قبل تقويم دور المؤسسة ورعايتها

وفي غياب قانون الصحافة والإعلام، لا يمكن تحديد من المسؤول عن تدنّي مستوى الأداء الإعلامي، ومن غير الممكن حماية المهنة من تبعات الإغراء المالي ودفع الإعلاميين للانحراف، في سلسلة جرائم تزييف الحقائق وتضليل الرأي العام، وهي السابقة اللافتة في تاريخ الإعلام الليبي.

وتغيب المتابعة القضائية للإعلامي الُمنحرف، الذي يعمل لدى مؤسسة تفتقر إلى مبادئ وأخلاقيات المهنة.. وما ترتكبه هذه المؤسسة من تزييف للحقائق، يرتقي إلى مستوى الجريمة التي تهدِّد الوعي العام، وما يترتَّب عن هذا الإخفاق المهني من تداعيات سلبية تهدِّد أمن الوطن والمواطن.

ويقول الهنداوي “في غياب القانون المنظِّم للمهنة، وفي ظِل فوضى الفساد المالي والإداري والسياسي، لا نستطيع بناء مؤسسة إعلامية واحدة يكون بمقدورها الالتزام بخطابِ إعلامي نزيه ومتّزن، يقبله الجميع دون التعرُّض لقمع السُّلطة وأصحاب المصلحة والنفوذ”.

وأكد قائلا “علينا إعداد ميثاق شرف للمهنة، وتأهيل الإعلامي ليكون جديرا بمبادئ المهنة، قبل تقويم دور المؤسسة ورعايتها، ليكون الخطاب الإعلامي واعيا بخطورة المرحلة والتباساتها، وليكون في مستوى التحدِّيات الراهنة… خارج مغريات مؤسسات استحوذت على المال واتخذت من وسائل الإعلام منابر للحرب والفتنة وتأجيج الكراهية”.

ويعد الخطاب التحريضي الداعي للفتنة والكراهية إحدى أهم مشكلات الإعلام الليبي، التي حذر من خطورتها العديد من الصحافيين والإعلاميين، وضمن خطة اليونسكو لإصلاح وتطوير الإعلام الليبي، قام الصحافي فتحي بن عيسى، برصد يومي لمفردات الكراهية والسب والقذف والاتهامات دون أدلة، ومفردات تدل على المصالحة، في القنوات الليبية، ليصل إلى “نتائج صادمة”.

وقال بن عيسى “حرية التعبير لا تعني التحريض على العنف ولا تعني بث الكراهية، ولا تعني الاتهامات دون أدلة، هناك فرق بين التشهير وحق التعبير، ويمكن الرجوع للعهد الدولي الإنساني، خصوصا المادة 19 منه المعنية بحرية التعبير”. وأضاف “في ما يخص رأس المال تبين من خلال الدراسة أن أغلب وسائل الإعلام الليبية وبنسبة تصل إلى 90 بالمئة، لا تفصح عن مصدر تمويلها ولا هوية رئيس مجلس إدارتها ولا أعضاء هذا المجلس”.

وأشار إلى أن “الإعلام الليبي أسير لرأس المال المبهم… الإنسان تحركه فكرة والإعلام هو من يزرع هذه الأفكار، لهذا فإن للإعلام دورا كبيرا في شيطنة الخصوم وتضخيم الأحداث بل أحيانا فبركتها”.

ورصدت مجموعة حريات للتنمية وحقوق الإنسان وجمعية المراقب لحقوق الإنسان من خلال متابعتها لخطاب وسائل الإعلام ومواقع التواصل الليبية تحريضا على الكراهية والتمييز العنصري، والدعوة للعقوبات الجماعية، واستخدام العنف للتغير السياسي، التحريض على العنف الجسدي للخصوم، ومباركته في بعض الأحيان بمزاعم حماية الثورة والوطن ودماء الشهداء.

ويشير مسؤول برنامج المناصرة والمساعدة الطارئ بالمركز الليبي لحرية الصحافة نزار إبراهيم إلى أن الإحصائيات التي ذكرها في التقرير السنوي لهذا العام ليست مجرد بيانات علمية بل إنها تعبر عن عمق المحنة وأنين الضحايا الذين لا يزالون حتى الآن يقعون فريسة الفوضى ورهينة للاستقطاب السياسي والعسكري الحاصل في ليبيا.

وأضاف “مع كل موجة عنف جديدة تعصف بالبلاد يدفع الصحافيون جزءا من ضريبتها. الظروف وتداعياتها عادة ما تتحكم في بوصلة الاعتداءات التي تقع عليهم، والجماعات المسلحة غير النظامية هي دائما ما تتصدر المشهد كأكثر الأطراف عداوة للصحافيين وحرية الإعلام”.

18