كل نفي وأنتم بخير

الثلاثاء 2014/05/27

لم يتسلل النوم إلى عيني المسؤول الأمني تلك الليلة. فخبر في جريدة جعله في سهر وقلق هو وآخرون من جهات مختلفة في تلك الدولة، خاصة ذلك الوزير الشاعر المتهالك على نظم قصيدة لا ينتقدها الذواقة.

لم يكن الخبر المتسرب عن اعتقال خلية إخوانية، هو ما أغضب المسؤول الحكومي السعودي، بل الكشف عن اسم دولة لا يريد لاسمها أن يظهر في الخبر وفي اليوم التالي هناك اجتماع مهم مع مسؤولين من تلك الدولة، وقد تعكر قراءة الخبر مزاج الضيف العزيز.

في السابعة والنصف ركب المسؤول سيارته ليسلم الوزير الشاعر بيانا ينفي الخبر، نريد لاجتماع اليوم أن يمرّ على خير، والجماعة في الدوحة سيمتثلون ويطبقون القرارات ولا نريد أن نظهر وكأننا نضغط عليهم، فلنعاملهم بالحسنى فهم صغار ونزقون ولديهم من المال ما يغنيهم عنا.

لكل مسؤول حسابات تختلف عن حسابات الإعلامي. فهو يدير مصالح دولة ويعد نفسه رجلها الذي يتولى قيادة السفينة أو جزء منها، لكي ترسو في موانئ الاستقرار والقوة والمنعة، وتتفادى الاصطدام بصخور الفوضى والضعف.

ولكن أن يصبح رجل الدولة متفرغا لنفي ما يكتبه الإعلامي، ويغرق في النفي، ثم ينفي النفي، دون أن يكون على علم أو اطلاع بما نشر في الصحافة المحلية من أخبار تثبت أن ما نفاه كان واقعة حقيقية، فهذا ما يرسم علامات استفهام، ويصيبنا بالدهشة!

يخرج المسؤول في عالمنا العربي ليلقن الإعلامي دروسا في المواثيق والمصداقية، ويوجه رسائل تنظيرية إلى إعلام لا سلطة له عليه ولا يعمل ضمن مؤسساته المليارية، وقبل أن يعود إلى مكتبه تخرج صحيفة محلية لتثبت ما نشر في الخارج ونفاه المسؤول، ولتقول للمسؤول إن ما قلتَه غير صحيح بل إنك كنت تداهن في صبيحة يوم نفيك دولة تآمرت على بلدك، وأنت المسؤول عن أمنها وتعرف حجم المؤامرة.

حالة الوهن والضعف والتخبط في مواجهة الخصم هي “ما تجعل من القط أسدا”، وهي التي تساعده على الإمعان في غيه. وتفرغ المسؤولين للنفي دون تقديم الحقيقة للشعب يجعلهم يبدون مشاركين في المؤامرة، حتى وإن كانوا لا يعلمون بما يفعلونه.

والأمر المهم في الإعلام الذي لم يع المسؤول درجة خطورته ومسؤوليته، إن أهمية الصحف تبرز في قدرتها على إخراج المسؤول من عرينه ليتفرغ لها. لمرتين في الشهر الواحد، على المسؤول أن يخرج على الناس ويصرف من وقته لتناول القضايا المطروحة، والتعليق عليها بما يناسب، لا سيما أنه يواجه، يوميا نهرا من المعلومات عن بلاده.

قواعد الإعلام ومكاشفة الرأي العام تغيرت ويجب أن تصبح في شفافية متناهية الوضوح، لا أن ننفي ثم ننفي ونستعد للنفي الثالث والرابع والخامس ونحن نعلم أن ما ننفيه هو الحقيقة، ثم يفضحنا الله على رؤوس الأشهاد وفي وسائلنا المحلية.

وقد قال الشاعر يوما:

وليس عتابُ الناسِ للمرءِ نافعا

إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه

وكل نفي وأنتم بخير.

24