كل هذا الشغف بالمكان

الثلاثاء 2015/10/06

كل مرة خلال زيارتي إلى الجزائر أقرر أن أزور بجاية، ولم أفلح، وقد عزمت هذه المرة أن أهزم أي سبب يحول دون زيارتي لها، ولا سيما أن الشمس الدافئة في الجزائر، وأنا أتنقل من العاصمة إلى عنابة ثم إلى قسنطينة، كانت تمنحني القوة والعزيمة وشوقا أكبر. وقد تمت العملية هذه المرة وكالمعتاد بمساعدة الأصدقاء الجميلين الذين هم ذخر للحياة.

كانت صديقتي الجميلة الروائية ديهية لويز تنتظرني بالقرب من محطة القطار لننطلق من العاصمة إلى مدينتها بجاية. وصلنا ليلا بعد زهاء خمس ساعات في الطريق قضيتها في الخيال والنوم، وما كان يتسنى لي مشاهدته من النافذة؛ سهول شاسعة، وسماء صافية زرقاء، ببعض من كتل الغيوم الصغيرة الجميلة تلك، والتي اعتدت رؤيتها في الجزائر غربا وشرقا، وشمالا (لم أزر الجنوب بعد).

حين وصلنا كان الليل قد بدأ، أول ما شدّ انتباهي كانت المحطة الصغيرة الجميلة بمقاعدها الخشبية، وطابعها القديم الذي قيل لي إنه يعود إلى فترة الاستعمار، نحو بيت صديقتي، في وسط المدينة، عبرنا في الظلام أزقة وأحياء قديمة في غاية الفتنة والحضور. مرّة ثانية أجد مدينة أعرف أنها سوف تبقى تسكنني إلى الأبد؛ تلك الجدران البيضاء، والمنعطفات الصغيرة التي نمرّ منها أنا وديهية، وهي تشرح لي عنها، وتريني في ما بعد صورة تعود إلى عشرات العقود من نفس المكان، والمباني التي بقيت على طرازها القديم بطوابق لا تتجاوز الثلاثة أو الأربعة، وتلك الروح السائرة فيها، سوف ترافق روحي أينما سأكون.

لم تكن هذه كلّ الحكاية، فالصبح أتى وكان في جعبته ما يشبه السحر. شربنا القهوة أنا وديهية، في ساحة جميلة بالقرب من بيتها، ساحة غيدون Gueydon، تبين لي بعد حديثها وملاحظة كثير من رواد المقاهي الواقعة في الساحة أنها الساحة الرئيسية في المدينة، وقد شهدت أحداثا تاريخية مهمة، وتغيّر اسمها بعد الاستقلال إلى ساحة أول نوفمبر (عيد الثورة الجزائرية).

ثم توادعنا أنا وصديقتي لتسلمني بيد بجاية، وبيد تلك الساحة الساحرة المطلة على البحر التي لم أستطع أن أغادرها بعد ذهاب صديقتي؛ طلبت مزيدا من القهوة ومزيدا من الحليب، وبقيت مندهشة؛ جلستي تلك على ذلك الكرسي الأخضر، البحر القريب، الشبابيك الخشبية من حولي، الفرن القديم على يميني، والفندق الصغير الذي لم أفلح في تحقيق أمنيتي للبقاء فيه لليلة واحدة بسبب كونه قيد الترميم، الأشجار الكبيرة في الساحة، فكل شيء كان قد خلق لي شعورا أشبه بخلسة الصوفيين.

كل هذه الأشياء كانت ولم تكن هي وحدها فحسب؛ كنت أشعر أن شيئا ثقيلا وكثيفا و”محبّذا” قد جثم على قلبي وأنا هناك، كأني كنت سأقع في حب أسطوري ببجاية ولا أعرف (ولم يحدث)، كأن رجالا أحببتهم أو سأحبهم بقوة مروا من هناك وأنا أحاول أن أشمّ شذى المكان بقوة ليدخلوا كياني، كان يمكن أن أبقى في تلك الساحة، قبالة البحر والسماء والسفن البعيدة حتى يمرّ وقت الوجود كله، وينتهي.

وكل هذا خلال ساعات الصباح في بجاية، قبل أن أكتشف الكثير من الأماكن الجميلة الأخرى، وقبل أن ينبهني صوت اتصال ديهية لتخبرني بمجيء صديقة أخرى لمرافقتي. أسرعت مشيا على الأقدام نحو محطة القطار، وجدت الطريق ووصلت إليها، فكان من المستحيل ألا أعود إليها لأصوّرها.

ولهي كان يزداد لحظة بعد لحظة، ففي ساعات أخرى ويوم آخر شملت زيارتي لبجاية لقاء أصدقاء آخرين في غاية اللطف الأمازيغي الأصيل؛ سمعت معهم أغانيهم الجميلة، ورافقنا صوت “معطوب ونّاس″، المطرب الأمازيغي الجميل الذي عندما شاهدت عينه لأول مرة وهي بارزة على غلاف السي دي بين أقراص أخرى في سيارة صديقتي ظننت أنها عين مطربي المفضل “جاك بريل”، عرفت أنه من هنا، وقد اغتيل على يد الإرهاب في “العشرية السوداء” بالجزائر، صعدت معهم جبلا يؤدي إلى مرقد “يمّا قوراية”، وزرت قرية قد لا يراها الإنسان إلا في الأحلام، هي والطريق الجبلي المؤدّي إليها…

منذ متى وكيف بدأ عندي هذا الشغف بالمكان؟ هذا لا يهم أبدا، ما يهم هو أن وجودي سيصبح يوما بعد يوم خلاصة ما زرت من أماكن سحرتني، ليس إلّا.

شاعرة ومترجمة من إيران

14