كل وسائل الإعلام غطت الحادث إلا الإعلام المصري

الاثنين 2017/10/23
من حق المصريين إدراك الحقيقة

القاهرة – غابت وسائل الإعلام المصرية عن تغطية حادث الواحات، الذي شهد مقتل 17 وإصابة 19 آخرين من الشرطة المصرية، في مذبحة لم تلق اهتماما إعلاميا واسعا.

ويقول خبراء في الإعلام إن القنوات الفضائية المصرية والصحف “غُيّبت” عنها المعلومات عمدا من قبل أجهزة حكومية، وهو ما منح الفرصة لبعض وسائل الإعلام الأجنبية لتتفوق عليها في الحصول على معلومات بدت مقنعة لكثيرين على مستوى تحليلها الأمني والسياسي.

هنا تجدد السؤال بشان مدى احتكار جهاز الأمن للمعلومات بمفرده، وترك المجال العام للتكهنات والتخمينات والشائعات، والتي بدأت تستقطب قطاعات من المواطنين، وفقدت الثقة بذلك في ما يتم إعلانه من بيانات رسمية، لأنها لا تحترم عقل الجمهور، بل وتثير المزيد من البلبلة حيال طبيعة الحرب الجارية ضد الإرهاب والفواصل الرئيسية بين المنطق واللامنطق فيها.

وتجري تحقيقات أمنية في مصر للوقوف على ملابسات ما حدث، وتقصي حقائق بشأن ما أذاعه الإعلامي أحمد موسى القريب من وزارة الداخلية (تم وقف برنامجه الأحد) من معلومات في برنامجه في إحدى الفضائيات المحلية، تؤكد إهانة كبيرة تعرض لها ضباط وجنود الشرطة على يد الإرهابيين.

ومنذ وقوع الحادث وحتى بعد دفن جثامين الضحايا وإعلام وزارة الداخلية، تحاول وسائل إعلام مصرية تفنيد تقارير نشرتها وكالات الأنباء الغربية بشأن المذبحة والإهانات التي تعرض لها جهاز الشرطة، وكما تفرغت للتشكيك في عدد الضحايا الذي أعلنته وكالات الأنباء.

عدد كبير من الفضائيات المصرية تعاملت مع الحادث كأنه لم يقع من الأساس، وأذاعت برامج ترفيهية ومسلسلات وناقشت قضايا جانبية لا تتعلق من قريب أو من بعيد بما يحدث

وأحدثت المعالجة السيئة حالة من السخط الشعبي بعدما استمر الصمت الإعلامي لنحو يومين متواصلين، وتعاملت مختلف الصحف والقنوات الحكومية والخاصة مع الحادث بتجاهل شبه تام، ما أعطى فرصة لبث معلومات والترويج لشائعات، خاصة ما يتعلق بعدد الضحايا في صفوف قوات الأمن.

وتعامل عدد كبير من الفضائيات المصرية مع الحادث كأنه لم يقع من الأساس، ودأبت على إذاعة برامج ترفيهية ومسلسلات ومناقشة قضايا جانبية لا تتعلق من قريب أو من بعيد بما يحدث، ولم تعرض أي مشاهد بشأن حقيقة ما يجري من معركة دموية مع الإرهابيين في الواحات.

أما الصحف، فبعضها تطرّق على استحياء لـ”استهداف الأمن بؤرة إرهابية” دون ذكر تفاصيل، والبعض الآخر تجاهل الأمر تمامًا، واعتبر الحادث كأن لم يكن، عكس صحف عربية وغربية استطردت في ذكر تفاصيل كثيرة عن طبيعة ما يجري على الأرض وكتابة معلومات واجتهادات أقرب إلى الحقيقة.

ويرى خبراء أن الحادث كشف عمق الخلل الذي أصاب الإعلام المصري في التغطية وقت الأزمات، وكأنه التزم الصمت لتجنب غضب الجهات الحكومية عليه، كي يحافظ ملاّك الصحف والفضائيات الخاصة على مصالحهم مع الحكومة.

وهو ما ظهر عكس الخارجي الإعلام العربي والدولي الذي تمتع بنسبة أعلى من الاستقلالية وتعامل بمزيد من المهنية لمواكبة الحدث.

وقال هؤلاء إن التضييق على الإعلام له أضرار كثيرة، ويعطي الفرصة للمنصات المعادية أن تبث الشائعات مستغلة ضعف المعلومات الرسمية، وتحقيق مكاسب سياسية، على غرار ما فعلته قنوات الإخوان عبر نشر أرقام غير حقيقية عن الحادث في ظل استمرار الصمت المصري وتجاهل المسؤولين تقديم معلومات دقيقة.

وقال حمدي الكنيسي، رئيس نقابة الإعلاميين لـ”العرب” إن “من مهام الحكومة تقديم المعلومات للإعلام لأن التعتيم على أيّ حادث يسمح لمنصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المعادية، بإطلاق خيالها لعدم وجود جهة تقدّم المعلومة الصحيحة.

لكن ذلك لا يبرر الصمت المريب لكثير من وسائل الإعلام، فدورها البحث وراء المعلومة بشتى الطرق حتى لا يكون بديل المشاهد هو الإعلام صاحب الأجندات الخاصة.

وأضاف الكنيسي أنه “في أحيان كثيرة تتعمد الحكومة إخفاء المعلومات لحين توثيقها لأن نشرها يؤثر على الأمن القومي، لكن ذلك لا يعطي الشرعية لوسائل الإعلام إدارة ظهرها للرأي العام”.

ورأى خبراء إعلام أنه يصعب فصل التجاهل عن حالة وجود توجيهات أو تعليمات مباشرة أو غير مباشرة بإيعاز من أجهزة أمنية للتغطية على حقيقة ما يجري على الأرض من خسائر كبيرة في صفوف قوات الأمن.

واستنكر محمد المرسي، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، الحالة التي ظهر عليها الإعلام المصري وقت الحادث.

وفي الوقت الذي يدافع فيه اعلاميون وملاك صحف عن موقفهم بشح المعلومات التي كانت تصدر عن أجهزة الأمن، قال المرسي لـ”العرب” إن “دور الإعلام حتى مع غياب البيانات الرسمية أو عدم احتوائها على معلومات مهمة، يجب أن يتمركز حول البحث عن المعلومة والتحليل بطريقته الخاصة”.

وشدد عمادالدين حسين، رئيس تحرير صحيفة الشروق (الخاصة)، على أن الحكومة مسؤولة عن جزء معتبر من الأزمة التي صاحبت التغطية وقت حادث الواحات، لأنها لا تبادر بتقديم المعلومة.

وأشار حسين في تصريحات لـ”العرب” إلى أنه “لا تحبذ أي وسيلة إعلامية أن تكون متهمة بغياب المهنية، وبالتالي فالكثير يلتزم بالقواعد”. ورأى أن “عدم تسليط الضوء على الأحداث كان لغياب المعلومة الموثقة لعدم انتهاج وسائل الإعلام سياسة الاجتهاد”.

7