كمال الدين فخار أمازيغي إباضي يزعج السلطة الجزائرية حيا وميتا

فخار كرّس حياته للدفاع عن هوية وشخصية الإباضيين الأمازيغ في غرداية، ودخل في صراعات مستميتة مع رموز السلطة.
الثلاثاء 2019/06/04
جريمة عنصرية طائفية في لحظة حساسة

شيع آلاف الجزائريين السبت في العاصمة الجزائر الناشط الحقوقي كمال الدين فخار الذي توفي الأسبوع الماضي في مستشفى البليدة، بعد نقله في حالة غيبوبة من سجن غرداية جنوب البلاد حيث كان قد أضرب عن الطعام منذ توقيفه نهاية مارس الماضي، بتهمة المساس بأمن الدولة.

وأقيم مجلس عزاء بجوار المقبرة، نادى فيه المشاركون بضرورة تفعيل المادتين 7 و8 من الدستور، اللتين تجعلان من الشعب مصدرًا للسلطة.

 وأكد زملاء الفقيد فخار أنّ الطريق واضح و“الاستفتاء الذي قدمه الشعب في 15 من جُمع الحراك، ليُغني عن أي استفتاء آخر“. وطالب المشاركون في التشييع بضرورة ”إسناد المرحلة الانتقالية لمن يحظى بموافقة أغلبية الشعب لتولي مسؤولية قيادة الوطن، نحو انتخابات حرة ونزيهة، وذات مصداقية“.

لقد أحرج فخار السلطة الجزائرية بنضاله وهو حي يدافع عن أفكاره وتصوراته السياسية والفكرية، وأحرجها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، في السجن المؤقت بعد أسابيع من الإضراب عن الطعام، احتجاجا على توقيفه التعسفي. وموته حسب كثيرين، سوف يبقى وصمة عار تلاحق سلطات البلاد، وهي تواجه ثورة شعبية غاضبة، فقد كانت في غنى عن ارتكاب مثل هذه الحماقة السياسية. وقد يكون رحيله فتيلا إضافيا في وقود أزمة البلاد.

الانزلاق

فرحات مهني يتبنى الخط الفرانكفوني، وينظر إلى الدولة الجزائرية كاحتلال لبلده، بينما يعتبر فخار “الميزاب” أقلية تتعرض للقمع من طرف السلطة لأسباب الهوية والمذهب
فرحات مهني يتبنى الخط الفرانكفوني، وينظر إلى الدولة الجزائرية كاحتلال لبلده، بينما يعتبر فخار “الميزاب” أقلية تتعرض للقمع من طرف السلطة لأسباب الهوية والمذهب

لم يتأخر أنصار فخار المناضل السياسي والناشط الحقوقي، بالخروج في مسيرات شعبية غاضبة، فور الإعلان عن وفاته، في مستشفى فرانز فانون بالبليدة، بعد أن حُوّل إليه في وضعية حرجة من سجن غرداية، حيث كان موقوفا مؤقتا منذ نهاية مارس الماضي، وهو مضرب عن الطعام.

ووُصفت وفاة الرجل بـ“الاغتيال المبرمج”، انتقاما منه على مواقفه السياسية والحقوقية المناهضة للسلطة، حيث ألمحت المعاملة السيئة التي كان يحظى بها داخل السجن، وعدم مراعاة ظروفه الصحية وإضرابه عن الطعام، إلى أن فخار كان يزعج السلطة فعلًا.

ويبدو أن الفقيد كان يعرف مصيره، ونية سجانيه في التخلص منه بشتى الوسائل، حيث نقل على لسان المحامي والناشط الحقوقي صالح دبوز قوله ”نهايتي مبرمجة على أيديهم“، مما يوحي بأنه قد يكون لمس نية خصومه في كتم أنفاسه إلى الأبد، وهي الشكوك التي قُرِئت في تصريحات حقوقيين وأنصاره المتظاهرين عقب الإعلان عن وفاته.

وارتفعت أصوات الوفاء لرسالة فخار، عاليا في المسيرات التي تجول أزقة وأحياء مدينة غرداية التي دافع عن هويتها وشخصيتها وتاريخها، وللكشف عن حقيقة الوفاة التي يشوبها الكثير من الغموض.

وبات الرحيل المريب لفخار محطة فارقة في مسار الناشطين القابعين في السجون، لأسباب فقدت مسوغاتها وحججها، فإلى جانبه يقبع زميلان آخران في سجن غرداية لأسباب مماثلة، وفي غليزان ومعسكر ومدن عديدة، يقضي العشرات من سجناء الرأي عقوبة احتواها قانون المصالحة الوطنية أو سقوط نظام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

ويذهب حقوقيون إلى أن رحيل فخار هو قطرة ستفيض كأس حقوق الإنسان في الجزائر التي تحولت إلى سجن مفتوح، خاصة خلال السنوات الأخيرة، ولم يسلم من السجن أبسط المدونين على شبكات التواصل الاجتماعي، المعارضين لنظام بوتفليقة؛ فلافتة من ورق حملها الشاب الحاج غرمول، وكتب عليها “لا للعهدة الخامسة لبوتفليقة”، كلفته ستة أشهر سجنا نافذا وغرامة مالية، وهو يقضي عقوبته رغم كل الذي حدث ويحدث في الجزائر بسبب العهدة الرئاسية المذكورة.

تمييز عرقي وطائفي

توجه أصابع الغاضبين من النهاية المأساوية لرمز النضال في منطقة ميزاب، الاتهام إلى السلطات الإدارية والأمنية والقضائية المحلية، التي مارست قمعا سياسيا وحقوقيا في حق الأهالي والناشطين في غرداية، وتقف وراء تصفية حسابات مذهبية وعرقية، وظفت لسنوات في لعبة لي الذراع بين أجنحة السلطة المركزية.

 فخار الطبيب كرّس حياته للدفاع عن هوية وشخصية الإباضيين الأمازيغ في غرداية، ودخل في صراعات مستميتة مع رموز السلطة المحلية، وكان في كل مرة يجد نفسه وراء القضبان مكبلا بعشرات التهم الخطيرة، خاصة في السنوات التي انزلق فيها الوضع الاجتماعي بالمنطقة، وتحول إلى مواجهات دامية بين أتباع المذهبين الإباضي “الأمازيغي “، والمالكي “العربي”.

أما السياسيون في الجزائر فقد أجمعوا على إدانة الموت المريب لفخار وساد اتفاق لدى هؤلاء على ضرورة احترام الإنسان، كإنسان قبل شيء، قبل النظر في الأفكار والتصورات السياسية، واستهجنوا تحويل الاختلاف إلى تصفية حسابات وحتى تصفية جسدية.

موت فخار سوف يبقى وصمة عار تلاحق سلطات البلاد، وهي تواجه ثورة شعبية غاضبة، فقد كانت في غنى عن ارتكاب مثل هذه الحماقة السياسية. وقد يكون رحيله فتيلا إضافيا في وقود أزمة البلاد

ولم يكن أمام السلطة إلا المبادرة بفتح تحقيق معمق في ظروف وملابسات الناشط الحقوقي، لاحتواء الغضب المتصاعد في المدينة، ولدى أتباع المذهب الميزابي في عموم البلاد، في مؤشر ينذر بانزلاق اجتماعي، يعيد إلى الذاكرة سنوات العنف والدم التي عاشتها المدينة آنذاك، لاسيما وأن البلاد تعيش حراكا شعبيا مناهضا للسلطة منذ أربعة أشهر.

وبغض النظر عن مواقف الرجل الذي بدأ مساره النضالي بالعضوية في المجلس البلدي المحلي، عن حزب جبهة القوى الاشتراكية المعارض، من قضية الهوية الميزابية وحقوق الأهالي وعلاقاته مع قوى وعواصم إقليمية وغربية، فإن الثابت لدى العارفين بخبايا الصراع في المنطقة، أن أيادي في السلطة المركزية، كانت تعمل على تأجيج الصراع الطائفي في المدينة بين الأمازيغ والعرب.

ويذكر شهود عيان أن أحداث العنف كانت مبرمجة في غرداية خلال السنوات الماضية، ففيما يفترق الأعيان وعقلاء المذهبين على الصلح والتوافق في المساء، تعود أعمال العنف والمواجهات في الصباح الموالي، بإيعاز مركزي وتنفيذ هيئات حكومية محلية.

ويضيف هؤلاء “خطاب السلطة آنذاك كان محرضا ومستفزا”، حيث كثيرا ما وجه مسؤولون في السلطة اتهامات العمالة لجهات أجنبية إلى النشطاء وعلى رأسهم كمال الدين فخار، ونُسبت الأحداث إلى قوى أجنبية تريد زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد، بتوظيف وتوجيه موالين لها، لكنها لم تكن تتحدث عن صراع الرئاسة “بوتفليقة”، والاستخبارات “الجنرال توفيق”، بواسطة الجبهة الاجتماعية المركبة في منطقة ميزاب.

تمسك بالهوية الوطنية

يبقى فخار، حسب رأي الكثيرين، من الناشطين المتشددين في مسألة الهوية الوطنية، وأحد المقربين في الطرح من أفكار حركة استقلال القبائل، بمنطقة القبائل في شمال البلاد، والتي يقودها فرحات مهني، حيث شكل ظهوره وتصريحاته معه مادة دسمة للأوساط التي تُبْدي حساسية تجاه الاستقرار والوحدة الوطنية للبلاد.

ولو أن الخلاف يبدو جليا بين الطرفين، حيث يتبنى مهني الخط العلماني الفرانكفوني غير الإسلامي والعروبي، ويعتبر الدولة الجزائرية احتلالا لبلده، ويناضل لأجل استقلاله بالتعاون مع قوى تدخل في خانة العداء التاريخي للجزائر كإسرائيل وفرنسا، بينما يعتبر فخار “الميزاب” أقلية تتعرض للقمع من طرف السلطة لأسباب الهوية والمذهب، ولم تُنقل عنه النزعة الاستقلالية أو معاداة الدين الإسلامي.

انتقادات الحقوقيين والسياسيين للظروف التي توفي فيها فخار وللممارسات القمعية الممارسة من طرف السلطة ضد الناشطين والمناضلين، تزيد من ضعف حجتها أمام الرأي العام، مما يفتح المجال لأن تتحول الحادثة إلى فتيل غضب سياسي واجتماعي في البلاد، لاسيما في ظل الشهادات المتطابقة حول تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر.

وتجلى ذلك في الشكوك التي أثارها رفيقه دبوز، الذي قال في تصريحات صحافية “أخبرني عوف الحاج إبراهيم (زميل فخار في السجن) أن الممرضات لم يقمن بإدارة العلاج بشكل منتظم، مما يشكل جريمة عدم مساعدة شخص في خطر”.

صدمة

الرحيل المريب لفخار، يتحول اليوم إلى محطة فارقة في مسار الناشطين القابعين في السجون؛ فإلى جانبه يقبع زميلان آخران في سجن غرداية لأسباب مماثلة، وفي غليزان ومعسكر ومدن عديدة العشرات من سجناء الرأي
الرحيل المريب لفخار، يتحول اليوم إلى محطة فارقة في مسار الناشطين القابعين في السجون؛ فإلى جانبه يقبع زميلان آخران في سجن غرداية لأسباب مماثلة، وفي غليزان ومعسكر ومدن عديدة العشرات من سجناء الرأي

كان آخر ظهور لفخار، قبل أن يتم توقيفه وإحالته على السجن المؤقت في مدينة غرداية، في نهاية شهر مارس الماضي، في ذروة تصاعد وتيرة الحراك الشعبي، حيث أدلى بتصريح صحافي نقل في تسجيل على صفحته الرسمية، عبر فيه عن “امتعاضه من سياسة الكيل بمكيالين ضد المزابيين، من طرف السلطات الإدارية والقضائية لولاية غرداية”.

ونتيجة لهذا الحوار تم اعتقاله وتحديد مجموعة من سبعة متهمين، منهم محاميه دبوز، والنقابي حاج إبراهيم عوف وآخرون، وجهت لهم تهم خطيرة وصلت إلى 14 تهمة، فقط لأنهم أبدوا رأيهم في محاكمة خياط إدريس وتشعبت نورالدين اللذين تم الحكم عليهما بعشر سنوات حبسا نافذا، رغم براءتهما من تهم القتل الملفقة لهم.

وواجه فخار ظروفا عصيبة قبل وفاته، فبمجرد اعتقاله دخل الراحل في إضراب عن الطعام، وعانى داخل سجن غرداية لمدة عشرة أيام، لينقل بعدها إلى المستشفى، وهنالك بقي في حجرة قذرة، ورفض الأطباء الاستماع إليه، وإجراء التحاليل الطبية التي كان يطالبهم بها بحكم كونه طبيبا، إلى أن أغمي عليه ونُقل إلى قسم الإنعاش، وبعدها إلى مستشفى فرانس فانون بالبليدة، حيث توفي مباشرة بعد وصوله.

أما نورالدين بني سعد، رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان في الجزائر، فقد اتهم السلطة بشكل مباشر والتي كان يتوجب عليها أن تحافظ على حياة فخار داخل السجن. وقال في حوار مع جريدة “الوطن” الناطقة باللغة الفرنسية إن “مسؤولية وفاة فخار تقع على عاتق السلطات الجزائرية بشكل كامل. هي التي يجب أن تحافظ على حق أساسي للمواطنين وهو حقهم في العيش والحياة”.

وحمّل حزب العمال الذي تتزعمه لويزة حنون التي تقبع حاليا في السجن بالبليدة، النظام الجزائري مسؤولية وفاة فخار. وفي بيان صحافي، أكدت الأمانة العامة للمكتب السياسي أن” اعتقال ووفاة فخار أمر غريب وغير مقبول”. بينما دعا علي بن فليس رئيس حزب الطلائع والحريات المعارض إلى “كشف الأسباب الحقيقية التي أدت إلى وفاة فخار وعرضها بكل شفافية أمام الرأي العام“، مثنيا في الوقت نفسه على “رجل القناعات الذي كرس حياته خدمة ودفاعا عن الحريات“. وفي باريس، نظم الجزائريون تجمعا في ساحة الجمهورية تكريما للمناضل فخار وأشعلوا الشموع إضافة إلى الوقوف دقيقة صمت على روحه التي يبدو أنها ستبقى تقض مضجع السلطة.

13