كمال الرياحي: نحن لسنا ما كنا عليه البارحة

تفكيك تقنيات السرد التقليدية يحيل إلى تفكيك البنية الثقافية والمؤسساتية التي تنتج الصيغ القمعية والتقليدية، لكن هل تكفي الكتابة وحدها لتفكيك الثقافة القائمة، وإبراز صوت المهمّشين وسكان القاع، أم أن سياسات القمع والتخويف هي التي ستنتصر في النهاية؟ “العرب” التقت الروائي التونسي كمال الرياحي وكان لنا معه هذا الحوار حول واقع الرواية العربية والتونسية، وحول عمله الأخير “عشيقات النذل”.
الثلاثاء 2015/06/23
أنا مبثوث مثل الماء في كل أعمالي ولا عمل يمثل سيرتي واسمي

يتسلل كمال الرياحي كمارق بين الأساليب السردية، ليطوّع المتخيّل إلى جانب الشخصي، فتنشأ بعدها الحكاية، إذ تتداخل المعالم الجمالية في نصوص الرياحي ليقدم صيغة أدبية متميّزة جعلته يفرض حضوره على الساحة الروائيّة. الرياحي من مواليد 1974، حائز على شهادة الدراسات المعمقة في النقد الروائي، صدرت له مجموعتان قصصيتان وعدد من الكتب النقدية، وفي الرواية، “المشرط” ثم “الغوريلا” ومؤخرا “عشيقات النذل”، كان لـ”العرب” اللندنية اللقاء التالي معه للحديث عن الثقافة وشؤون الكتابة وتقنياتها.

يربط البعض عمل الرياحي الأخير رواية “عشيقات النذل” وتقنية السرد التي استخدمها بتونس بعد الثورة، وكأنه بمحاكمته تلك لتقنية السرد البوليسي يحاول محاكمة الواقع الحالي عبر التشكيك في قدرته على تفسير ما يحدث، يعقب الرياحي على هذا الرأي واصفا روايته الأخيرة بأنها تدور في أجواء من الكوميديا السوداء وتتقنع بالحبكة البوليسية لتسخر منها كما تسخر من كل شيء في المشهد الثقافي؛ من كاتب السيناريو المتحيل والمحامي الذي يمثل العدالة، إلى البوليس الذي يعتاش من جرائم الطبقة البرجوازية ومن رجال أعمال ومهمشين يتحولون هم بدورهم إلى قتلة لتنفيذ نزوات الرأسمالية المتوحشة، ثم الإعلاميين الذين يتاجرون بكل شيء ويقضون الوقت في اصطياد الإعلانات على حساب كل قيمة. ثمّ يضيف “لا يمكن قراءة الرواية بمعزل عمّا يجري اليوم، إنها رواية تفضح العوالم السرية لمجتمعاتنا المتخلفة والساقطة في الجريمة والتمييز العنصري والإثني والفساد السياسي والاقتصادي والإعلامي والعائلي. إنها تعترف بالنذالة دستورا للعصر وقانونا للراهن”.

عالم الأنذال

الوعي بالجوع والحق في الحياة مصادرهما الفن والأدب والفكر والتعليم وليست الغريزة، وذلك ما دفع الشعوب لتنتفض

يقيم الكاتب كمال الرياحي بصورة دورية ورشات عمل للكتابة ويرى أن الكتابة صناعة ثقيلة، لذلك فالعقول الصغيرة لا يمكنها أن تنتجها، وعلى العقول السردية مهما كانت مواهبها أن تتعلم أبجديات اللعب السردي. ويضيف “كرة القدم أيضا موهبة لكن هل توقف مارادونا مثلا عن حضور التدريبات وجاء للملعب من بيته مباشرة؟ هل توقف محمد علي كلاي عن التدرب مع مدرب قبل صعوده للنزال؟” وحسب رأي الرياحي الموهبة لا تكفي، وما يُتعلم هي الألاعيب والأساليب والمكر وسرعة التجاوب، فللتخييل أيضا عضلة لا بدّ أن نربيها وندربها دائما لتكون جاهزة.

ويعقب في تفريقه بين الكاتب المحترف وبين الموهوب بالفطرة: الملاكم الذي لا يتدرب، لا تنفعه قوته والفرق بين الكاتب المصقول والكاتب الموهوب فقط كالفرق بين الملاكم المتدرب والملاكم الشعبي/ الفتوة في عراك الحارات، وهو نفس الفرق بين الفنان التشكيلي والمصور العصامي، الذي يجوب الشوارع يبيع الوجوه والبورتريهات، كما هو الفرق بين سارق الأغنام وسارق البنوك وسارق الأفكار.

في عشيقات النذل تحضر شخصيات لا تمثل أبطالا ولا حتى أبطالا مضادين، بل نرى أنفسنا أمام شخوص لا تقدم أي نموذج أخلاقي يحكم تصرفاتها، ما الذي يحاول الرياحي أن يحاكيه باختياره تهديم المرجعيات الأخلاقية؟ يجيب ضيفنا: أنا لا أريد أن أقدم نموذجا أخلاقيا لأنه ليس من دور الأدب أن يضطلع بدور وزارة الشؤون الدينية. أقدم أدبا شريرا وتقديم الشر كافٍ لتجنبه لأننا نحاول أن نؤنسنه ونخرج به من الشيطنة. العالم هو غنيمة الأنذال، فلولا الأنذال لما حدث شيء. قامت الحروب بالأنذال وقامت الحضارات بالأنذال، وتمددت الديانات بالأنذال وقامت الثورات بالأنذال ضد الأنذال، وسرقها بعد ذلك أنذال.

رواية تدور في أجواء من الكوميديا السوداء

يتساءل قارئ عشيقات النذل عن إمكانية وجود التقاء بين حياة الرياحي الشخصية وبين ما يدور من أحداث في الرواية ولو بصورة طفيفة، إذ نراه حاضرا في الرواية عبر التلويح باسمه، علما أن هذا النوع من السرد مرتبط بالسيرة الذاتية لصاحبه كما نرى في نماذج كتشارلز بوكوفسكي وهنري ميللر وجورج باتاي، والرياحي يقول عن ذلك: أنا مبثوث مثل الماء في كل أعمالي ولا عمل يمثل سيرتي واسمي كبقية أسماء الإنسان الحسنى، لماذا لا أختاره وقد اخترته لأدخل الفوضى على من يتصيد سيرتي كل مرة في عمل أدبي.

ويضيف أن هناك جنسا أدبيا حديثا قائما على هذا التطابق بين اسم الشخصية واسم الكاتب، وهو “التخييل الذاتي”، ففي النهاية نحن نلعب؛ إذ من الممكن أن تمتدّ يد لمصافحتنا أو قد تباغتنا بتغيير مصيرها أو نواياها، فالأصابع أمّارة باللعب.

الرياحي يعمل في مجال النقد الأدبي إلى جانب عمله الروائي، يقول إن كل ما أفادته به دراسته الأكاديمية للنقد هو تجنب الحماقات، ويوضح: الآن أعمل على تجاوز النظريات بكتابة نصوص جديدة لا تجد سندا نظريا، لأن النقد والتنظير يأتي متأخرا على الإبداع. وعلى الناقد أن يجترح لنفسه مفاتيح جديدة لمقاربة كل نص جديد.

عن الحاجة إلى الكتابة ومدى ضرورة تجديدها في ظل التغيرات والثورات التي تشهدها المنطقة يرى الرياحي أن علينا دائما أن نكتب الجديد، لا لأن هناك وسائط جديدة، بل لأننا نحن الوسائط نفسها، ونحن لسنا ما كنا عليه البارحة عندما أغلقنا اللاب توب ونمنا.

الجماليات الجديدة

الكتابة تجدّد واجتراح دائمان، وقول على غير مثال وإن بدا للبعض على مثال. ويواصل مبينا: الكتابة ثورة دائمة ولا تحتاج إلى انتفاضات شعبية لتتجدد. لأن من المفروض أن الكتابة هي من أنتج الثورة وحرك الوعي الذي جعل الجماهير تنتفض، وإن رفعت شعار الخبز. فالوعي بالجوع والحق في الحياة مصادرهما الفن والأدب والفكر والتعليم وليست الغريزة، وهي التي دفعت الشعوب لتنتفض وإلا لكانت الحيوانات قد انتفضت علينا لما فعلناه بها عبر التاريخ.

يحضر المكان بتفاصيله بشدة في أعمال الرياحي، بل إن بعض الشخصيات في عشيقات النذل اكتسبت أسماءها من المكان، ويفسر الرياحي ذلك بأن المكان هو المسرح وهو بلاتوهات التصوير ومسارح الجريمة، يقول: أنا أكتب بخلفية سينمائية مشهدية تجعلني أُمسرِح العالم التخيلي ولا أتركه معلقا. أَضرب الأخشاب جيدا لتضربها الشخصيات معلنة عن وجودها الصاخب؛ فلا شيء يحدث من فراغ. وبين المدينة والقرية تتنقل شخصياتي بكل لعناتها وتاريخها ونواياها.

"عشيقات النذل" تفضح العوالم السرية لمجتمعاتنا المتخلفة والساقطة في الجريمة والتمييز العنصري والإثني والفساد

التقنيات الحديثة في الرواية تعمل على التلاعب بعلامات التجنيس، وتداخل أساليب السرد المختلفة وتكنيكات عبور الجنس الأدبي، هل يرى الرياحي القارئ العربي مستعدّ لتلقي الجماليات الجديدة التي تفترضها التقنيات الجديدة، يجيب الرياحي بأن القارئ العربي أكبر من الكاتب وأذكى.

أشار الرياحي في لقاءات سابقة إلى ميله نحو السوريالية في التشكيل والرسم، إلا أن بعض الآراء ترى أن السوريالية فشلت في فن الرواية رغم نجاحها في فنون أخرى، ومثال ذلك رواية “نادجا” لأندريه بريتون، بوصفها لا تحوي حكاية واضحة المعالم، يعقب الرياحي: أنا أقول أشياء كثيرة، والأنا الذي قال ذلك لم أعد أعرفه، لأني أصبحت شخصا آخر فالإنسان يتغير، فلست أنا ذلك المهرب في القطار المغاربي خلال التسعينات، ولا أنا ذلك المصور الفوتوغرافي، ولا أنا ذلك الراعي الذي أضاع عنزاته في الجبال خلال الثمانينات، لأنه كان يروي لصديقه فيلما من خياله. نادجا فشلت لأنها كانت فجة بلا روح. أنا أسعى دائما لخلق تلك الروح في الحكاية ثم أتركها تعبر عن نفسها وحدها.

15