كمال الفقي ينحت أجسادا ثقيلة لكنها تتراقص كالفراشات

المعالجات الفنية للأشكال التي يصوغها الفنان كمال الفقي في معرضه تبدو شديدة الاختزال، حيث يشكل تكويناته دون تكلف، لتغدو شخصياته بلا ملامح مؤكدة.
السبت 2018/04/28
شخوص تتحرك في انسيابية رغم كتلة الجسد الطاغية

القاهرة- يعرض الفنان كمال الفقي، حتى نهاية أبريل الجاري، جانبا من تجربته النحتية الخاصة في قاعة “الزمالك للفنون” في القاهرة تحت عنوان “ماكروفوبيا”، حيث يستمر المثّال المصري في صوغ أعماله وفقا لأسلوبه المميز في التحريف والمبالغة، وهو ما يمثل واحدا من السمات الرئيسية والمستمرة في تجربته النحتية منذ تخرجه في الفنون الجميلة عام 2006.

وفي هذه المنحوتات البرونزية التي يعرضها الفقي لا بد أن تستوقفك هيئة هذه الشخوص ذات الأجساد الممتلئة، شخوص تتحرك في انسيابية رغم كتلة الجسد الطاغية. أجساد يحتل فيها الجذع النصيب الأكبر من الكتلة على حساب الأطراف، بينما يطل الرأس كنتوء بارز ونحيل، ورغم ثقل الجسد تحت وطأة هذه الكتلة يستمر في الحركة وفي تحديه للجاذبية.

وسبق للفقي أن وظف تلك الكتل البشرية في أعمال تجهيزية، وضعها على هيئة حشود متحركة في فراغ القاعة من دون نسق، في عمله الذي قدّمه قبل سنوات تحت عنوان “ديموكراسي”، وهو لفظ ساخر استدعاه الفنان من إحدى الجمل العبثية لواحد من الطغاة الذين سقطوا في عاصفة الربيع العربي، والمعنى هنا يتّسق مع تعريف هذا الطاغية ورؤيته للديمقراطية، فهي من وجهة نظره ليست سوى وسيلة للوصول إلى كرسي الحكم.

منحوتات متشابهة في الهيئة
منحوتات متشابهة في الهيئة

ولجأ كمال الفقي إلى التجهيز، لأنه كان في حاجة على ما يبدو إلى وسيلة أخرى أكثر التحاما بالناس، لقد أراد أن ينشئ علاقة بين تلك الأشكال التي يعرضها وجمهور القاعة، أراد أن يخلق بينهما نوعا من التشابك وتبادل الأدوار، فلا نعرف على وجه اليقين من منهما يراقب الآخر.

وعلى الرغم من توحّد العناصر المنحوتة وتقاربها في الشكل والهيئة مثّل كل منها كيانا منفردا زاد المشهد ثراءً وتنوعا وقدرة على طرح العديد من التساؤلات. واستمر الفنان محافظا على نفس هذا النسق في بحثه البصري خلال السنوات الماضية، وتوالدت من هذه الأشكال النحتية أشكال أخرى، تزايدت وطأة الكتلة، وتغيرت الخامة، من الطين إلى الحجر ثم البوليستر، وأخيرا إلى البرونز، وهو الخامة التي صاغ بها أعماله الأخيرة.

وتبدو المعالجات الفنية للأشكال التي يصوغها كمال الفقي في معرضه شديدة الاختزال، حيث يشكل تكويناته دون تكلف، لتغدو شخصياته بلا ملامح مؤكدة، هي متشابهة في الهيئة تحمل نفس الجسد المكتنز والرأس النحيل والنظرة الغائمة، كأنها نسخ مكرّرة لنفس النموذج وفي سياق محتدم بالدراما.

والعرض في مجمله، وإن بدت كل قطعة منفصلة عن الأخرى، يميل إلى تلك النزعة التجهيزية التي سبق أن قدّمها الفنان في طريقة العرض وتوظيف الفراغات واتساق العناصر مع بعضها البعض لخلق صورة بصرية مكتملة وموحّدة الطرح.

وماكروفوبيا هو مصطلح في علم النفس يشير إلى رهاب الانتظار، وهو الثيمة التي اختارها الفنان كفكرة موحدة لأعماله، حيث يعبر هنا عن حالة الانتظار وما يصاحبها من توتر وقلق وارتياب ووحدة. ويقول كمال الفقي “الانتظار يمثل ظاهرة من الثبات والترقب لإحداث رد فعل خلال إطار زمني غير محدّد، حالة الانتظار تحمل الكثير من التوقعات وعدم اليقين”.

يضيف الفقي “الوقت المهدر في الانتظار هو فترة زمنية معلقة، لا هي من الماضي ولا هي من المستقبل، ولا حتى من الحاضر.. الانتظار هو حالة بين الأمل واليأس، بين الرغبة والملل.. الانتظار هو التجربة الأسوأ كونيا، فالمنتظر يكافح في حالة وجودية وعبثية لا معنى لها، وأنا هنا أحاول التعبير عن حالة مألوفة، ولكن مقلقة وصادمة للغاية.. هذه هي طبيعة الانتظار”.

أما عن اللون الذي أقحمه الفقي كعنصر جديد على منحوتاته فبدا متسقا مع طبيعة الحالة التي يعبّر عنها، إذ يقول “النحت الملوّن هو إرث مصري قديم، استخدمه الفراعنة ووظفوه في شعائرهم وطقوسهم الدينية على عكس ما تبوح به فنون النحت الإغريقية والرومانية التي سادها اللون الواحد للرخام أو الحجر، والعودة إلى تلك الجذور للاستلهام منها هي أمر طبيعي”.

واحتل اللون في أعمال كمال الفقي الأخيرة الجانب الأكثر حضورا في ترتيب العناصر التي تشد الانتباه، ممّا أتاح للفنان أن يعبر عن إيحاءات موضوعية ترتبط بحياة الإنسان العملية والنفسية.

13