كمال المعلم صاحب الفرس النافرة

شهرة الفنان السعودي تعود إلى عدة أسباب، فأن يكون هناك نحات في بلد مثل السعودية فذلك حدث كبير في حد ذاته، لأن النحت هناك يواجه عقبات دينية وثقافية واجتماعية تصل به إلى درجة "التحريم".
الأحد 2018/12/02
المعلم متمرد على الواقع بجموح كائناته

ما الذي يعنيه أن يكون المرء عضوا بنادي دسكانا بفلورنسا؟ يمكن لـ كمال المعلم أن يجيب على ذلك السؤال بطريقة لا يتوقعها أحد. طريقة يمكن من خلالها التعرّف عليه والتعريف به.

النحات والرسام السعودي أقام في غير مدينة عربية معرضا بعنوان “فرسي”. العنوان لا يتغير ذلك لأنه يشير إلى شيء شخصي قد لا يدركه إلا من يحاول اختراق المتعة البصرية إلى المعاني التي ينطوي عليها العرض.

شغف شخصي

 “فرسي” هو البصمة الشخصية الثابتة. ما عداها فإنه خاضع لمزاج يتقلب وخبرة تتطور ورهان يربح في لحظة تأمل وعمل.

في كل مرة يحدث الشيء نفسه. عاطفيا تتطور الصلة بالحصان مقابلها تتطور تقنيات تعريفه وتقديمه والاقتراب من عالمه. يلعب النحت هنا دور تطويق الكائن الآخر بالمحبة التي تتخطى الإعجاب.

شغف شخصي بعالم الخيول دفع المعلم إلى أن يقرر أن ينتمي إلى حشد من الفنانين العالميين الذين أسرهم ذلك العالم بجماله ونضارته وتخليه والمسافة التي تحيط به باعتباره حيّزا لمخلوق من نوع خاص، مخلوق تجتمع فيه متناقضات عدة. فهو نافر وأليف. وحشي ووفي. مبهم وأصيل. أليست كلها من صفات الفن؟

“من أجل الحب” يقول المعلم وهو يسوغ تلك العلاقة المستمرة في أعماله بين الحركة والسكون. شيء ما له علاقة بالهوية. وهي هوية ملتبسة بسبب امتزاج الشخصي من خلالها بالموضوعي.

"فرسي" هو البصمة الشخصية الثابتة
"فرسي" هو البصمة الشخصية الثابتة

هو فارس بطبعه كما أن صورة الفرس تحتل جزءا من الخيال العربي في مروياته وفي ما يتحقق منه في الواقع. هنا تمتزج العادة اليومية بما تنطوي عليه من رمزية لدى الآخرين.

بالنسبة للمعلم ليس الحصان وسيطا بين فكرته والعالم الخارجي. لا أبالغ في القول إنه وجد فكرته عن ذلك العالم من خلال الحصان الذي يقع بين البداهة والاكتشاف. فكرة هي خلاصة حياة.

وإذا ما كانت فلورنسا هي تحدي حياته الأول، فإن المعلم خلق كما يبدو من الحصان تحدي حياته المطلق.

ولد هذا الفنان السعودي في مدينة سيهات بالمنطقة الشرقية عام 1954. درس الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة بفلورنسا الإيطالية تحت إشراف الفنان قوفردو تروفاريلي وتخرج عام 1982. عمل في رعاية الشباب بالدمام بدءا من عام 1983. أقام معرضه الشخصي “فرسي” بنسخته الأولى عام 1995 وذلك في مكتب رعاية الشباب بالدمام. تحت العنوان نفسه أقام معارض في الكويت عام 1996 وفي الشارقة 1996 وفي جدة عام 1997 وفي البحرين عام 1998. عام 2004 فاز بالجائزة الأولى للنحت في معرض الفن السعودي المعاصر الثامن عشر.

حصانه كيانا رمزيا

المعلم خلق كما يبدو من الحصان تحدي حياته المطلق
المعلم خلق كما يبدو من الحصان تحدي حياته المطلق

شارك في ملتقيات عالمية للنحت كان أهمها ذلك الذي انعقد في تشانغشون الصينية عام 2008 وأنجز يومها عملا بعنوان “حرير الخيل” نفذه بمادتي البرونز والستانلستيل. في السنة اللاحقة نفذ عملا نحتيا بعنوان “عنتر وعبلة” في المدينة نفسها التي شهدت عام 2011  تنفيذه لعمله الثالث “العاديات”.

مثل السويسري ألبرتو جياكومتي درس المعلم الرسم، ومثل جياكومتي وهب الجزء الأكبر من حياته للنحت وعُرف نحاتا بالرغم من أنه مثل جياكومتي أيضا لم يتوقف عن الرسم وعن عرض رسومه إلى جانب منحوتاته.

غير أن شهرته نحاتا تعود إلى أسباب، بعضها ذاتي والبعض الآخر موضوعي. فأن يكون هناك نحات في بلد مثل السعودية فذلك حدث كبير في حد ذاته، لأن النحت هناك يواجه عقبات دينية وثقافية واجتماعية تصل به إلى درجة “التحريم” النسبي كما أن المعلم نفسه بعد أن نجح في تخطي تلك العقبات نجح في أن يصل إلى المعادلة الفنية التي تقدمه فنانا معاصرا بأسلوب شخصي فريد من نوعه.

لم يكن شغفه بـ”الحصان” موضوعا ليكفي مسوغا لامتلاكه أسلوبا فنيا يتماهى من خلاله مع هويته العربية، فلطالما كان الحصان موضوعا لمحاولات الفنانين الأوروبيين الذين برعوا في رسمه ونحته. ميزة المعلم أنه استطاع أن يخترع حصانه الخاص. الحصان الذي يطرح من خلاله أفكاره وقيمه الجمالية التي يمكن من خلالها الانفتاح على المرويات التراثية التي تشبّع بها وحاول من قبل أن يعبّر عنها من خلال رسومه. لذلك ينفرد حصان المعلم برمزيته التي تضفي عليه الكثير من قيمها التجريدية.

فرس لم يرها أحد

المعلم يقول إن ولعه هو "من أجل الحب"، وهو يسوغ تلك العلاقة المستمرة في أعماله بين الحركة والسكون
المعلم يقول إن ولعه هو "من أجل الحب"، وهو يسوغ تلك العلاقة المستمرة في أعماله بين الحركة والسكون

لا تكمن قيمة ما فعله المعلم في موضوعه، فهو مكرر ولا بالمستوى الرمزي الذي ينطوي عليه ذلك الموضوع، فهو ليس جديدا بل في استعداد الفنان إلى أن يتخلى عما هو متاح ليقبض على ما هو شخصي في الموضوع. فالقليل الشخصي يمكن أن يكون أكثر تعبيرا من الكثير الجاهز الذي يمكن أن يعثر عليه المرء في تجارب فنية من مختلف العصور اتخذت من الحصان موضوعا رئيسيا لها.

ما من شيء في تجربة المعلم يحيل إلى تجارب سابقة، وإن كان الفنان قد هضم ما تعلمه بطريقة شرسة، بحيث اختفت تأثيرات الآخرين كما لو أنها لم تكن. ذلك الأمر لا يعود إلى المعالجة الحرفية الماهرة ولا إلى تمكن الفنان من موضوعه تقنيا فحسب بل وأيضا إلى العلاقة النفسية التي نجح الفنان في تجسيدها بحيث انتقل الحصان من الحيز الموضوعي العام إلى حيز ذاتي خاص إلى الدرجة التي تتيح للفنان أن يقول بثقة واطمئنان “فرسي”.

حصانه الشخصي هو في الوقت نفسه تجسيد لنزعة شخصية في فهم مفهومي “الهوية” و”الأصالة”.

تنطوي تجربة المعلم في ذلك المجال على جواب مفعم بالتحدي على المشروع الثقافي الذي كان قائما على قطبي “الهوية” و”الأصالة”. ذلك الجواب يأتي من جهة شخصية هي خلاصة مزيج من التجارب النفسية والفكرية والجسدية ولم تخضع لضغط النظريات الثقافية بمعادلاتها الجاهزة.

في أثر المعاني المتشعبة

بالنسبة للمعلم ليس الحصان وسيطا بين فكرته والعالم الخارجي
بالنسبة للمعلم ليس الحصان وسيطا بين فكرته والعالم الخارجي

شيء مشهدي من قلقه ومن رغبته في التماهي مع حركته الداخلية ومن إنصاته إلى وقع خطاه المسرعة ومن كثافة وجوده وهو يخترق الآفاق، كان هو الحل السحري الذي رأى الفنان من خلاله تجربته الحياتية تذوب في تجربته الفنية فتكون “فرسي” كما لو أن أحدا لم يرها من قبل.

لو كان المعلم فنانا سريالياً لكتب إلى جانب تماثيله “هذا ليس حصانا”. اللعبة واضحة. فالحصان الشكل ليس بالضرورة هو الحصان المعنى. تجربة المعلم تحتمل الكثير من التأويلات التي ليس من بينها الاكتفاء بالحصان كونه حصانا خالصا.

لقد تجاوز الفنان تلك المرحلة التي كان الحصان فيها يشده إلى صفاته الخارجية حيث الشكل وحده هو سيّد المشهد. وباعتباره نحاتا فإن الجسد يشغله. لطالما شرح أجساد خيول ميّتة. غير أن تلك العملية التقنية لا صلة لها بما انتهى إليه الفنان من فلسفة وجود وهو يضع حياته كلها على منضدة التشريح من خلال العمل الفني. نحن هنا في مواجهة حصان ميّت، بقي منه جموحه الذي يحيلنا إلى المعنى. هناك يقف الفنان جاهزا لصنع مصائر غير متوقعة.

في مضمار ثقافي مضاد لذلك المضمار الطبيعي تتحرك خيول كمال المعلم، باعتبارها كائنات منتحلة أو مستعارة من واقع لا يصلح أن يكون مجالا للفن. وهنا يكمن سرّ ما فعله الفنان حين ركن الواقع جانبا وصار يبحث عن ملاذ آمن لحصانه الذي فارق ذلك الواقع فلم يعد حصانا بالمعنى الواقعي.

أهدانا المعلم حصانا هو في حقيقته عالم مكتظ بالمعاني المتشبعة.

9