كمال بلاطة ابن القدس الذي يحمل رسالتها إلى العالم

الأحد 2015/10/11
رسام منشق هارب من الذاكرة إليها

لا يلتفت كمال بلاطة إلى الوراء إلا حين يكتب، معرضه الحالي “وكان النور” المقام في لندن “قاعة بيرلوني” يقدمه في صورته الحالية، فنانا تجريديا، وهو كذلك منذ عقود، ومَن لا يعرف سيرة تحولاته الفنية يمكنه أن يكتفي بهذه الصفة.

تجدده يهبه القدرة على أن يغادر المكان الذي يطمئن إليه بثقة من يعرف أن ما ينتظره هو الأفضل دائما، فهذا الرسام الذي بدأ في صباه برسم مناظر المدينة المقدسة التي ولد فيها استطاع أن يمر بعدد من المدارس والأساليب الفنية من غير أن يشغله هذا الأسلوب أو تلك المدرسة عن البحث في جوهر الفن الذي يقع دائما خارج ما هو متداول من اقتراحات جمالية.

كان لتجربة العيش في الغرب أثرها الكبير في تطور نظرته إلى الفن ومن ثمة إلى العالم الذي يحيط به بمشكلاته وقضاياه المصيرية، كما هو حال القضية الفلسطينية التي أخلص لها وكان في سبعينات القرن الماضي واحدا من أهم الرسامين الذين عرفوا بغزارة نتاجهم على مستوى الملصق السياسي. فكان يومها رساما تشخيصيا مباشرا.

لكن بلاطة كان قبل أن يتحول إلى الفن التجريدي رساما حروفيا. ولعه بالكوفي المربع (أحد أهم أنواع الخط العربي) أهّله لأن يقف في مقدمة الفنانين الحروفيين العرب، من جهة تميز قدرته على استلهام جماليات الحرف العربي بطريقة معاصرة.

كان أحيانا يكتفي بالنص، لا زيادة ولا نقصان. وهو ما تعلمه من سحر الكتابة ولذة الإصغاء، الأمر الذي يسّر للحرف شكلا جماليا، سيكون بمثابة محفز لفهم ما استغلق من المعاني.

شيد بلاطة عمارته الفنية الرصينة من مواد مختلفة، بعضها مستعار من التراث البصري العربي والبعض الآخر هو وليد تأثيرات فنية غربية، غير أن المواد التي صار الفنان يخلقها بنفسه من خلال تأويل اللقى التي يعثر عليها أثناء نزهاته الفكرية بصريا هي ما تهب تجربته الفنية مكانة لائقة في المشهد الفني العربي.

تجربة العيش في الغرب ينعكس أثرها الكبير على تطور نظرة بلاطة إلى الفن ومن ثمة إلى العالم الذي يحيط به بمشكلاته وقضاياه المصيرية، فكان من البداية وفي سبعينات القرن الماضي واحدا من أهم الرسامين الذين عرفوا بغزارة نتاجهم على مستوى الملصق السياسي

كمال بلاطة هو ابن القدس. ولد فيها عام 1942. في طفولته درس الرسم على يد خليل الحلبي الذي حثه على رسم مشاهد من المدينة. كان معرضه الأول الذي أقامه عام 1961 يتألف من مجموعة من اللوحات، كان قد رسمها لكي يتعلّم الرسم. غير أن ذلك المعرض كان محفزا له للذهاب إلى روما من أجل دراسة الفن بين عامي 1961 و1965.

تابع دراسته في واشنطن (1968ــ 1971) ليبدأ رحلة شتاته التي امتزج فيها الفني بالإنساني بطريقة لا تقبل فصلا. فهذا الرسام الذي عاش حياته كلها متفرغا للفن والكتابة لم تغوه مدينة من المدن التي أقام فيها، فرنسا، الولايات المتحدة، المغرب، لبنان، مثلما فعلت أخيرا برلين، التي يقيم فيها الآن.

غير أن برلين بالرغم من أنها صارت اليوم تحتل الصدارة بين مدن العالم على مستوى ما تنتجه وما تحتضنه من فنون، تظل واحدة من مفردات يزخر بها قاموس الشتات الفلسطيني. مدينته الحقيقية هي القدس. ولم يكن عنوان معرضه اللندني الأخير “وكان النور” إلا إشارة إلى البهاء الذي يقيم هناك. في البعيد كما لو أنه نوع من الذاكرة.

خبرة بلاطة في تركيب تفاصيل الذاكرة جعلت منه واحدا من أهم الباحثين في شؤون الفن الفلسطيني. ففي كتابيه “استحضار المكان ـ دراسة في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر” و”الفن الفلسطيني من 1850 إلى حاضرنا” يقدم بلاطة جردا تاريخيا، محسوبا بدقة للمراحل التي مرّ بها الفن الفلسطيني وللفنانين الذين شكل ظهورهم فتحا في مجال الرؤية البصرية.

غير أن الذاكرة بالنسبة إلى فنان تجريدي، وهو ما انتهى إليه بلاطة منذ عقود، تظل مجالا حيويا قابلا للتأويل. هذا فنان لا يُمسك بيسر. شيء منه لا يزال يقيم في القدس، غير أن حريته في الرسم تجعله يندفع إلى تنفس المزيد من هواء العالم. لو عرضت لوحاته بمعزل عن أفكاره، فإن النتائج ستكون مفاجئة.

كمال بلاطة يشيد عمارته الفنية الرصينة من مواد مختلفة

وكشفت بلقيس عن ساقيها

المدينة التي حُرم من العودة إليها تظل محور اهتمامه. سُرة الأرض هناك. ولكن المؤرخ الذي يمتلك خبرة بمشكلات الثقافة الفلسطينية كان قد أدرك في مرحلة مبكرة من حياته أن عليه أن يكون رساما أولا ومناضلا ثانيا. وهو ما جعله يستعمل الذاكرة بخفّة وحرية من غير أن يكون خادما لها.

ذاكرته في الفن ليست فلسطينية خالصة. إنه يتذكر ليرسم. ذاكرته تتخطى حدود المنجز البصري إلى النص التاريخي أو الديني. فبلقيس الملكة اليمنية وصديقة النبي سليمان كانت محور معرضه الذي أقامه في دبي عام 2014. كانت فكرة الصرح الممرد الذي وردت في القرآن الكريم هي ما أغرت بلاطة في الاقتراب من بلقيس، وهو اقتراب لم يكن حكائيا. كانت أعمال المعرض تنتمي إلى التجريد المحض. حاول بلاطة من خلال أعماله أن يتخيل ذلك الصرح الزجاجي ليقف مع بلقيس في فتنتها ومع سليمان في ولهه.

هذا الرسام المثالي من جهة عكوفه على الرسم، مصدر إلهام وحياة، يعرف جيدا أن الفن يتسع لأكثر من حياة، لذك جاء معرضه “وكان النور” مكملا لما بدأه في بلقيس. يمكن لمَن رأى المعرضين أن يكتشف بيسر أن الرسام لا يزال مقيما في السياق الشكلي نفسه، وهو سياق يغلب عليه إيقاع الموسيقى.

ستتأخر القراءة الأدبية لأعمال بلاطة، هيام عظيم بالموسيقى يسكنها. فهو رسام يدين للموسيقى بالكثير مما يفعل. أتذكر أنني حين رأيت عددا من لوحاته في دبي شعرت بأن الريح تتحرك بانفعال في القاعة التي كانت صامتة. لم تكن بلقيس مجرد أثر قرائي، كانت الملكة التي تكشف عن ساقيها من أجل أن تنتقل إلى المعجزة. ولم تكن المعجزة سوى مزيج من ألوان الماء والشمس والتراب والسماء. يعترف بلاطة “العمل الفني بالنسبة إليّ هو عمل فكري قبل كل شيء”، بلقيس لم تكن سوى فكرة اخترعها سليمان ليجد معنى لصرحه الممرد. بلاطة عَبَرَ قصر سليمان ليصل إلى مدينته التي حُرم من العودة إليها.

الجمال خلاصة حياة

كمال بلاطة نموذج مثالي للفنان المنشق. لقد أدرك بحسه النقدي المعاصر أن الذاكرة وحدها لا تصنع فنا وأن الوطن المرتجى لا تصنعه الذكريات وحدها فاتجه إلى الفن الخالص، لا ليعفي نفسه من الإجابة على الأسئلة المصيرية، بل ليضع تلك الأسئلة في سياقها المعاصر. منذ عقود لم يعد فنّه ملتزما بالقضية كما يطرحها السياسيون وكما صار الناس العاديون يفهمونها. هل كان عليه أن يوضح أن الفن هو الآخر قضية؟ ولكنها قضية لا تدخل عنصرا في المعادلة التي صارت بمثابة قياس للضمير الجمعي.

بلاطة الذي كان يوما ما ثائرا سياسيا لم يعد معنيا اليوم سوى بقياس تأثير تمرده على المستوى الجمالي البحت. من وجهة نظره فإن معركة من هذا النوع هي ما ينبغي لنا أن نخوضها. بلاطة يرسم تجريديا ما كان يراه شاخصا أمام عينيه، لكن بلغة بصرية يمكنها أن تكون مقنعة للغرباء. لا لشيء إلا لأنها لغة جمال خالص. وبهذا يكون بلاطة قد ارتقى بفلسطينيته إلى العالمية. ليس لديه سوى الجمال ليدافع عنه. هو رسالته. وهي رسالة فلسطين إلى العالم.

10