كمال بنكيران: الهندسة الثقافية أداة تطوير إستراتيجية

أن تكون كاتبا في كيبيك.. ليس أمرا سهلا.
الخميس 2021/02/11
الثقافة هي المتحدث باسم هوية الشعوب

مع الانفتاح الذي يشهده العالم والترابط الذي خلقته شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي صار الحديث ضروريا عن التعددية الثقافية، تعددية تتجاوز من خلالها الثقافة بعدها الماضوي وثباتها الجذري وملامحها المترسخة إلى التلاقح مع الثقافات الأخرى. لكنّ هذا التلاقح يبدو غير سهل كما يبين الكاتب الكندي المغربي كمال بنكيران في حوار معه.

خديجة بنحدوش

مونتريال (كندا) - يعد الكندي من أصل مغربي كمال بنكيران، الكاتب ومدير الجمعية الثقافية “Passerelle” ومنشط برنامج “Arts et Lettres” الذي يبث على قناة “آي سي آي تيليفيجن” في كيبيك، واحدا من الكتاب متعددي المواهب. وهو حائز على العديد من الجوائز الشعرية والأدبية في فرنسا.

ولطالما كان بنكيران، المزداد بالدار البيضاء سنة 1970 والذي استقر في كيبيك منذ عام 2001، يهتدي بشغفه؛ إذ يؤكد أن خطه الإبداعي يتماشى مع اهتمامه بإشكاليات الاغتراب والآخر والمواطنة.

الثقافة والهوية

يكتب بنكيران الشعر والقصة القصيرة والرواية، وحول منابع إلهامه وتنوع أعماله يقول “منذ سن مبكرة كنت أطالع دائما الأدب من عدة بلدان، وفي مجموعة متنوعة من الأجناس وبكلتا اللغتين الفرنسية والعربية. بدأ الأمر بالشعر مع بودلير وهيغو وأراغون ومحمود درويش وروني شار وبوشكين، وغيرهم من الذين طبعوا مخيلتي. بعد ذلك اخترت اللغة الفرنسية لأنني قرأت كثيرا بتلك اللغة. حاولت أن أتبنى نفس أسلوب هؤلاء الشعراء، لكن مع خلق عالم خاص بي. دواويني الشعرية تعكس تحديدا هذا التنوع الكلاسيكي والكلاسيكي الجديد، خاصة في ‘Les Ormes Diaphanes‘ و‘Feuillets de L’aub‘”.

ويلفت الكاتب إلى أن ديوان “Dans la Chair du Cri” الذي كُتب بنمط الشعر الحر يغوص في سياق الصدمة الثقافية أو بالأحرى التلاقح الثقافي الذي يكتنفه الحنين إلى الماضي وألم الاغتراب.

وبعد ذلك، وبتأثير من غي دو موباسان وإدغار آلان بو وغونتر غراس وستيفن زويغ وغيرهم من الكتاب الكبار، جرب بنكيران القصة الأدبية المختصرة بشكل عام والتي تسمح بالتعبير عن الكثير من المعاني بكلمات قليلة.

رواية تستكشف إمكانيات الآخر المشتركة على الرغم من صعوبات الاندماج في العالم الغربي
رواية تستكشف إمكانيات الآخر المشتركة على الرغم من صعوبات الاندماج في العالم الغربي

يقول “تتميز قصصي عموما بالبعد متعدد الثقافات. مجموعتي من القصص القصيرة ‘Les Souliers Mauves‘ تخوض في هذه العلاقة العميقة بالتنوع الثقافي في سياق الآخر. بعد ذلك بدا أن انتقالي إلى الرواية فرض نفسه في نهاية المطاف كضرورة، حيث أن الرواية تشمل الشعر والقصة القصيرة، وكان علي تحديد علاقتي بالعالم من خلال الشخوص”.

ويتابع الكاتب “كان علي أن أحوّل إعجابي بزولا ودوستويفسكي والشرايبي وخضرة وإريك إيمانويل شميت إلى نوع من الارتقاء على مستوى الكتابة الذي من شأنه أن يكشف عن عالم لا يزال مجهولا بالنسبة إلي. لذلك كان علي أن أخوض تجربة عمل روائي يؤسس لإمكانيات عالم في طور التشكل، لا يكوّن فقط فكرة مثالية بل تأملا في المشاعر وتعقيداتها ونسخا للشعور ومواءمته مع حقائق الواقع المختلفة”.

 وتستكشف رواية بنكيران “J’ai tué l’hiver” إمكانيات الآخر المشتركة على الرغم من صعوبات الاندماج في العالم الغربي. ومازال الكاتب يعتقد أنه يجب قراءة كل شيء مع الأخذ في الاعتبار أن الهدف ليس اختيار النوع الأدبي بل التوفيق في خلق عالم خاص ونحت عمل له بصمته.

بالنظر إلى حضوره على الساحة الثقافية بكيبيك منذ عدة سنوات نسأل بنكيران عن الدور الذي تلعبه الثقافة والإعلام وكذلك الشبكات الاجتماعية في اندماج الجالية المغربية في كندا، فيجيبنا “الثقافة هي المتحدث باسم هوية الشعوب، فهي تلعب دورا أساسيا في الترويج لتراث العالم متيحة بذلك إنشاء القيم وتقاسمها. يقول ميلان كونديرا ‘الثقافة هي ذاكرة الشعب، الوعي الجماعي للاستمرارية التاريخية، طريقة التفكير والعيش‘. لذا تتوفر لنا إمكانية تصور الثقافة كإحالة على الجذور. إنها أيضا ترياق ضد الهشاشة وضد العنف”.

ويضيف “أعتقد أيضا أن الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي قد قولبا السلوكيات في السنوات الأخيرة، وكدليل على ذلك الطفرة التي عرفتها المشاريع الثقافية التي عززها الترويج الرقمي”.

أما بالنسبة إلى الجالية المغربية فيلفت الكاتب إلى أن الثقافة تلعب دورا مهما إلى حد ما في إشعاع هذه الجالية في كندا، لاسيما بالنظر إلى مبادرات معينة لجمعيات مغربية وكذلك دور المركز الثقافي المغربي في مونتريال. وتتيح وسائط التواصل الاجتماعي أيضا الترويج للأحداث وجعل الثقافة متاحة للجميع.

ومع ذلك يعتبر أن الثقافة في مفهومها الواسع -وبالرجوع إلى الاقتباس أعلاه من كونديرا- ليست في حقيقة الأمر الشغل الشاغل لصناع القرار. ومن الضروري معالجة هذه القضية من خلال محور الهندسة الثقافية كأداة تطوير إستراتيجية تجعل من الممكن الاستفادة من الإمكانات على النحو الأمثل. ويستحق هذا المحور أن يؤخذ على محمل الجد لتعزيز اندماج الجالية. كما تتعين مساءلة الثقافة في جميع أبعادها المولدة للإبداع: الأدب والمسرح والسينما والفنون البصرية والنحت والتصوير الفوتوغرافي.

التعددية الثقافية

يلتزم بنكيران بتعزيز التعددية الثقافية وتدبير التنوع في كيبيك، وعن ذلك يقول “يتيح التفاعل بين الثقافات للمجتمع الانفتاح على باقي المجتمعات من خلال المشاريع المحتملة التي تعنى بالآخر. يمكن لهذه الأعمال أن تهيئ للجالية الأرضية التي تسمح لها بالاندماج مع الحفاظ على هويتها ومع الأخذ بعين الاعتبار الثقافات المختلفة التي تتعلم من بعضها البعض”.

ويضيف “يقودنا هذا اللقاء مع الآخر إلى التساؤل عن اختلافاتنا وأوجه التشابه بيننا، وتبديد الصور النمطية والأفكار التي نتلقاها والتي قد تكون راسخة فينا. وبالتالي فإن المشاريع متعددة الثقافات، وقبل كل شيء القائمة على رؤية مبتكرة للوساطة الثقافية، ستسمح للجالية بالاندماج مع الحفاظ على هويتها”.

تركيز على البعد متعدد الثقافات
تركيز على البعد متعدد الثقافات

 ويختصر الكاتب رأيه في أن “بناء الجسور” يصبح ضرورة، والعمل على ذلك من أجل الأجيال القادمة يصبح مطلبا مستعجلا، مع تنفيذ المشاريع التي يمكن أن تهيئ المجتمع للاندماج من خلال الأدب والرياضة والموسيقى والطبخ. ويشدد على أنه من الضروري غرس فكرة مد الجسور كمعيار متأصل في بناء الإنسان، وخاصة في تعزيز الفن والجماليات في عملية الاندماج. ومن المهم إدراك دور الثقافة في التنمية الشخصية وكذلك دور المجتمع والأجيال الجديدة.

تهدف جمعية “E-Passerelle” التي أسسها بنكيران إلى تنظيم لقاءات وندوات ثقافية وأدبية، ولكن أيضا الترويج للأدب الناطق بالفرنسية في كيبيك والنشر الإلكتروني.

ويقول الكاتب عن ذلك “تتمثل مهمة هذه الجمعية الثقافية في العمل من أجل التلاقح الثقافي والنهوض بالأدب الفرنكوفوني داخل كيبيك الفرنكوفونية. وهكذا تجد نفسها في نقطة تماس الأدب الكيبيكي المعاصر مع تقاليده القومية التي تنحو نحو التقاطع مع ما بعد القومية أو ما بعد كيبيك، وتعبر عن حساسيات جديدة من خلال كتابات تحكي تجربة كيبيكية في إطار من التمازج الثقافي”.

ويتابع “رغم ذلك تواجه ثقافة كيبيك تحديات تتعلق باندماج الفنانين والكتاب المنتمين إلى ثقافات أخرى في عالمها الثقافي المصغر. وبذلك نجد أنفسنا أمام دور نشر مترددة في نشر أعمال لكتاب من ‘الكيبيكيين الجدد‘، وأمام تمثيلية محدودة للغاية في وسائل الإعلام، وجوائز ثقافية لا يمكن الوصول إليها. إن الرهان الأكبر يتمثل أولا في الاتجاه نحو تحرير المتخيل والاعتراف بشكل ملموس بهذه الكفاءات الوافدة من بعيد”.

وينوه بنكيران إلى أن “مجلس الفنون بمونتريال” و”مجلس الفنون والآداب في كيبيك” يبذلان جهودا رائعة لإدماج هؤلاء الفنانين في المشهد الثقافي في كيبيك، ولكن لا يزال أمامنا طريق طويل.

لكنه يُلاحظ أن التفاعل بين الثقافات يثير اهتماما أقل فأقل من جانب سكان كيبيك، ويعزى ذلك ربما إلى فشل السياسات المتعلقة بتدبير النموذج متعدد الثقافات لكيبيك، وقد يرجع أيضا إلى رفض التعددية الثقافية من قبل شريحة واسعة من الكنديين.

يقول إن “تحقيق تقدم في ما يتعلق بملف الفنانين متعددي الأعراق في كيبيك يتأثر بهذا الرفض، وعلى الرغم من ذلك تتقاطع هذه القضية على وجه التحديد مع قضية التعددية الثقافية والتردد الذي تم التعبير عنه تجاهها. بإيجاز، يجب أن يولد الاعتراف بالمبادئ التوجيهية القوية المرتكزة على أساس متعدد الثقافات توازنا للقوى، لاسيما في ما يتعلق بتدبير المكون الإثني – الثقافي. هذا هو التحدي المستقبلي الذي يجب استكشافه من أجل المضي نحو إدماج فعّال ونهائي”.

15