كمال داود واغتيال العربية للثقافة الجزائرية

الجمعة 2016/02/05

في عدد فبراير 2016 الأخير من المجلة الأدبية الفرنسية Le Magazine Littéraire تتصدر غلافها الأمامي صورة الكاتب الجزائري الشاب كمال داود، الذي فاز بجائزة الغونكور الفرنسية للرواية الأولى عن روايته القصيرة الموسومة بـ“ميرسو.. تحقيق مضاد” والتي تتنامى أحداثها من سياق رواية “الغريب” الشهيرة لألبير كامو. مساهمة كمال داود في هذا العدد عبارة عن حوار شاركه فيه الروائي الفرنسي ماثياس إنارد، ويحمل هذا الحوار عنوانا هو “الأدب ضد الشر”. في هذا الحوار قال الروائي كمال داود إن لديه حساسية تجاه الاستشراق جرّاء أسباب تاريخية، وهذا لا غبار عليه في شق منه لأن جزءا من الاستشراق الغربي مرتبط بالاستعمار.

ولكن الروائي كمال داود لا يميز بين هذا النمط من الاستشراق وبين ما قدمه الاستشراق النقيض له من خدمات إنسانية ومعرفية، وتوثيقية، وحفظ من الاندثار، للثقافة العربية الإسلامية وللثقافات الشرقية بشكل عام. لا شك أن إدوارد سعيد المذكور في هذا الحوار قد فكك الخطاب الاستشراقي الكولونيالي، ولكنه لم يلغ مساهمات الجزء الآخر من الاستشراق المعرفي الخالي من آفة الاستعمار ومن التمثيلات التعسفية للشرق؛ مباشرة يعلن كمال داود في هذا الحوار عن حقيقته عندما يصرَح قائلا “أشجب الاستعمار الأفقي بواسطة العروبة، وأشجب اغتيال الثقافة العروبية المسيطرة لثقافة بلادي”.

ظاهريا يبدو أن كمال داود يرافع ضد نزعة سيطرة ثقافة معينة على ثقافة أخرى، ولكنه في العمق يرفض الثقافة العربية في الجزائر، وينتصر ضمنيا لما يصطلح عليه بثقافة الجزائر، التي لم يبيّن لنا تحديدا وتعريفا ماهيتها والفارق النوعي بينها وبين الثقافة العربية التي يتحايل بواسطة مصطلح العروبية لإخفاء مقاصده. صحيح أن في الجزائر ثقافة أمازيغية عريقة، وقد عانت الكثير عبر التاريخ، ولكن توجد إلى جانب الثقافة الأمازيغية ثقافة عربية، كما أن هناك تفاعلا وتأثيرا تاريخيين بينهما، وعناصر تميّز لا شك فيها.

ومن هنا فإن شجب كمال داود للعروبية الثقافية واعتباره لها استعمارا يتضمن تصنيفا ضمنيا لقسم من الجزائريين الذين يحملون هذه الثقافة كمستعمرين. ثم نتساءل: ألا توجد في الجزائر بقايا للثقافة الفرنسية، واللغة الفرنسية مسيطرة على كافة أجهزة الدولة؟ ألا يوجد في الجزائر أدب فرانكفوني الذي هو سمة ثقافية بامتياز تعبّر بها شريحة من الجزائريين عن نفسها وهي شريحة لا يستهان بها من حيث عدد أفرادها ونفوذها وسيطرتها؟ لماذا لم يشجبها ويعتبرها كمال داود، في حواره مع المجلة الفرنسية، استعمارا للثقافة الجزائرية التي يدافع عنها؟ ولماذا لا يدعو إلى نزع استعمارها؟ أم أن الثقافة واللغة الفرنسيتين تجمعهما بالثقافة الجزائرية التي يرفع عنها صلات الرحم والرضاعة؟ إذا كان الأمر هكذا، فإننا سنحتاج فعلا إلى علماء جينات للثقافات، حتى يفكوا لنا أسرار هذا اللغز المحير.

كاتب من الجزائر مقيم في لندن

15