كمال كليتشدار أوغلو محارب صلب ضد عثمنة تركيا من جديد

الثلاثاء 2017/12/26
كمال كليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الذي يتصدى لإردوغان صباح كل يوم

رفع صوته، قبل يومين فقط، منتقدا صمت رجب طيب إردوغان عن رجل الأعمال رضا زراب الذي يحاكم في نيويورك، والذي اعترف بتورط الرئيس التركي في غسيل أموال لصالح إيران، حسبما أورد موقع صحيفة “حرييت” المحلية. وردا على هجوم من قبل إردوغان اتهمه فيه بأنه يستهدف رجال الأعمال، قال إن “إردوغان لم يقل شيئا عن زراب”. وبعد أن اعترف رجل الأعمال الإيراني التركي أمام محكمة في نيويورك أنه رشا مسؤولين في حزب العدالة والتنمية الحاكم في إطار خطة للتهرب من العقوبات الأميركية على إيران بمعرفة إردوغان نفسه.

إنه كليتشدار أوغلو الذي يقول “لا أنا ولا الدائرة القريبة مني أسسنا شركة في جزيرة مان أو مالطا للتهرب من الضرائب في تركيا. الآن أريد أن أسأل إردوغان: أي نوع من الروابط التجارية الذي يربط أقاربك مع هذه الشركة في جزيرة مان؟”.

كليتشدار أوغلو لا يملُّ ولا يكلُّ من توجيه أشنع الاتهامات لإردوغان ولحزبه الحاكم، ويدعوه بكلِّ صراحةٍ إلى أنْ يتنحى كما خاطبه قبل أيام قليلة إثر اتهامه بأنّ لديه حساباتٍ سريةً في بنوك غربية.

تولّى رئاسة حزب الشعب الجمهوري، بعد أكبر فضيحة سياسية هزت تركيا في مارس من العام 2010، بعد تسريب فيديو خاص بالرئيس السابق للحزب دينيز بايكال، يضمه وشريكته النائبة عن حزبه في العاصمة أنقرة، نسرين بايتوك، وهما يمارسان الجنس. الفيلم نشره حينها موقع صحيفة «وقت»، وعُمِّم على عدد من المواقع الإلكترونية لحظتها.

عقب هذه الأحداث تصدر كليتشدار أوغلو لمهام قيادة حزب أشبه بالجريح، وصورته مشوّهة، وهو الحامي والمدافع عن المبادئ الأتاتوركية التي دشنها المؤسس الأوّل عند تأسيسه عام 1923، وقد صارت مشاعًا على العام. كانت الفضيحة قبل 11 يومًا من الانتخابات العامة للحزب، وقبل موعد الانتخابات التشريعية التي كانت ستجرى في يونيو 2011، وهو ما اعتبره بايكال تحديًّا خطيرًا للإطاحة به من الحزب الذي ظلَّ على رأسه منذ عام 1992 بعد أن أفرجت الدولة عن الأحزاب بعد انقلاب 1980.

من يحرس العلمانية

ولد كليتشدارأوغلو في نظمية عام 1948 بولاية تونجلى، شرق الأناضول، لأسرة تنتمي إلى الطائفة العلوية تعود أصولها إلى خراسان في إيران، حتى أن اسم والده كان “قمرخان”، إلا أنّه في عام 1950 غيّر كنيته إلى كليتشدار أوغلو. بدأ حياته السياسية بعد أن اختاره حزب الشّعب الجمهوري في عام 2002 ليكون مرشحه في الانتخابات العامة، لكن لم ينجح. ثم ما لبث أن دخل البرلمان في عام 2007 عن الدائرة الثانية بإسطنبول، ثم ترشح في انتخابات المحليات عن بلدية إسطنبول الكبرى، وخسر المقعد لصالح مرشح حزب العدالة والتنمية قدير توباش.

في انتخابات 2015 خاض كليتشدار أوغلو الانتخابات بشعارات تُهدِّد بالإطاحة بالحزب الحاكم والحلول مكانه في السُّلطة، لكن الانتخابات لم تؤهِّل أي حزب لتشكيل حكومة مستقلة. رفض كليتشدار أوغلو وقتها الدخول في تشكيل حكومة تحالف بقيادة أحمد داوود أوغلو، وهو ما دفع بالدعوة إلى انتخابات عامة في نوفمبر 2015، وحصل فيها على المركز الثاني. وعقب إخفاق حزبه عن الحصول على نسبة معقولة وجَّه له الصحافيون سؤالاً “هل ستقدم استقالتك؟” إلّا أنه أجاب “أنا مسرور بنتائج الانتخابات ولن أستقيل”.

كمال كليتشدار أوغلو يقول إن إردوغان وحزبه "يُمارسان السياسة في باحات الجوامع، ومنها يشنّان حملاتهما الدعائية، مستغلين المشاعر الدينية"

كليتشدار أوغلو يؤمن بالدولة العلمانية، ويهاجم الإسلاميين دوما، متهماً إياهم بخدش تلك العلمانية. يقول إن “تركيا دولة علمانية ولا تنتهج مواقفها بناءً على أُسس دينيّة أو طائفية أبدًا، لكن الرئيس وحزبه يلجآن إلى تصرفات معاكسة تمامًا. يُمارسان السياسة في باحات الجوامع، ومنها يشنّان حملاتهما الدعائية، ويستغلان المشاعر الدينية والعقائدية للمواطنين، لأغراضهما الشخصية. فيلجأ إلى استغلال الدين في ممارسة السياسة، وخصوصًا على الصعيد العالمي إلى مستوى الصّفر. ولا شك في أن تركيا ستدرك هذه الحقيقة في الأيام المقبلة”.

وعلى الرغم من صورة كليتشدار أوغلو التي تبدو كمنافس ومعارض شرس لحزب العدالة والتنمية، إلا أن له موقفًا مشهودًا بعد أحداث انقلاب 15 يوليو 2016 ثمَّنَتْه له الحكومة وكذلك الشعب، حيث خرج وأعلن موقفه الرافض للانقلابات، وأعلن أنّه مع الدولة وحكومتها، بل ذهب في اليوم التالي للبرلمان مع زملائه وهناك أدان خروج قطاعات من الجيش، ضدّ مؤسسات الدولة، فيما يشبه الانقلاب، بل وأكّد موقفه بأن خرج إلى ميدان تقسيم في “مسيرة الديمقراطية” في 24 يوليو التي جمعت الحكومة والمعارضة، وهناك تلا بيان حزبه الرَّافض لهذا الانقلاب، وعزَّز هذا بتلبية طلب إردوغان للقائه في القصر الجمهوري يوم 25 يوليو 2016، وهو اللّقاء الذي اُعتبر تحولاً مركزيًا في العلاقات الوطنيّة التركيّة.

ولكن مع ذلك، فإن كليتشدار أوغلو يشير دوماً في أحاديثه إلى أنه محارب ضدّ الفساد، ويرى أن حزبه “الشعب الجمهوري” لا يتقاعس عن أداء دوره في محاربة الفساد وتحقيق الأفضل لتركيا، ومن ثم تعلو صيحاته حول شُبْهات الفساد، فقبل تدشين القصر الرئاسي المعروف بالقصر الأبيض في أنقرة ليكون مقرًا لرئاسة الجمهورية، كان إردوغان وقتها رئيسًا للحكومة، صرّح كليتشدار أوغلو بأن حمامات القصر مطلية بالذهب، وهو ما أثار اندهاش الجميع. كما أنه عارض بناء القصر بهذه التكاليف الباهظة ووجه خطابه إلى إردوغان قائلاً “أنت تقطع مئات الأشجار من أجل أن تبني قصرًا لنفسك”.

حين أصدر القضاء التركيّ حكمًا بسجن أنيس بربر أوغلو، وهو صحافي سابق انتخب نائبًا عن الحزب، مدة 25 عاما لتسريبه معلومات سرية إلى صحيفة جمهورييت عام 2015، دعا كليتشدار أوغلو إلى مسيرة شعبية، كما رفع أنصاره لافتات تحمل كلمة واحدة “العدالة”.

أعلن كليتشدار أوغلو، مؤخراً، أن لديه وثائقَ تدين إردوغان وبعض أقاربه في تعاملات وحسابات مالية في الخارج

وهي المسيرة التي استمرت 25 يومًا باتجاه إسطنبول، وسار مع آلاف من مرافقيه في اليوم الأخير من حي كارتال في الشطر الآسيوي من إسطنبول إلى سجن “مالتبه” لمسافة كيلومترين، وطلب أن يسير وحده الكيلومتر الأخير لدخول منطقة التجمع؛ حيث هتف والمشاركون معه “القانون … الحقوق … العدالة”، وهناك ألقى خطابًا قال فيه إن “يوم التاسع من يوليو سيكون تاريخًا جديدًا للعدالة في تركيا. لقد سرنا لمسافة 450 كيلومترا من أنقرة إلى إسطنبول من أجل العدالة ومن أجل حقوق كلّ مَن ظُلم في تركيا”.

محاولات اغتيال

أعلن كليتشدار أوغلو، مؤخراً، أن لديه وثائقَ تدين إردوغان وبعض أقاربه في تعاملات وحسابات مالية في الخارج. وهو ما ألّب عليه حملة شرسة من حزب العدالة والتنمية، وأيضًا وزير الداخلية سليمان صويلو، ووزير العدل عبدالحميد جول وطالبوه بإظهار ما لديه، بل خرج إردوغان بنفسه وأعلن أنه مستعد للاستقالة في حالة واحدة، إذا أظهر كليتشدار أوغلو ما لديه.

فشنت عليه الصحافة القريبة من إردوغان حرباً جديدة، وخرجت جريدة “ستار” التركية بتقرير رصدت من خلاله أبرز الادعاءات التي تزعمها كليتشدار أوغلو تحت عنوان “أكاذيب كمال”. وراحت تعدِّد هذه الأكاذيب التي ادّعاها كليتشدار أوغلو على إردوغان منذ أن كان في رئاسة الحكومة ومنها أن “مشروع باكيركوي 20 فدانا أعطيت إلى مؤسسة تورجيف”، وتبيّن أنها ليست صحيحة، بحسب الصحيفة.

مع أن كليتشدار أوغلو كان قد نشر أمام الرأي العام التركي وثائق تتعلق بملايين الدولارات التي أرسلتها أسرة إردوغان وأقاربه خارج تركيا، وخلال اجتماع مجموعة نواب الحزب، أظهر كليتشدار أوغلو إيصالات تتعلق بملايين الدولارات التي أرسلها نجل إردوغان وشقيقه وصهره ومدير قلمه الخاص السابق في عام 2011 إلى شركة في دولة مالطا حيث الملاذات الضريبية الآمنة هناك.

وكشف كليتشدار أوغلو بحسب ما نقل موقع “أحوال تركية” عن إرسال كل من بوراق إردوغان (نجل إردوغان) ومصطفى إردوغان (شقيق إردوغان) وضياء ألجين (صهر إردوغان) وعثمان كيتينجي (صهر إردوغان) ومصطفى جوندوغدو (مدير قلمه الخاص السابق) مبالغ مالية ضخمة إلى شركة في مالطا.

كليتشدار أوغلو يكشف للرأي العام، بحسب ما نقل موقع “أحوال تركية”، عن إرسال كل من بوراق إردوغان (نجل إردوغان) ومصطفى إردوغان (شقيق إردوغان) وضياء ألجين (صهر إردوغان) وعثمان كيتينجي (صهر إردوغان) ومصطفى جوندوغدو (مدير قلمه الخاص السابق) مبالغ مالية ضخمة إلى شركة في مالطا

كليتشدار أوغلو صرح أيضاً باتهامات بإعفاء أقارب ضحايا الانقلاب من الخدمة العسكرية على خلاف ما ينص عليه القانون. وبسبب الضجيج الذي يثيره كليتشدار أوغلو باستمرار، فقد تجددت الشكوك حول مكان تواجده ليلة انقلاب 15 يوليو. إذ أشارت صحيفة “ستار” إلى أنه حاول الهرب يوم الانقلاب من تركيا وتوجّه إلى المطار وكان في حماية الدبابات وذهب إلى بيت في “باكيركوي” مدعيا أن الفنادق مغلقة.

تعرَّض كليتشدار أوغلو للضرب في ساحة البرلمان من قبل أحد الموتورين، وَيُدعى أورهان أوفييت، الذي قال في تصريحات للشرطة كما ذكرتها جريدة حرييت “كنت مصممًا على توجيه لكمة لكليتشدار أوغلو، الخائن”.

ولم تكن تلك هي المحاولة الأولى للاعتداء عليه، فأثناء التحضير للانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2015، تعرَّض موكبه لإطلاق النار في مدينة أرتفين على حدود جورجيا وهي مدينة معروفة بولائها الشديد لمؤسس الدولة التركية. لكن كليتشدار أوغلو قال “لا تقلقوا بشأننا. نحن بخير ونحن الآن في مكان آمن” وإن كان وزير الداخلية وقتها “أفغان علاء” أشار إلى أيادي حزب العمال الكردستاني خلف الحادثة.

كليتشدار والسلام الاجتماعي

واليوم يطرح حزب الشعب نفسه بديلا واعياً لتيار الإسلام السياسي الذي يريد أسلمة البلاد، ومنذ تولي كليتشدار أوغلو القيادة تخلى الحزب عن عدم تسامحه مع الحجاب، وقبل بحق النساء المحجبات في الذهاب إلى الجامعات، أو الحصول على الوظائف العامة. بعد ذلك رحب الحزب بانضمام بعض السياسيين المحافظين ذوي التوجهات الإسلامية إلى صفوفه، مثل محمد بيكار أوغلو.

وفوق ذلك بدأ كليتشدار أوغلو يشير إلى القيم الإسلامية في خطاباته، كما حين قال إنه وحزبه يعملان “من أجل مَن راحوا ضحية إهمال الدولة في منجم سوما، ومن أجل مَن سجنوا بلا جريمة مِن الصحافيين والعمال وأبنائهم، ومِن أجل كل مَن لا يستطيع الحصول على حقه في تركيا، مقتدين بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخليفة عمر بن الخطاب”.

لم ينس الأتراك كلمات كليتشدار أوغلو الذي كتب العام الماضي على حسابه الخاص على تويتر أن “العلمانية موجودة ليتمتع الجميع بالحرية الدينية”، مشددا على أن هذا المبدأ يضمن حتما ما يعرف بـ”السلام الاجتماعي”. وهو الذي تهدده النزاعات الدينية والعرقية التي تضرب تركيا كزلازل لا تلبث أن تظهر بعد أن تغيب.

13