كمال مرجان دبلوماسي يقفز من نظام بن علي إلى منظومة التوافق

الدساترة ينظرون إلى كمال مرجان كمسؤول عن حالة التشظي التي تشهدها الحركة الدستورية اليوم، إضافة لتمسكه بضرورة التحالف مع حركة النهضة التي تعد أحد أبرز خصومهم.
الثلاثاء 2019/07/16
دستوري يتوسّل النهضة للوصول إلى الرئاسة

يبذل عدد من السياسيين التونسيين جهودا كبيرة كي يظفروا بدعم حركة النهضة لهم في الانتخابات المقبلة، جهودا يعكسها الاستجداء المباشر وغير المباشر المتزايد للحركة بعد تصريح مثير للجدل لرئيسها راشد الغنوشي نهاية مايو الماضي  قال فيه إن النهضة “تبحث عن عصفور نادر لتدعمه في الانتخابات المقبلة”.

كمال مرجان الذي يشغل حاليا منصب وزير الوظيفة العمومية يعد أحد أبرز الطامعين في دعم النهضة، إذ يوصف الرجل الذي يتزعم حزب المبادرة الوطنية في الأوساط السياسية التونسية بأنه رجل النهضة ورهانها للوصول إلى قصر قرطاج وضمان السيطرة على منصب الرئيس.

مناخ انعدام الثقة

لا يخفي مرجان طموحه للرئاسة وكان أول من أعلن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية في أبريل الماضي، وكثيرا ما تودد للنهضة وتوسل دعمها. النهضة بدورها تمتدحه ويردد بعض قادتها أنه قد يكون مرشحهم للرئاسة. وليس ذلك التودد المتبادل ما يدفع إلى التكهن بأن مرجان مرشح الحركة للرئاسة فحسب، بل أيضا انصهاره مع حزب حركة تحيا تونس المحسوب على رئيس الحكومة يوسف الشاهد والذي يتردد أنه الحليف الجديد للنهضة في ما بات يسمى بـ”منظومة التوافق”.

تجنبت حركة النهضة في الانتخابات السابقة تقديم مرشح للرئاسة من داخل الحركة، ويبدو أن هذا أيضا هو التوجه الذي ستعتمده في الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها في نوفمبر القادم. تختلف الآراء بشأن خلفيات هذا التوجه، بين من يرجع ذلك إلى إدراك الحركة لعدم وجود شخصية قد تحظى بثقة التونسيين لذلك تتجنب تقديم مرشح يواجه خطر الهزيمة، ومن يرى أن تلك إستراتجية الحكم من وراء ستار عن طريق شخصية لا تنتمي إلى الحركة ولكن تكون خاضعة لها.

زعيم حزب المبادرة الوطنية يشغل حاليا منصب وزير الوظيفة العمومية، ويعد أحد أبرز الطامعين في دعم النهضة، حتى أن الأوساط التونسية تصفه بأنه "رجل النهضة" ورهانها للوصول إلى قصر قرطاج وضمانتها للسيطرة على منصب الرئيس

عدم دعمها للرئيس السابق المنصف المرزوقي في الانتخابات الماضية، الذي نصبته هي رئيسا للبلاد خلال المرحلة الانتقالية، ساعد بشكل من الأشكال على وصول الرئيس الباجي قائد السبسي إلى الحكم. رغم الخلافات المتزايدة بينها وبين قائد السبسي إلا أن مراقبين يرون أن السياسة الخارجية لتونس التي هي في الأصل من صميم صلاحيات الرئيس تتماهى مع مواقف حركة النهضة، وهو ما يعكسه خاصة الموقف من الأزمة الليبية الذي يميل إلى الإسلاميين وميليشياتهم على حساب الجيش وقائده خليفة حفتر.

كل المؤشرات تؤكد أن حزب حركة تحيا تونس هو بديل نداء تونس في منظومة التوافق، واندماج حزب المبادرة الوطنية فيه قلل الحديث عن ترشح الشاهد للرئاسة الذي تصاعد خلال الأشهر الماضية، وأعاد سيناريو تقاسم السلطة بينه وبين مرجان إلى الواجهة.

ويتمثل السيناريو في ترشيح مرجان للانتخابات الرئاسية، وبقاء الشاهد رئيسا للحكومة في صورة فوز حزب تحيا تونس بأغلبية مريحة في الانتخابات التشريعية، وبالتالي ضمان علاقة متوازنة تقوم على التقاسم الوظيفي بين قصري قرطاج والقصبة. وكان الرئيس قائد السبسي قد فك التوافق مع حركة النهضة في سبتمبر من العام الماضي. وجاء القرار عقب تمسك النهضة بدعم يوسف الشاهد ورفض مطالب بإقالته من حزب نداء تونس الذي كان حينئذ محسوبا عليه. وعقب إعلان الرئيس عن القرار خرجت حركة النهضة لتؤكد تمسكها بخيار “التوافق” دون التشبث بقائد السبسي وحزبه، ما عزز الحديث عن رهانها على الشاهد وحزبه كبديل لحزب نداء تونس الذي تحالفت معه عقب انتخابات 2014 التي فاز فيها.

سياسي عابر للأنظمة

الخلافات تتزايد
الخلافات تتزايد

لقد رصد العديد من المراقبين حاجة النهضة الماسة إلى تحالف جديد يكون أكثر خضوعا من ذلك الذي كان يقوده الرئيس قائد السبسي، لذلك دعمت تمرد الشاهد عن حزبه نداء تونس وشجعته على تأسيس حزب جديد. ويعمق التحاق حزب مرجان بحزب الشاهد شروخ الحركة الدستورية أحد أبرز منافسي النهضة في البلاد، ما من شأنه تشتيت أصواتهم خلال الانتخابات.

ولد مرجان في عام 1948 بحمام سوسة شمال شرق تونس وتلقى تكوينا في الحقوق، لكنه اختار في ما بعد التخصص في المجال الدبلوماسي حيث تلقى تعليمه في الدراسات العليا الدولية بجينيف وحصل على دبلوم من جامعة “ويسكونزين” وأكاديمية القانون الدولي بلاهاي. وبدأ مشواره المهني الدبلوماسي سنة 1977 عندما انضمّ إلى المفوضية العليا للاجئين حين باشر مسؤوليات سامية سواء في مقرّ المفوضية بجينيف أو على الميدان في مصر وجيبوتي.

عين في التسعينات سفيرا ممثّلا دائما لتونس لدى الهيئات الأمميّة المختصة بجينيف، وبصفته تلك تولى بالخصوص رئاسة آلية تسوية النزاعات بالمنظمة العالمية للتجارة ولجنة الشؤون الإدارية والمالية في المنظمة نفسها، وشغل مهمة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية واضطلع بمهام المفوّض الأعلى المساعد للاجئين بجينيف.

إدارة النزاعات الداخلية

المؤشرات تؤكد أن حركة تحيا تونس هي بديل نداء تونس في منظومة التوافق، واندماج حزب المبادرة الوطنية فيها قلّل الحديث عن ترشح الشاهد للرئاسة
المؤشرات تؤكد أن حركة تحيا تونس هي بديل نداء تونس في منظومة التوافق، واندماج حزب المبادرة الوطنية فيها قلّل الحديث عن ترشح الشاهد للرئاسة

عيّن مرجان صيف عام 2005 وزيرا للدفاع الوطني ثم وزيرا للشؤون الخارجية. وفي 17 يناير 2011 أي بعد سقوط نظام بن علي بـ3 أيام عين مرجان وزيرا للشؤون الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية، ثم أسس حزب المبادرة ذا المرجعية الدستورية، والذي يتولى رئاسته حاليا.

وقد فتح التسامح الكبير الذي لاقاه الرجل من قبل القوى السياسية المتحكمة في المشهد، بعد سقوط نظام بن علي، وفي مقدمتها حركة النهضة، الباب أمام اتهامات له بالوقوف خلف ما يسميه أنصار بن علي بـ”الانقلاب” في إشارة إلى مغادرته لتونس نحو السعودية، والتي ما زال الغموض يلفها، وتزايدت حدة تلك الاتهامات بعدما زكى نواب حزبه في المجلس التأسيسي سنة 2012 حكومة علي العريض. ونفى مرجان مرارا تلك الاتهامات.

أدرك مرجان جيدا أن تونس ما بعد بن علي واقعة فعليا تحت قبضة حركة النهضة، وهو ما اعترف به الرئيس قائد السبسي نفسه في حوار مع “العرب” خلال أبريل الماضي. وقد استثمر مرجان جيدا خبرته الدبلوماسية لتأمين مستقبله السياسي في عهد الإسلاميين الذين كانوا أبرز خصوم بن علي.

يقول مرجان عن نفسه إنه يحاول من خلال خبرته في إدارة النزاعات التوفيق بين الجميع ويبرر مغازلته للإسلاميين بالقول “ما حصل في 14 يناير 2011 هو تغير جذري في تاريخ تونس والنهضة حزب من أحزاب تونس نحترمه ويحترمنا وإذا اقتضت مصلحة تونس التوافق معها فلن نتردد في ذلك”. مرجان الذي يحسب على التيار “الدستوري”، الحزب الحر الدستوري التونسي الذي كان له دور في استقلال تونس عن فرنسا، قفز بكل سلاسة من مركب بن علي في اللحظات الأخيرة قبل الغرق إلى مركب “الثورة” الذي بات يقدم نفسه كحام ومدافع عنها.

عبير موسي تحمّل الإسلاميين مسؤولية ما حل بتونس من أزمات، ولذلك يقول مرجان إنه لا يفكر في التحاور معها، برغم كونهما من العائلة السياسية نفسها
عبير موسي تحمّل الإسلاميين مسؤولية ما حل بتونس من أزمات، ولذلك يقول مرجان إنه لا يفكر في التحاور معها، برغم كونهما من العائلة السياسية نفسها

يقول في تصريحات صحافية إن “التجمعيين كانوا مع الثورة، ولو لم يكونوا في 14 يناير معها  لعشنا السيناريو الليبي أو السوري”. واليوم بعد أن اندمج حزبه مع حزب تحيا تونس بات مرجان فعليا في قلب منظومة التوافق التي صار يدافع عنها أكثر من حركة النهضة نفسها حيث لم يتوان في مهاجمة كل من يدعو إلى تفكيك تلك المنظومة وإن كان من أنصار الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

ولا يخفي مرجان خلافه مع رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي التي ترفع شعار “كنس الإسلاميين” وتتهمهم بتخريب البلاد منذ توليهم الحكم. وتحمّل موسي الإسلاميين مسؤولية ما حل بتونس من أزمات، وتتهمهم علانية بدعم الإرهاب، حيث لم تتردد في رفع قضايا وشكاوى ضد الغنوشي وعدد من القيادات الأخرى بتهمة دعم تنظيمات متطرفة وتسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر. وقد قال مرجان في أبريل الماضي إنه لا يفكر في التحاور مع موسي، مشددا على أن الحوار يكون مع الأشخاص الذين لهم حد أدنى من التفاهم. واعتبر أن موسي لديها قراءة إقصائية تختلف عن قراءته رغم أنهما من العائلة السياسية نفسها.

وبيّن مرجان أن “إمكانية الانصهار أو التحالف مع بعض الأحزاب مطروحة، مشددا على أن تونس بعد الثورة تغيرت نحو الانفتاح”. من جهتها تتهم موسي مرجان بـ”الانبطاح لحركة النهضة”. نجم موسي سطع خلال الأشهر الماضية مستفيدة من الأزمات الاقتصادية والأمنية التي تشهدها البلاد، حيث تصدرت نتائج استطلاعات الرأي لتحتل المرتبة الثالثة في نوايا تصويت التونسيين خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة. ورفع ذلك التقدم آمال الدستوريين في العودة إلى الحكم من جديد.

وينظر  بعض “الدساترة” إلى كمال مرجان كمسؤول عن حالة التشظي التي تشهدها الحركة الدستورية اليوم بسبب اعترافه بـ”الثورة” التي ينظرون إليها كـ”مؤامرة” ضدهم، إضافة إلى تمسكه بضرورة التحالف مع حركة النهضة التي تعد أحد أبرز خصومهم. في حين يرى مرجان أن هذا ما يفرضه الواقع ما بعد 14 يناير.

13