كمال مرجان: مستقبل تونس مبني على وفاق وطني شامل

تتميز التجربة الديمقراطية في تونس منذ اندلاع ثورة يناير عام 2011 بالانفتاح على جميع الأطراف السياسية والتوجهات الحزبية. ورغم أن ثورة يناير نددت بالحزب الحاكم آنذاك (التجمع الدستوري الديمقراطي)، إلا أن المشهد السياسي لم يكن إقصائيا في مرحلة ما بعد الثورة، حيث وسع المجال كل الأطياف، ولم تتنكّر البلاد إلى إطارات سياسية شاركت في الحكم زمن زين العابدين بن علي ونظرت لخبرتها وكفاءتها. ومن بين أبرز الأسماء وزير الخارجية السابق كمال مرجان، الذي لم يتوقف عن عمله السياسي رغم الإطاحة بالنظام، بل كان جريئا إلى درجة تأسيس حزب يحمل مرجعية دستورية بعد شهر من واحد فقط من الإطاحة بحزب التجمع الدستوري في مارس 2011. وأطلق عليه اسم “حزب المبادرة” وهو من المشاركين في حكومة الوحدة الوطنية. وتحدث كمال مرجان خلال لقاء مع “العرب” عن هذه التجربة الحزبية ومساره السياسي وقدم قراءة للواقع التونسي الراهن تعكس مبدئيا تفاؤله بتجاوز الصعوبات ودعمه لحكومة يوسف الشاهد للحفاظ على تونس.
الأحد 2018/01/28
نحن أيضا قدمنا للبلاد لكن لم نفهم أن طريقة الحكم يجب أن تتغير

تونس – ليس من السهل أن تنطلق في تونس بعد اندلاع ثورة يناير عام 2011 التي طالبت بسقوط نظام زين العابدين بن علي مبادرة سياسية تحمل روحا دستورية لم تعد محل ترحيب شعبي. لكن كمال مرجان أحد أبرز وزراء نظام بن علي أصر على أن يواصل مسيرته السياسية بتأسيس حزب المبادرة الذي أطلقه في أبريل 2011، وكان أول دستوري يتجرأ ويقدم على هذه الخطوة.

وتحت راية حزب المبادرة، خاض كمال مرجان انتخابات المجلس الوطني التأسيسي وفاز بأربعة مقاعد ليصبح حزبه أكثر الأحزاب الدستورية تمثيلا في المجلس. وفي رصيد مرجان خبرة طويلة، فقبل أن يتولى منصب وزارة الخارجية في عهد بن علي تولى منصب وزارة الدفاع عام 2005. كما عمل مرجان على مدى ثلاثين عاما في المجال الإنساني والأممي.

ففي عام 1977 دخل كمال مرجان الهيئة الأممية العليا للاجئين، حيث تحمل عدة مسؤوليات عليا، سواء في مقرها بجنيف أو ميدانيا بجيبوتي ومصر، وبعد غزو الكويت في أغسطس 1990 عيّنه النرويجي ثورفالد ستولتنبرغ على الفور ممثلا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، وفي يوليو عام 1994، وفي خضم الأزمة في منطقة البحيرات الكبرى مع الإبادة الجماعية في رواندا، تم نقله إلى أفريقيا.

وسمّي مرجان عام 1960 سفيرا لتونس وممثلا دائما لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات المختصة بجنيف وشغل بالتوازي منصب رئيس هيئة تسوية المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية ثمّ عيّن في عام 1998 رئيسا للجنة الشؤون الإدارية والمالية لنفس هذه المنظمة. وبعد ذلك سمي ممثلا خاصا للأمين العام للأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ثم أصبح عام 2001 المسؤول الثاني في الهيئة العليا للاجئين.

واليوم، يشارك حزب المبادرة في حكومة الوحدة الوطنية، وهو من الممضين على وثيقة قرطاج التي أسست لحكومة يوسف الشاهد صيف العام 2016. ويقدم كمال في حواره “العرب” تقييمه للمشهد السياسي في تونس بعد سبع سنوات من الثورة، ورأيه في ما تعيشه الحكومة الحالية من ضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية، كما تطرق إلى مسار الدبلوماسية التونسية بعد ثورة يناير.

تونس مازلت في وضع غير قار وهذا طبيعي في مرحلة الانتقال الديمقراطي، ففي كل مرحلة تغيير جذري تحتاج الدولة إلى وقت

تونس بعد ثورة يناير

يجمع المتابعون على أن السنوات السبع الماضية لم تكن سهلة على التونسيين. وكان أكبر تحد تواجهه مختلف الحكومات التي عرفتها البلاد منذ 2011 الوضع الاقتصادي المتردي وصوت الشارع الذي لم يهدأ مطالبا بحقوقه والوعود التي لم تنفذ.

وزادت الضغوط على الحكومة بانسحابات متتالية من وثيقة قرطاج، جعلت من الحزام السياسي المحيط بها مهددا، لكن، رغم المزاج الداخلي المتوتر، فقد أبدى كمال مرجان تفاؤلا بمستقبل أكثر استقرارا في تونس. ورأى “أنه بعد سبع سنوات مرت على الثورة حافظنا على مسارنا بشكل إيجابي ويجب أن نعتبر ذلك نجاحا مقارنة بأمثلة أخرى في بلدان ما سمّي بالربيع العربي”.

واعتبر أن “تونس مازلت في وضع غير قار وهذا طبيعي في مرحلة الانتقال الديمقراطي، ففي كل مرحلة تغيير جذري تحتاج الدولة إلى وقت”.

وتابع “طبيعي أن تكون هناك فترة من عدم الاستقرار في البلاد بين الأحزاب وبين الفريق الحاكم، لكن لا يجب تهويل ما يحدث إلى حالة خطر”، مؤكدا أن “الاستقرار سيعود لكن يجب أن نفهم ونراعي الظرف الذي تمر به البلاد”.

ولأنه يدعم نهج الوفاق الوطني، يتمسك كمال مرجان بوثيقة قرطاج، مؤكدا التزام الحزب بما جاء فيها وتمسكه بها، خلافا لبعض الأحزاب الأخرى التي وقعت على الوثيقة لكنها انسحبت على خلفية الأزمة الأخيرة التي شهدتها البلاد عشية الذكرى السابعة لأحداث 14 يناير 2011.

وعن انسحاب أحزاب الوفاق والجمهوري وحركة مشروع تونس من الوثيقة، قال مرجان إن “الإشكال هنا يكمن في التساؤل عن الحل البديل. هناك من يتحدث عن انتخابات تشريعية جديدة باعتبار أنها الطريقة الوحيدة لإيجاد خيار ديمقراطي، سواء للأحزاب الحاكمة أو للدولة بصفة عامة. لكن هذا يقتضي تغييرا في توقيت الانتخابات”.

لذلك هو يأمل في أن “يحافظ المشهد السياسي في تونس على إطار الحوار حتى لو تم التخلي عن وثيقة قرطاج، وصياغة إطار لحوار جديد”.

وأضاف “مازلت أؤمن بضرورة أن تكون هناك حالة وفاق واتفاق على المرحلة القادمة. وليس لنا خيار غير ذلك”. ودعا كل الأطراف إلى التعامل مع الظرف الذي تعيشه تونس بكل إيجابية والتنازل عن بعض المطالب والمواقف. وأوضح أنه يتوجه أساسا إلى “الأحزاب السياسية المشاركة في الحوار الذي أشرف عليه الرباعي الراعي وحوار وثيقة قرطاج”. وأكد أن “مصلحة البلاد تقتضي تضحية جميع الأطراف وعدم التمسك بمواقف متشددة. هذه رؤيتي نحن دائما نراهن على هذا الموقف المعتدل الذي يساعد على التماسك بين الجميع”.

بعد سبع سنوات مرت على الثورة حافظنا على مسارنا بشكل إيجابي ويجب أن نعتبر ذلك نجاحا مقارنة بأمثلة أخرى في بلدان ما سمي بالربيع العربي

حكومة الشاهد

أكد كمال مرجان دعمه لحكومة يوسف الشاهد التي تعاني حاليا من نزيف الانسحابات، حيث قال “كل ما فيه فائدة للبلد نحن نؤيده خاصة فيما يخص الوحدة الوطنية والتوافق الوطني”. واعتبر أن “مستقبل تونس مبني على وفاق وطني ووحدة وطنية، وبالتالي يجب مواصلة الجهد في هذا الاتجاه”.

وبخصوص التحالف المثير للجدل في تونس بين حركة النهضة الإسلامية وحزب نداء تونس العلماني الليبرالي، قال مرجان “باركنا هذا التقارب في فترة من الفترات لأننا اعتقدنا أنه تقارب يخدم مصلحة تونس تفاديا للتقسيم ولخلافات نحن في غنى عنها”.

وتابع “اليوم لا نغير رأينا، وإن كنا نفضل أن يعم الوفاق الوطني الشامل ليس فقط بين أكبر الأحزاب”. ولفت إلى أن “الأولوية لملفات التنمية والأمن لذلك يجب أن نشعر بمسؤوليتنا في ذلك”، مشيرا إلى أن مهمة رئيس الحكومة يوسف الشاهد “ليست سهلة”.

وأبدى تفهمه “للصعوبة التي يواجهها في ما يخص العلاقة مع كل الإطراف كما أن الوضع الاقتصادي يمثل ثقلا كبيرا أيضا على الحكومة”.

وأضاف “الشاهد تبنى هذا الوضع المتأزم وحمل على عاتقه هذه المسؤولية ونحن في تجربة جديدة وفي سنوات دقيقة تتطلب مسؤولية كبرى”، ومن واجب “كل الأطراف مساندة الحكومة ورئيسها”.

وقال “الرجل في اعتقادي أظهر حدا أدنى من التفاهم والانفتاح على جميع الأطراف السياسية وقام بواجبه بكل ما له من إمكانيات”، ليستدرك قائلا “توقعت أن يحظى الشاهد بمساندة أكبر من الحزام السياسي”.

وأشار مرجان إلى أن “تونس تعد في أفضل الظروف مقارنة بدول ما سمّي بالربيع العربي. من واجبنا حفاظا على الوفاق الوطني أن ندعم حكومة الشاهد”. وأضاف “لذلك سنساند الشاهد إلى الآخر إلا إذا رأينا خلاف ذلك، لكن لا يجب أن يكون الأمر من جهتنا فقط، فقرار الدعم يجب أن يأتي أساسا من الحزب الذي ينتمي إليه، حيث يجب أن تكون مساندته من قبل حركته (نداء تونس) واضحة للجميع، كما أنه قرار الرئيس والبرلمان”.

وبخصوص مدى صمود الحكومة تجاه الضغوط المحيطة بها، أعرب مرجان عن أمله في أن ينتصر صوت العقل والعقلانية بما فيه مصلحة تونس. وأوضح مؤكدا “لا أدافع عن الشاهد لسبب شخصي أو سياسي بل أنظر من منظار وطني إلى مصلحة تونس وما يقتضيه وضعنا اليوم واعتقد أن دعم الحكومة واجب على كل الأطياف مهما كانت توجهاتها”.

الأزمة الليبية

في تقييمه لأداء الدبلوماسية التونسية بعد اندلاع ثورة يناير في ملفات الإرهاب والأزمة الليبية، رأى كمال مرجان أن “تونس في كل فتراتها التاريخية كانت بلد الاعتدال والتسامح ونأمل في أن يتغلب هذا في الآخر”. وأكد أن كل الأطراف السياسية متفقة بخصوص ملف الإرهاب وتنادي بضرورة العمل على القضاء عليه.

وفيما يخص الأزمة الليبية، لفت وزير الخارجية السابق إلى أنه “كان بالإمكان أن تلعب تونس دورا أكثر فاعلية في الملف الليبي، لكن أتفهم صعوبته ذلك خصوصا في ظل ظروف الداخل التونسي بعد ثورة يناير”.

وأشار مرجان إلى أن “تونس معنية أكثر من أي بلد آخر باستقرار ليبيا باعتبار أننا الجار الأقرب خاصة على المستوى الشعبي. لذلك نستطيع أن نغيّر الواقع المباشر الميداني وهذا يفرض نفسه، ويجعل هناك واجب للاهتمام بما يحصل في ليبيا وإذا تطلب الأمر مساعدتنا فلن نتردد في ذلك”.

وأضاف بخصوص الحل الممكن للأزمة “يجب الأخذ بعين الاعتبار نظرة الليبيين إلى هذه الأزمة وكيفية تقييمهم لها، ويجب أن يراعي الحل وحدة ليبيا وينتبه إلى ما عانته من تفرقة وانقسام بين القيادات الليبية”.

وقال “أتمنى أن يستوعب الليبيون محاولات الأمم المتحدة والجامعة العربية وأيضا الوساطة التونسية لإيجاد حل ينهي الأزمة المتواصلة بما فيه مصلحة لليبيا ولجوارها”.

وتطرق كمال مرجان للحديث عن تجربته السياسية الجديدة بعد الثورة والتي جاءت عبر حزب المبادرة الذي يحمل مرجعية دستورية، وهنا أشار إلى أن قيادة الحزب ارتأت ألا تضع “كلمة الدستوري في نظامها الداخلي بالحزب خوفا من الإقصاء أو الرفض”.

أنظر من منظار وطني إلى مصلحة تونس وما يقتضيه وضعنا اليوم واعتقد أن دعم الحكومة واجب على كل الأطياف مهما كانت توجهاتها

التجربة الدستورية

أشار مرجان إلى أنه “وقع حل حزب الدستوري في مارس 2011 وفي مارس أيضا أعلنت تأسيس مبادرة دستورية جديدة”. وتابع “كنا متخوفين لا نريد أن نخلق حاجزا جديدا مع الشعب”.

وفسّر مرجان أن “مرجعية الحزب هي المدرسة الإصلاحية التي تقوم ركائزها على الحركة الوطنية التي حققت الاستقلال”.

وبخصوص ما دعا إليه هو شخصيا مؤخرا بلم “شمل الدساترة”، كشف مرجان أن “داخل مختلف الأحزاب الدستورية (الاشتراكي أو الدستوري أو التجمع) هناك خلافات وتوجهات فكرية وشخصية مختلفة حتى قبل الثورة”.

واعتبر أن “نقطة الضعف في الحزب الدستوري أن القيادة لم تستوعب أن هناك تغييرا حصل في العالم ولم تعطه ما يستحق من الاهتمام”. وأوضح “في مرحلة البناء الجديد يجب أن نعود إلى الماضي لنصحح الأخطاء ونتجاوز الخلافات”. وتابع “نحن أيضا قدمنا للبلاد لكن لم نستوعب أن طريقة الحكم يجب أن تتغير. هذا لا يعني أنني أنكر الماضي الذي أتشرف بالانتماء إليه بكل ما قدمته فيه من عمل مع النظام السابق”.

وعن نوايا ترشحه للرئاسة لم ينكر مرجان، الذي تصنفه إحصائيات سبر آراء وطنية بأنه من السياسيين القدامى الذين يحظون بثقة شعبية، رغبته في ذلك، غير أنه قال إنه لم يأخذ قراره بعد، مشيرا إلى أنه استعجل في تجربة ترشحه السابقة وكان من الممكن ألا يجازف. وأفصح في ختام اللقاء عما يحمله في ذاكرته عن تجربته السياسية الثرية، مشيرا إلى أن “تجربة كوزير للدفاع عام 2005 تبقى من أقرب المهام التي اضطلع بها إلى قلبه، ومن أكثر المناصب التي اختبر فيها وطنية الجيش ودقة عمله وحجم مسؤولية المؤسسة العسكرية”.

وختم معربا عن تفاؤله رغم بعض المخاوف خاصة ما حدث مؤخرا، لكن لديه إيمان كبير بقدرة التونسيين على تجاوز الصعوبات وستساعدهم على ذلك روح الاعتدال التي تتميز بها تونس.

4