كمامة كورونا تدخل السلوك الاجتماعي في الجزائر

اللثام و"العجار" والنقاب تنافس الصناعة الصحية المستجدة.
السبت 2020/11/28
الوقاية خير من العدوى

الكمامة أصبحت في ظل انتشار وباء كورونا جزءا من اللباس اليومي للمجتمعات، وأصبح البعض يختار لونها بما يوافق الثياب التي سيرتديها، لكن في بعض المناطق العربية لا يحتاج بعض الرجال والنساء إلى الكمامة. ففي الجزائر مثلا ترتدي النساء “العجّار” الذي يغطي الوجه ما عدا العينين، فيما يلبس رجال الطوارق “اللثام”، فهل يعاقبهم القانون أم يعتبر لباسهم بمثابة كمامة؟

الجزائر - رغم المقاومة التي وجدتها  الكمامة كجزء أساسي من الهندام الجديد في الشارع الجزائري، ورغم ضرورتها الصحية في إطار الوقاية من وباء كورونا، إلا أنها وجدت طريقا مرنا في بعض الأوساط الاجتماعية، كونها لا تختلف كثيرا عن النقاب الذي ترتديه المحجبات، ولا عن “العجّار” المنتشر في بعض مناطق البلاد كالعاصمة وقسنطينة، ولا عن اللثام الذي يرتديه رجال الطوارق في أقصى الجنوب.

وتحولت الكمامة الصحية المستوجبة في ظل الإجراءات الوقائية من وباء كورونا، إلى جزء هام من الهندام العام في الشارع الجزائري، وأخذت أشكالا قريبة من الموضة أكثر منها للوقاية الصحية، كأن تعلق في الذراع، وأهميتها لهؤلاء لا تتعدى حدود تفادي الغرامة المالية المطبقة أحيانا على من لا يرتديها.

وفوق ذلك عبّد الوافد الجديد طريقه إلى الحياة الاجتماعية إلى أن صار شيئا عاديا كغيره من المستلزمات كالهاتف أو محفظة النقود والوثائق الشخصية، مسجلا اهتماما لافتا بعد إعلان الحكومة عن افتتاح الموسم الدراسي والجامعي، مقابل تصاعد مطرد لعدد الإصابات بالوباء خلال الأسابيع الأخيرة.

وكغيرها من المتطلبات الضرورية، وجدت الكمامة نفسها في صلب السوق الموازية، حيث باتت مادة تجارية متداولة بقوة في الأسواق والأحياء الشعبية، كما تحولت في بعض الأسر إلى ورشات للاتجار فيها، رغم الشروط الصحية المشكوك فيها.

ولأن السعر هو الذي يحدد قيمة الأشياء لدى المستهلك الجزائري، فإن ما وصف بـ”العبء الجديد” على كاهل موازنات الأسر، خاصة بعد التحاق التلاميذ والطلبة بمقاعدهم الدراسية، والسعر المبالغ فيه في بداية الأمر، ما دفع الكثير إلى تفضيل الحصول عليها من السوق الموازية أو من الورشات السرية، فالمهم بالنسبة إليهم أن تكون أسعارها مقبولة ثم تأتي المواصفات الصحية اللازمة في مقام ثان.

كمامة وزينة من التراث
كمامة وزينة من التراث

ولعب تشدد السلطات المختصة في فرض ارتداء الكمامة على الجميع، دورا كبيرا في تعميم الكمامة وتحويلها إلى جزء من الهندام العام والسلوك الاجتماعي، لأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسر والأفراد لم تعد تحتمل غرامة مالية تصل إلى نحو 90 دولارا، بسبب قطعة قماش لا تساوي في أسوأ الأحوال 50 سنتا.

ولم يجد طوارق الجنوب أو المنقبات ولا مرتديات زي “الحايك” أي مشكلة في التكيّف مع الوضع الجديد، لأنهم في الأصل متعودون على إخفاء جزء كبير من وجوههم في حياتهم اليومية، فتقاليدهم الاجتماعية وأعرافهم جعلتهم في منأى عن معركة الكمامة، التي انتصرت على الناس، كما انتصر فايروس كورنا على البشرية إلى حد الآن.

ويشتهر سكان أقصى الجنوب (الطوارق)، بارتداء اللثام أو ما يعرف بـ”الشاش” في حياتهم اليومية، وهو الزي الذي تتداول بشأنه العديد من الروايات، بين من يقول إنه ضروري للحماية من الرياح الرملية، وبين من يقول إنه يدخل ضمن طقوس اجتماعية تحتم على الرجل ارتداءه على عكس المرأة التارقية.

ويلف  الشاش  في الغالب على الرأس والوجه ولا يُبقي سوى العينين، وهو قطعة من القماش بألوان مختلفة يغلب عليها الأزرق أو الأخضر الداكن، وعادة ما يكون لونه مقاربا للون القميص الذي يرتديه ما يعرف بـ”الرجل الأزرق”، الذي عمّر أقاصي صحراء شمال أفريقيا منذ قرون.

وإذا كان نقاب الجلباب زيا حديثا في المجتمع الجزائري، كونه ارتبط بتيار ديني جعل منه مرادفا للتمييز بين صاحبته وبين المرأة المتبرجة، والإيحاء لخصوصياتها الأخلاقية والدينية، قد أدى وظيفة الحماية من وباء كورونا، فإن النقاب “العجار” المستعمل في زي “الحايك”، له جذور اجتماعية وتراثية لدى العديد من الجزائريات، ورغم أنه يسير إلى الاندثار فإنه قدم هو الآخر خدمة لصاحباته القليلات في عدم الاكتراث بصخب الكمامة.

وتذكر روايات تاريخية أن جذور اللثام، تعود إلى أن إحدى قبائل الطوارق التي خرجت مرة في مهمة، وباغتها العدو إلى مضاربها، حيث لا يوجد سوى النساء والأطفال فقط، وكان في الحي عجوز حكيم، نصح النساء بأن يرتدين ملابس الرجال ويتعمّمن ويحملن السلاح ففعلن، وفجأة عاد رجال الحي، فظن العدو أنه وقع بين جيشين، وانهزم وفرّ، ومنذ تلك الواقعة أصبح الرجال يرتدون اللثام بشكل دائم.

الكمامة  تتحول إلى جزء هام من الهندام العام، وتأخذ أشكالا قريبة من الموضة أكثر منها للوقاية الصحية
الكمامة  تتحول إلى جزء هام من الهندام العام، وتأخذ أشكالا قريبة من الموضة أكثر منها للوقاية الصحية

ويُروى أيضا أن  قدماء الطوارق يضعون اللثام بوصفه رمزا لحماية مداخل الجسم من تسرب الأرواح الشريرة إليها، كما يعتقد عندهم قديما أنّ الفم بمثابة عورة، فإذا لم يتم حفظه ستخرج منه كلمة السوء.

ومنذ دخول الكمامة كإجراء وقائي لمنع تمدد عدوى وباء كورونا بين الأشخاص، فإن الطوارق لم يجدوا حرجا أو صعوبة في التكيف مع الوضع الجديد، وهم في الغالب متدربون على ارتداء اللثام الذي تحول إلى واقٍ  من الفايروس رغم تحفّظ الأطباء والمختصين على نجاعته في تحقيق المهمة.

وتقول الطبيبة زايدي، مختصة في الأمراض المعدية بمحافظة إليزي (جنوبي البلاد)، إن “اللثام لا يعوض الكمامة الطبية، وإن القماش الذي يصنع منه اللثام خفيف ورقيق ويسمح بدخول الفايروس”.

وأضافت، “من يلبسون اللثام يلمسونه عدّة مرّات في اليوم، لذلك هذا يساعد في خطر الإصابة بفايروس كورونا، والواجب عدم لمس الكمامة وإذا حدث ذلك يجب أن تكون الأيدي معقمة وبالنسبة إلى اللثام الأمر صعب”.

أما الباحث في التراث عثمان أوقاسم من محافظة إليزي، فيرى أن “اللثام الإيموهاغي” (إيموهاغ كلمة طارقية تعني الرجال النبلاء ومفردها أماهغ) يمكن أن يحل بدل الكمامة كون سمكه غليظا، ويمنع دخول الهواء إلى الفم والذي يحتمل أن يكون ناقلا للفايروس”.

وتابع، “أنا أستعمله بدل الكمامة، فإضافة إلى كونه عادة وتقليدا عندنا، وجدته مناسبا للوقاية من كورونا بعد تفشيه في بلادنا، وأن اللثام يرتبط بالبيئة والمناخ اللذين يتواجد فيهما قبل أن يستقر عند الطوارق والبدو الرحّل”.

ولفت إلى أن “اللثام يرافق سكان الصحراء الكبرى، فيستلزم لمن يقطع مسافات طويلة أو يخرج للصيد أو للفلاحة ارتداءه، وذلك لمواجهة العوامل الطبيعية في الصحراء القاسية سواء حرارة الشمس أو البرد أو الرياح أو الزوابع الرملية”.

17