كمبيوتر افتراضي خارق يبحث عن علاج كورونا

جيش من المبرمجين ولاعبي الفيديو يجمع قدرات أجهزته من أجل تسريع وتيرة البحوث لإيجاد علاج ضد فايروس كورونا المستجد.
الأحد 2020/03/29
كمبيوتر خارق تدعمه قدرات حاسوبية لأجهزة مئات الآلاف من الأشخاص

في غمرة السباق العالمي للتعرف على سلوك فايروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) تسارع زخم مسار مستقبلي لخلق قدرات حاسوبية خارقة من خلال مشاركة أعداد كبيرة من الشركات والأفراد بهدف تحليل تكوين الفايروس افتراضيا ومعرفة سلوكه واستجاباته واحتمالات تطوره إلى فايروس آخر، من أجل التوصل إلى ثغرات ضعفه وتطوير علاج ولقاح.

أطلقت أزمة تفشي فايروس كورونا على نطاق عالمي الكثير من الجهود العالمية المثيرة للإعجاب بسبب تفاني المساهمين فيها في البحث عن المصلحة العامة لعموم سكان الكوكب.

وكانت من أبرز تلك الجهود، حملة عالمية لخلق كمبيوتر افتراضي بقدرات خارقة غير مسبوقة عبر مشاركة القدرات الحاسوبية التي يملكها الأفراد والشركات لجمع كميات هائلة من البيانات وتحليلها لمعرفة تركيبة وسلوك فايروس كورونا (كوفيد – 19) بهدف تحديد نقاط ضعفه من أجل ابتكار العلاج واللقاح القادر على منع الإصابة به.

ويبدو من المرجح أن يفتح هذا الجهد العالمي آفاقا واسعة لمشاريع الكمبيوترات الافتراضية عبر جمع القدرات الحاسوبية لأجهزة المتحمسين لتلك المشاريع، بدل الاستثمار في كمبيوترات فعلية خارقة، باهظة التكلفة.

ويشارك في هذا المسار الافتراضي، مئات الآلاف من المبرمجين وعشاق ألعاب الفيديو ومنقبي بيانات سك العملات الرقمية المشفرة مثل بتكوين، إلى جانب شركات كبيرة، لإنشاء مشروع غير مسبوق من حيث الحجم لتوحيد الموارد المعلوماتية وقدراتهم الحاسوبية من أجل تسريع وتيرة البحوث لإيجاد علاج ضد فايروس كورونا المستجد.

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية إلى المحامي البرتغالي بدرو فالاداس قوله إن المشروع يمثل “علاجا رائعا ضد الشعور بالعجز الذي ينتابنا في هذه اللحظات الحرجة” من خلال هذا التضامن الإنساني العابر للحدود والذي لا يسعى المشاركون فيه إلى هدف شخصي.

ويتولى فالاداس تنسيق أعمال مجموعة تمثل أحد أكبر المساهمين في المشروع وتضم 24 ألف شخص من المولعين بأجهزة الكمبيوتر وألعاب الفيديو، من خلال تحميل التطبيق الخاص بالمشروع.

تبرعات بالقدرات الحاسوبية

آفاق واسعة لمشاريع الكمبيوترات الافتراضية
آفاق واسعة لمشاريع الكمبيوترات الافتراضية 

ويربط هذا المشروع الذي أطلق عليه اسم “فولدينغ أت هوم” والذي يقوده علماء متخصصون في علم الأحياء المعلوماتية، آلاف الأجهزة مع بعضها لتطوير جهاز كمبيوتر افتراضي خارق عبر مشاركة قدراتهم الحاسوبية، لفتح آفاق هائلة لمعرفة تركيبة وسلوك فايروس كوفيد – 19.

ويقول فالاداس إن “هذا الكمبيوتر سوف يكون الأقوى في العالم وسوف يتمكن من إجراء مليارات التريليونات من العمليات الحسابية في الثانية الواحدة، الأمر الذي من شأنه أن يسمح بفهم بنية الفايروس وطبقات تركيبه”.

وتشير بيانات المشروع إلى أن أكثر من 400 ألف شخص قاموا بتحميل تطبيق مشاركة البيانات والموارد المعلوماتية خلال الأسابيع الماضية.

وتشبه عملية المشاركة في المشروع التبرع لعمل خيري من خلال السماح باستخدام الطاقة الحاسوبية لأجهزة المشارك لخلق عقل افتراضي لكمبيوتر خارق القدرات لمواجهة كارثة عالمية.

ويقول بدرو فالاداس بحماس وإعجاب بالمشروع إن “كثيرين من بيننا عانوا أو رأوا أقرباء لهم يعانون. من المثير حقا أن يكون أي شخص من منزله وعلى حاسوبه الشخصي قادرا على أداء دور في المساعدة بمكافحة المرض في سبيل المصلحة العامة”.

آفاق طبية واسعة

نحو إنشاء كمبيوتر افتراضي يفوق 3 مرات أقوى كمبيوتر في العالم
نحو إنشاء كمبيوتر افتراضي يفوق 3 مرات أقوى كمبيوتر في العالم

مشروع خلق كمبيوتر افتراضي بمشاركة تطوعية بالقدرات الحاسوبية ليس جديدا، فهو انطلق لأول مرة في جامعة ستانفورد في وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا الأميركية قبل عشرين عاما.

وكان الهدف من المشروع حينها تشارك القدرات الحسابية المعلوماتية لإجراء عمليات محاكاة على نطاق واسع بشأن الأمراض، وخصوصا بشأن عملية “طي البروتينات” التي تؤدي دورا في الوفيات الناجمة عن بعض العوامل المسببة للأمراض.

ويوضح غريغ باومان، أستاذ الكيمياء والفيزياء الجزيئية الحيوية في جامعة واشنطن في سانت لويس حيث مركز المشروع حاليا، أن “عمليات المحاكاة تسمح لنا بمراقبة كيف تتطور كل ذرة وكل جزء من بروتينات الفايروسات”.

غريغ باومان: من حيث المبدأ ليست هناك حدود لقوة الكمبيوتر الافتراضي. يعتمد الأمر فقط على عدد المشاركين وقدراتهم الحاسوبية
غريغ باومان: من حيث المبدأ ليست هناك حدود لقوة الكمبيوتر الافتراضي. يعتمد الأمر فقط على عدد المشاركين وقدراتهم الحاسوبية

ويسعى الباحثون من خلال الحسابات الخارقة وتحليل البيانات التي يقوم بها الكمبيوتر الافتراضي الخارق إلى إيجاد ما يشبه “الجيوب” داخل جسم الفايروس التي تتيح تثبيت الجزيئات العلاجية لتعطيل أثره والقضاء عليه. وعبر غريغ باومان عن ثقته بهذا الأسلوب في تطوير الأدوية عن طريق المعلوماتية واستخدام الكمبيوترات الافتراضية الخارقة للوصول إلى العلاجات.

وأضاف أن هذا الأسلوب سمح سابقا بتحديد هدف في فايروس إيبولا، ونظرا إلى التركيبة المتشابهة بين فايروس كوفيد – 19 وفايروس سارس (المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة) الذي كان موضوع دراسات كثيرة، فإن مشروع “فولدينغ أت هوم” يعد بنتائج كبيرة.

وأوضح باومان لوكالة الصحافة الفرنسية أنه “إذا ما حددنا جزيئا موجودا أصلا في الفايروس ويمكنه الثبات على أحد هذه الجيوب، فإننا سوف نتمكن سريعا من استخدامه” في تطوير علاج للفايروس.

ومن خلال معرفة الجزيئات الموجودة في الفايروس والتي قد تصلح لهذا الدور، توصل العلماء في هذه المرحلة المبكرة إلى معرفة أن العلاج ضد الملاريا قد يكون ناجعا في التصدي لفايروس كورونا المستجد.

وسمح ازدياد أعداد المشاركين في مشروع “فولدينغ أت هوم” بزيادة القدرات المعلوماتية لهذا الكمبيوتر الخارق الافتراضي إلى مستويات غير مسبوقة، حيث بلغت نحو 400 بيتا فلوب (كل بيتا فلوب يوازي ألف تريليون عملية حساب في الثانية).

ويعني ذلك أن هذا الكمبيوتر الافتراضي أقوى بثلاث مرات من أفضل أجهزة الكمبيوتر الخارقة المتوفرة في العالم.

ويؤكد غريغ باومان أنه “من حيث المبدأ ليست هناك حدود لقوة الحساب التي في إمكاننا استخدامها” ويعتمد الأمر فقط على عدد المشاركين وقدراتهم الحاسوبية، التي تتباين بحسب قدرات الأجهزة التي يمتلكونها ويشاركون بقدراتها.

كونتن رودز هيريرا: مشروع الكومبيوتر الافتراضي الخارق يشبه تصنيع عملة بتكوين لكنه في هذه الحالة لخدمة الإنسانية
كونتن رودز هيريرا: مشروع الكومبيوتر الافتراضي الخارق يشبه تصنيع عملة بتكوين لكنه في هذه الحالة لخدمة الإنسانية

ويمكن لأي شخص يملك جهاز كمبيوتر من الطرازات الحديثة أو حتى جهازا لألعاب الفيديو مثلا “بلاي ستايشن” المساهمة في المشروع عبر تحميل التطبيق واختيار البحث الذي يرغب في دعمه، ليسمح بذلك للمشروع باستخدام طاقاته الحاسوبية الفائضة عن حاجته.

وتشارك في المشروع العديد من شركات التكنولوجيا الكبرى من بينها شركة “جيت هاب” التابعة لمجموعة مايكروسوفت الأميركية للبرمجيات.

محاكاة تشفير البتكوين

ويلخص كونتن رودز هيريرا من شركة كريتيكل ستارت كيفية عمل المشروع بالقول إن “الأمر أشبه بتصنيع عملة بتكوين والفارق الوحيد هنا أن المشروع في خدمة الإنسانية”.

وتساهم شركة كريتيكل ستارت من خلال تزويد المشروع بجهاز كمبيوتر صُمم خصيصا لتشفير كلمات السر المستخدمة في مشروع “فولدينغ أت هوم”.

وساهمت شركة “نفيديا” المصنعة للمعالجات وبطاقات العرض المرئي في المشروع من خلال دعوة زبائنها من المولعين بألعاب الفيديو إلى المشاركة في المشروع، خاصة أن هؤلاء يكونون غالبا مجهزين جيدا على صعيد القدرات الحاسوبية الكبيرة.

ويوضح المتحدث باسم شركة نفيديا، هيكتور مارينيز حجم الاستجابة إلى الدعوة بالقول إن “الرد أتى مذهلا إذ انضم عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المشروع”.

وتُستخدم أجهزة كمبيوتر خارقة أخرى في مشاريع مشابهة، حيث يستعين مختبر أوك ريدج الأميركي على سبيل المثال بكمبيوتر خارق تابع لمجموعة آي.بي.أم الأميركية العملاقة.

وفي مطلع شهر مارس الجاري، أعلن هذا المختبر أنه حدد 77 مكونا محتملا لديها القدرة على الثبات على البروتين الرئيسي لفايروس كورونا المستجد لتعطيل عناصره المسببة للأمراض.

آفاق الحوسبة المستقبلية

الكمبيوتر الافتراضي بديل أسهل وأقل كلفة من الكمبيوترات الخارقة
الكمبيوتر الافتراضي بديل أسهل وأقل كلفة من الكمبيوترات الخارقة

ويبدو أن انتشار تقنيات إنشاء الكمبيوترات الافتراضية الخارقة يمكن أن يشكل تحولا هائلا في التكنولوجيا المستقبلية، إذا ما شاركت فيها أعداد كبيرة من الأشخاص والشركات بقدرات حاسوبية كبيرة.

حتى الآن لا يزال إنشاء التطبيقات الخاصة بتجميع القدرات الحاسوبية لخلق كمبيوترات افتراضية خارقة، محدودا ويتطلب كسب ثقة المشاركين وحماسهم للانضمام إليها، وهي عملية ليست سهلة.

وقد كانت كارثة تفشي وباء فايروس كورونا المستجد مناسبة مثالية لاستقطاب حماس ذلك العدد الكبير من الأشخاص والشركات لأن الأزمة تمس حياة ومستقبل البشرية والاستقرار العالمي.

لكن يبدو من شبه المؤكد أن تنتشر تلك التطبيقات في المستقبل على نطاق واسع، ليس فقط في مواجهات الأزمات بل أيضا في السعي لتحقيق أهداف علمية وابتكارات تكنولوجية تتطلب قدرات تلك الكمبيوترات الافتراضية حين تعجز الكمبيوترات الفعلية عن التصدي لها.

وقد تنتفي الحاجة إلى الكمبيوترات الفعلية الخارقة بتكاليفها الباهظة، ما دامت مشاركة القدرات الحاسوبية للأفراد والشركات تستطيع تحقيق الغرض بسهولة أكبر.

17