كمبيوتر بيولوجي يعزز الإنتاج ويستهدف الأمراض

البيولوجيا التركيبية والحوسبة الموزّعة تثيران شهية المستثمرين.
الجمعة 2021/11/19
أداة تحرير الجينات "كريسبر" غيرت قطاع التكنولوجيا الحيوية

بعد أن ثبتت فاعلية البيولوجيا التركيبية في مجالات الحمض النووي والوقود البيولوجي ولقاحات كوفيد، يعمل الخبراء على استخدام البكتيريا المعدلة هندسيا لتطوير دارات بيولوجية شبيهة بالدارات الإلكترونية وبرمجة خلايا عضوية تمكنهم من معالجة أمراض استعصت على الطب.

لندن – هل تريد أن تصبح مليارديرا بعد عشر سنوات من اليوم؟ استثمر في البيولوجيا التركيبية والحوسبة الموزعة.

إن خسرت استثمارك، أنت في الغالب لن تجدني لتلومني، وإن وجدتني لن تسعفني الذاكرة لأتذكر نصيحتي لك. ولكن لست الوحيد من يقدم مثل هذه النصيحة. التكنولوجيا الجديدة تثير أيضا شهية الحكومات وتفتح الباب للتنافس.

إن كنت مترددا، وأنت كذلك، قد تفيدك هذه المعلومات حول الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا التركيبية والحوسبة الموزعة، لاتخاذ قرارك.

في الحادي عشر من يناير 2020 شاركت السلطات الصينية التسلسل الجيني للفايروس المسبب لكوفيد – 19 لأول مرة. وبعد يومين، استخدمت شركة التكنولوجيا الحيوية موديرنا هذه المعلومات لوضع اللمسات الأخيرة على لقاحها.

معجزة العلم الحديث هذه، التقصير إلى بضع ساعات عملية كانت تستغرق في الماضي شهورا أو سنوات، لم تكن ضربة حظ، بل جرت من خلال التطورات الكبيرة في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، والاستثمارات في هذه التقنيات من قبل الصناعة، وقاعدة بحثية تم بناؤها من خلال عقود من التمويل الحكومي الأميركي في علوم الحياة والتكنولوجيا الحيوية.

التقدم في التكنولوجيا الحيوية على مدى السنوات العشر القادمة سيكون له تأثير اقتصادي مباشر يصل إلى 4 تريليونات دولار في العام

تحرير الجينات

يعمل الذكاء الاصطناعي على تغيير قطاع التكنولوجيا الحيوية، حيث أتاح الانخفاض الكبير في تكلفة تسلسل الحمض النووي وتركيبه على مدى العقود القليلة الماضية للعلماء القدرة على قراءة رمز الحياة، كما أن تقنيات مثل أداة تحرير الجينات “كريسبر” أعطت العلماء القدرة على تغييره. ومع ذلك، فإن قدرة العلماء على قراءة وكتابة الحمض النووي مقيدة حتى الآن بسبب جهلهم النسبي بالبيانات الجينية وما يترتب عليها من نتائج مادية.

علم الأحياء معقد؛ في البشر وحدهم، تتفاعل التريليونات من الخلايا مع بعضها البعض وتوجه بعضها البعض. وقد تم الحصول على المعرفة التي لدينا عن الخلايا والتفاعلات بينها باستخدام تجارب بطيئة قليلة الفاعلية نسبيا.

تقليديا، تم جمع المعرفة في علم الأحياء باستخدام التجريب أو الاكتشاف المبني على الصدفة. هناك الكثير من المحاولات والخطأ، وهي عملية أقل ما يمكن أن توصف به أنها مجهدة.

دخول الذكاء الاصطناعي غيّر المشهد، وساهم بقدراته الفائقة في تقديم إجابات في مجال علم الأحياء. اليوم تمكّن الطرق المحسّنة لقراءة البيانات البيولوجية، بما في ذلك متواليات وكميات الحمض النووي، والحمض النووي الريبي، والبروتينات، من جمع وتخزين كميات كبيرة من المعلومات حول أصغر الهياكل البيولوجية والوحدات الوظيفية.

وتمتلك التقنيات الحسابية المتقدمة مثل برامج التدريب الذاتي للذكاء الاصطناعي القدرة على تحليل هذه المعلومات للعثور بسرعة على أنماط دقيقة وفريدة من نوعها ووظائف بيولوجية بطرق لا يمكن للتجربة والخطأ البشريين القيام بها.

ومن خلال منحنا نماذج أفضل للخلايا والأنظمة البيولوجية الأكبر حجما، يقدم الذكاء الاصطناعي الفرصة لاختبار النتائج البيولوجية المختلفة، ونقل عملية تطوير المنتج من التجريب إلى الهندسة والبناء.

الحديث هنا عن البيولوجيا التركيبية، وهي مجال يهدف إلى تسهيل “صنع الأشياء”. إنه نوع من العلم يمتد إلى ما وراء العالم الطبيعي، ويخلق أدوات وتقنيات لدعم تطوير ابتكارات جديدة قائمة على البيولوجيا، مثل الأشكال الجديدة من الطب، أو المحاصيل المعدلة التي يمكنها محاربة الآفات بمفردها.

البكتيريا تقدم الحل

ملعقة بكتيريا تحتوي على حجم ذاكرة أكثر من الإنترنت بأكملها
ملعقة بكتيريا تحتوي على حجم ذاكرة أكثر من الإنترنت بأكملها

أدى انخفاض تكاليف تركيب الحمض النووي والتطورات الحديثة في التكنولوجيا إلى دعم نجاح شركات علوم الأحياء التركيبية في السنوات الأخيرة، لتضم حاليا قطاعا من أسرع القطاعات نموا وأكثرها تمويلا في مجال التكنولوجيا الحيوية.

ويستخدم العلماء الذين يعملون في مشاريع علم الأحياء التركيبي تخصصات مثل التكنولوجيا الحيوية، والهندسة الوراثية، وعلم الأحياء الجزيئي، والهندسة الجزيئية، وعلم أنظمة الأحياء، وعلوم الأغشية، وعلم الفيزياء الحيوية، والهندسة الكيميائية والحيوية، وهندسة الكهرباء والكمبيوترات، وهندسة التحكم، وعلم الأحياء التطوري. ويطبق علم الأحياء التركيبي هذه التخصصات لبناء نظم حيوية تركيبية لأغراض البحث والهندسة والتطبيقات الطبية.

ويناقش تعريف علم الأحياء التركيبي أيضا العلوم الإنسانية والفنون والسياسة. أول استخدام محدد لمصطلح “علم الأحياء التركيبي” كان في منشور ستيفان ليدوك عن كتاب “النظرية الفيزيائية والكيميائية للحياة والأجيال التلقائية” عام 1910.

وبعد ستة عقود قدم عالم الوراثة البولندي واكاو سزيبلسكي تفسيرا معاصرا لعلم الأحياء التركيبي في حلقة نقاشية خلال المؤتمر البيولوجي السنوي الثامن عشر حول استراتيجيات التحكم في التعبير الجيني في عام 1973.

وانتظر العالم أكثر من ربع قرن ليشهد تقدما ملحوظا في علم الأحياء التركيبي، عام 2000، في بحث نشرته مجلة “نيتشر” حول إنشاء أجهزة دارات بيولوجية من خلال الجمع بين الجينات داخل خلايا بكتيريا الإشريكية القولونية.

 

أجهزة الكمبيوتر البيولوجية قد توفر قدرات متفوقة في حل المشكلات في بعض المجالات مثل تعزيز الإنتاج الزراعي واستهداف علاجات للأمراض

وفي عام 2010 كشفت مجموعة من الباحثين عن أول خلية بكتيرية اصطناعية ذاتية التكرار، وتمكنوا من تخليق جينوم جديد. وفي أبريل 2019 أبلغ العلماء في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ عن إنشاء أول جينوم بكتيري في العالم، صُنِّع بالكامل بواسطة جهاز كمبيوتر.

رفيق العلماء في أبحاثهم هي البكتيريا الإشريكية القولونية، التي تعيش في أمعاء الإنسان، ورغم أنها قد تؤدي أحيانا إلى آثار ضارة، إلا أنها تعزز التقدم العلمي في مجالات الحمض النووي والوقود البيولوجي وصولا إلى لقاح كوفيد.

 والآن، تنطوي هذه البكتيريا على تطور جديد، إذ يمكنها حل مشكلة حسابية تقليدية على شكل متاهة باستخدام الحوسبة الموزّعة أي تقسيم الحسابات الضرورية بين أنواع مختلفة من الخلايا المعدلة جينيا.

وبدلا من تعديل نوع واحد من الخلايا للقيام بكافة العمل، يقوم الخبراء بتصميم أنواع متعددة من الخلايا لكل منها وظائف مختلفة لإنجاز المهمة من خلال العمل الجماعي، قد تتمكن هذه الميكروبات المعدلة من إجراء العمليات الحسابية وحل المشكلات بطريقة مماثلة للشبكات الطبيعية متعددة الخلايا.

حل المتاهة بواسطة الإشريكية القولونية جاء من معهد ساها للفيزياء النووية في كالكوتا، في أبحاث قادها عالم الفيزياء البيولوجية سانغرام باغ، الذي وصف المشكلة بـ”لعبة بسيطة وممتعة”، وتعدّ أيضا دليلا على مبدأ الحوسبة الموزعة بين الخلايا، يوضح كيف يمكن حل المشكلات الحسابية العملية والأكثر تعقيدا بطريقة مماثلة، وفي حال نجاح هذا النهج على مستويات أكبر، قد نرى له تطبيقات في كافة المجالات، من الصناعات الدوائية والزراعة إلى السفر والفضاء.

التفوق الخلوي

Thumbnail

يعتقد كريس فويت عالم البيولوجيا التركيبية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (ورئيس تحرير مجلة البيولوجيا التركيبية التابعة للجمعية الكيميائية الأميركية، التي نشرت النتيجة التي توصل إليها باغ)، أن الحوسبة الموزّعة هي الاتجاه الذي يجب أن تسلكه البيولوجيا التركيبية.

من وجهة نظر فويت، فإن الطموحات الكبيرة المتعلقة بالخلايا الميكروبية لها ما يبررها، وقد أجرى العمليات الحسابية التي تدعم ذلك. ويقول “تحتوي ملعقة صغيرة من البكتيريا على بوابات منطقية أكثر مما هو موجود في 2 مليار معالج زيون. وتحتوي على حجم ذاكرة في الحمض النووي أكثر مما هو موجود في الإنترنت بأكمله”.

وفي العام الماضي، نجح فويت وزملاؤه في برمجة الحمض النووي بخوارزمية الآلة الحاسبة وإنشاء عرض رقمي باستخدام الإشريكية القولونية المتألقة. وقد استخدموا برنامجا تم تطويره بواسطة مختبر فويت، ويسمى سيلو. يأخذ برنامج سيلو الملفات من فيريلوغ، وهي لغة برمجة تُستخدم لوصف الدارات وتصميم نماذجها، ويحولها إلى حمض نووي، ولذلك يمكن القيام بنفس الترتيبات في الخلايا.

ويتساءل فويت عما إذا كان التقليد المباشر للحوسبة الإلكترونية هو أفضل طريقة للاستفادة من القوة الحاسوبية للبيولوجيا وحل المشكلات المعقدة ذات الأساس البيولوجي. وخلال بحثه عن الطريقة الصحيحة، ابتكر باغ مؤخرا نوعا من البنى الشبكية العصبية الاصطناعية للأدوات البكتيرية.

 

التقديرات تشير إلى أن التقدم في التكنولوجيا الحيوية على مدى السنوات العشر القادمة سيكون له تأثير اقتصادي مباشر يصل إلى 4 تريليونات دولار في السنة

ويفكر عالم البيولوجيا التركيبية بجامعة مدريد التقنية أنغيل غوني مورينو بنفس الطريقة. ويقول “إذا كنا سنعمل على التكنولوجيا الحية، فعلينا أن نعمل وفقا لقواعد الأنظمة الحية”.

ويتخيل غوني مورينو الانفصال عن تناظر الدارات الإلكترونية من خلال الاستفادة من كيفية إحساس الخلايا وتكيفها مع بيئتها وذلك بالاعتماد على الانتقاء الطبيعي كأداة لدفع التصاميم الحسابية للأمام. ويقول إن التطور هو عملية بيولوجية تحسب المعلومات بمرور الوقت، وتحسّن الأنظمة الخلوية لإنجاز مجموعة متنوعة من المهام.

ويعتقد أن هذه الطريقة يمكنها أن تتتوج في النهاية بما يسميه التفوق الخلوي ينطوي هذا المصطلح على تشابه متعمد مع مصطلح التفوق وهو النقطة التي تتجاوز فيها أجهزة الكمبيوتر الكمومية قدرات الحوسبة التقليدية في مجالات معينة.

ويقول مورينو إن أجهزة الكمبيوتر البيولوجية قد توفر قدرات متفوقة في حل المشكلات في بعض المجالات مثل تعزيز الإنتاج الزراعي (بكتيريا التربة التي يمكنها تعديل المواد الكيميائية التي تنتجها وفقا لتغير الظروف) واستهداف علاجات للأمراض.

وتشير التقديرات إلى أن التقدم في التكنولوجيا الحيوية على مدى السنوات العشر القادمة سيكون له تأثير اقتصادي مباشر يصل إلى 4 تريليونات دولار في السنة. هذا الرقم هو أربعة أضعاف القيمة السوقية لشركة أبل. فهل تتخيل الفرصة الاستثمارية التي تقدمها لك البيولوجيا التركيبية والحوسبة الموزعة؟

12